عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا في العام 2002، كان الكثيرون راضين عن تأكيداته بأنه سيجعل انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية التركية، برغم توجهاته الإسلامية.

وقد ساهم التعهد بالحفاظ على الشخصية الأوروبية لتركيا في تهدئة المخاوف داخل تركيا وفي أوروبا إزاء الأصول الدينية للحزب، وكان المنطق المسموع هو :إذا أراد حزب العدالة والتنمية «تركيا أوروبية» فلن يكون من الممكن له تبني توجهات دينية.

وفي البداية، صدق الحزب في وعوده ودفع باتجاه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، من خلال إصدار التشريعات الإصلاحية وجعل تركيا دولة قابلة للترشح لمحادثات الانضمام في العام 2005. ولكن، مع بدء تركيا محادثات الانضمام إلى أوروبا حوّل الحزب اهتمامه باتجاه الشرق الأوسط، معتقدا أن ذلك سيجعل تركيا «دولة مركزية»، وجسرا للثقة بين أوروبا و«العالم الإسلامي».

فشل مزدوج

وبعد ثماني سنوات لم ينجح حزب العدالة والتنمية في قيادة تركيا لتصبح جسرا بين الدول الأوروبية و«العالم الإسلامي» ولا لأن تصبح دولة أوروبية في حد ذاتها. ولم يزد الأمر عن تحول تركيا إلى منبر للعالم الإسلامي بصبغة سياسية ضد الغرب، مع تزايد إحكام الحزب سيطرته على السلطة وانفتاحه على فكرة الحكم الديني.

وتصديقا لفكرة أن حزب العدالة والتنمية، مع بعض التعديلات والإصلاحات، يمكن أن يبني الجسور بين أوروبا والدول الإسلامية، روج البعض للحزب باعتباره وسيطا خاصا في المنطقة، محصنين إياه ضد أولئك الذين أعربوا عن القلق في البداية إزاء التوجهات العالمية للحزب.

وفي العام 2002، احتفى الكثيرون بفكرة أن حزب العدالة والتنمية هو بشارة أوروبا إلى العالم الإسلامي. ولكن يبدو الآن أن الحزب هو مبعوث «عالم إسلامي» مشحون سياسيا ومعاد للغرب، بشكل فطري، إلى أوروبا.

لقد فشلت رؤية حزب العدالة والتنمية بشأن السياسة الخارجية. ابتعدت تركيا عن أوروبا. وبذلك، لم تعد القوة الإقليمية أو الوسيط الموثوق فيه الذي سعت أنقرة إلى أن تتقمص دوره فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط.

وتعميقا لآلام أولئك الذين تطلعوا إلى إيجاد دولة تركية نافذة وقوية، لم تصبح أنقرة «الدولة المركزية» التي تجسر الهوة بين الشرق والغرب، وتتواصل مع كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، وتكسب ثقة كل من أوروبا وإيران. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة الحقيقة، وهي أنه رغم عضوية تركيا في «ناتو» فلا يمكن اعتبارها حليفا أوروبيا في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية.

مقترحات

ولكن هناك طريقا للتقدم، هو الانضمام التركي إلى الاتحاد الأوروبي. إذا كانت عملية انضمام تركيا إلى أوروبا قد تعطلت في عالم ما بعد أحداث 11 سبتمبر، فذلك يمثل عارا حقيقيا، لكنه ليس كارثة. معنى ذلك، أن تركيا قد تكون خارج الاتحاد الأوروبي، لكنها تظل جزءا من أوروبا والغرب.

الآن، والاتحاد الأوروبي يوسع حدوده باتجاه دول منطقة البلقان وباتجاه تركيا، وفي حين تسعى «القاعدة» لإشعال حرب بين «العالم الإسلامي» المحددة هويته السياسية سلفا، وبين أوروبا، فإنه لم تعد توجد منطقة رمادية يمكن لتركيا أن تتموقع فيها. لا بد من أن تصبح تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي، وإلا تزايد تقاربها مع «العالم الإسلامي» كما تتمنى «القاعدة».

ولا تسفر تدخلات السياسة الخارجية التركية عن نتائج إيجابية بالنسبة لأوروبا كما تثير النزعات الدينية في أوساط الأتراك. وحل ذلك، أن يتم إخراج تركيا من الشرق الأوسط، ووضعها، في مكانها الطبيعي، في أوروبا.

وبناء على ذلك، ينبغي على قادة أوروبا جعل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وعضويتها في «ناتو» جزءا رئيسيا من نقاشاتهم مع حزب العدالة والتنمية والشعب التركي.

وهناك أمل في هذا الصدد، حيث ان تركيا لا تزال ديمقراطية متعددة الأحزاب، ولأن ثلث الأتراك فقط يؤيدون حزب العدالة. وبعد واقعة الاعتداء الإسرائيلي على قافلة الحرية التي أرسلتها أنقرة لمساعدة أهالي غزة، بدأ حزب العدالة في تبني خطاب معاد بعنف لأوروبا، من أجل زيادة شعبيته.

وسيواصل الحزب انتهاج سياسة خارجية معادية لأوروبا، لزيادة شعبيته في فترة الإعداد للانتخابات البرلمانية في العام المقبل.

ولكن ماذا سيحدث لو فشلت محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في التحرك قدما؟ لقد تباطأت محادثات عضوية أنقرة في الاتحاد الأوروبي إلى ما يشبه التوقف الكامل.

مما يجعل قطار تلك المحادثات يذكر بنكتة تقال عن القطارات في الاتحاد السوفييتي في عهد زعيمه الراحل ليونيد بريجنيف إذ تقول: «مع ركود روسيا، لا تتحرك القطارات، ولا يتغير المشهد، وهو ما دفع الناس إلى التلفظ بعبارة (تشو-تشو)، من أجل خلق إحساس وهمي بالتحرك.» .

ويجسد هذا الموقف الخاص بمحادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وعند لحظة معينة، سيدرك الأتراك أن قطارهم الأوروبي لا يتحرك قدما، وسينزلون من القطار. وسيكون ذلك كارثة، ستنهي صورة تركيا كدولة ديمقراطية حرة، وستعرض أوروبا إلى عواقب خطيرة.

لقد ظهر حزب العدالة الذي تم حظر سلفه «حزب الرفاه» في العام 1998، على الساحة السياسية في العام 2001، ببرنامج سياسي واضح. وتخلص الحزب من الخطاب المعادي للغرب الذي كان يتبناه حزب الرفاه، الذي كان يصف الاتحاد الأوروبي بـ «نادي الرأسمالية والمسيحية»، وبدلا من ذلك انخرط في محادثات الانضمام لأوروبا.

ورغم ذلك، ورغم توجهاته الجديدة المؤيدة للغرب، فلم يؤمن الحزب حقيقة بأن مصير تركيا ترتبط بأوروبا، ولم يمتلك رؤية استراتيجية لعضوية بلاده في الاتحاد الأوروبي.

بدلا من ذلك، استخدم حزب العدالة والتنمية محادثات الانضمام إلى أوروبا كوسيلة تكتيكية لإخفاء صورته الدينية وكسب المصداقية من الغرب، وكبح قوة الجيش العلماني تحت غطاء التحول نحو الديمقراطية بمباركة أوروبية.

معارضة فرنسية

وتؤثر معارضة فرنسا الشديدة على محادثات انضمام تركيا. وحتى الآن، تم قبول جميع الدول ال22 التي دخلت في محادثات للانضمام للاتحاد. رغم ذلك، يرغب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في معاملة تركيا بطريقة مختلفة ويعارض عضويتها في الاتحاد، بغض النظر عن ما يجري حاليا في تلك المحادثات.

ويبدو الآن أن ما يعرقل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس هو الدين بقدر ماهو عدم التزام أنقرة بالقيم الغربية الحرة. وكان من الممكن أن تتغلب تركيا على معارضة فرنسا العنيفة لانضمامها من خلال إجراء إصلاحات واسعة النطاق للتواؤم مع الأعراف الأوروبية وجعل تحفظات ساركوزي في غير محلها.

وبعد تزلفه إلى البيروقراطيين في بروكسل وإلى الليبراليين الأتراك حتى العام 2005، أسقط حزب العدالة فجأة مسألة الانضمام إلى أوروبا من أولويات سياسته الخارجية، في الوقت الذي كان من المفترض أن يبدأ تنفيذ أصعب الإصلاحات المطلوبة للانضمام.

الآن يتضح أن هذا التحول المفاجئ كان متسقا مع رؤية الحزب التكتيكية لعملية الانضمام. فقد احتفظ الحزب بالمحادثات، طالما كان يستطيع تنفيذ ما تتطلبه منه على المستوى المحلي، وأكسبته مزيدا من الشرعية في أوروبا كمؤيد للاتحاد الأوروبي.

ولكن بمجرد أن دخلت المحادثات مرحلة جوهرية في العام 2005، وتزايدت التكاليف المحلية الاقتصادية والسياسية للإصلاحات التي طلبها الاتحاد الأوروبي، انسحب الحزب من العملية برمتها، معتبرا أن الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع أوروبا أهم من الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

تكاليف سياسية

وعلاوة على تململ الحزب من التكاليف السياسة المحلية لتنفيذ الإصلاحات الأوروبية، التي لا تلقى قبولا شعبيا، فقد تراجعت شهية الحزب تجاه أوروبا بسبب قرار محكمة حقوق الإنسان الأوروبية في العام 2005، بتأييد قرار محكمة تركية بحظر ارتداء الحجاب في الجامعات التركية.

لقد كان الحزب يأمل في أن تساعده أوروبا في معادلة الملامح العلمانية القوية في تركيا من خلال السماح بدرجة أكبر بممارسات إسلامية أكثر. بدلا من ذلك، أشار قرار المحكمة الأوروبية إلى أن أوروبا مسرورة لعلمانية تركيا كما هي من دون تعديلات.

وظهرت أول إشارة رمزية من جانب الحزب تدل على فقدانه الرغبة في الاتحاد الأوروبي، عندما أعلن عام 2005 «عام إفريقيا»، مختارا توجيه الاهتمام التركي نحو قارة أخرى، في وقت غير مناسب، إلى حد كبير.

وبمرور الوقت أهمل الحزب تماما مسألة الإصلاحات، وتركها تتدهور. والآن تتراجع بشدة احتمالات تراجع حزب العدالة والتنمية عن خط سيره المرسوم حيث يبدو الحزب راضيا بدرجة كبيرة عن بقاء تركيا بوضوح خارج الاتحاد الأوروبي.

ربما تبرر هذه التطورات معارضة الرئيس الفرنسي لطموحات تركيا بالانضمام إلى أوروبا، لكنها تقوي في الوقت نفسه المعارضة الشعبية لذلك أيضا. فكلما أمعن ساركوزي في موقفه، ثأر الأتراك منه بتبني توجهات مناهضة لأوروبا، وأصبحوا أكثر اقترابا من سياسة حزب العدالة والتنمية.

وإذا واصلت أوروبا رفض انضمام أنقرة إليها، فأي رسالة يمكن أن تكون القارة الأوروبية قد بعثت بها إلى مسلميها؟ .

بقلم: سونر كاجابتاي

ترجمة: عصام بيومي