لطالما كانت الولايات المتحدة أرض الفرص اللامحدودة. لكن هذا الحلم تحول إلى كابوس الآن، بالنسبة للكثيرين، بل إلى مصيدة. تدرك أميركا الآن فقط مدى الهشاشة التي وصل إليها النجاح الذي حققته، ومدى مرارة الواقع. وإذا لم تجد القوة العظمى الوحيدة في العالم الآن مخرجا من أزمتها فإن ذلك قد يسبب متاعب كبيرة للاقتصاد العالمي.
يدفع الوضع الذي تشهده الولايات المتحدة حاليا إلى التساؤل عما إذا كان الحلم الأميركي قد انقضى أجله، وتبدد وما إذا كان ما نشاهده الآن هو مرحلة تداعي تلك القوة العظمى وانهيارها، أم أن الأمر غير ذلك؟ إجابة هذا التساؤل تتضح من خلال استعراض الحقائق التالية:
كان من المفترض أن تكون أميركا المكان الذي تتحقق فيه العشرات من الأحلام. هنا في أبل بلوسوم درايف، ذلك الشارع الصغير الذي يمتد تحت سماء فلوريدا الزرقاء الآزورية، حيث الطقس معتدل، ويمثل العلاج للكثير ممن يعانون آلام المفاصل والروماتيزم.
فكل شيء جاهز، أماكن ركن السيارات أمام المنازل اكتملت، وقد زينت بمصابيح من الحديد الزهر، والبرك وجداول المياه الصناعية ملئت بالمياه، كما تم تمديد جميع الأسلاك المتعلقة بخدمات الهاتف والتلفزيون و الانترنت، تحت الأرض. هذا الشارع في فلوريدا كان من المفترض أن يكون جزءا صغيرا من شخصية أميركا الأكبر، أن يصبح مكانا تتحقق فيه كل الأحلام الفردية لتصبح جزءا من القصة الأميركية الكبرى.
لكن، للأسف، هناك أشياء قليلة مفقودة. أحد هذه الأشياء يتمثل في الناس، والثاني في المنازل! الرسومات كلها جاهزة، لكن أساسات المنازل لم تصب بعد. لقد أصبح شارع أبل بلوسوم درايف، على مشارف فورت ماير، بفلوريدا، طريقا إلى المجهول، أو اللاشيء.
لن يأتي أي من المتقاعدين أو أولئك الحالمين الذين أرادوا تحصيل نصيبهم من كعكة الحلم الأميركي، في مقابل كل تلك السنين التي عملوا خلالها في مصنع في ميتشغان أو في مكتب في نيويورك.
لن يأتوا إلى أبل بلوسوم ولا إلى أي شارع من الشوارع المهجورة الأخرى، التي كان من المفترض أن تدشن بأسمائها اللطيفة ومناظرها الطبيعية الأنيقة معاني الحرية والرخاء، بوصفهما الهدف والمحطة النهائية في الرحلة الأميركية، لكنها الآن تترك في النفس ذلك الإحساس بالحزن، الذي تبعثه مشاهدة أطلال مدينة ديترويت الصناعية.
كانت فلوريدا هي منتهى الحلم الأميركي، والوعد، والرمز، والجنة الأميركية على الأرض. فقد كانت هي الأمل لكل من يريد أن يمتلك بيتا.
ولعقود طويلة كان يتوافد على الولاية الأميركية ما بين 200 ألف إلى 400 ألف شخص. تزايد سكان الولاية من دون توقف، ومع نمو السكان تزايدت بدورها أسعار العقارات، وتزايدت قيمة ممتلكات من كانوا هناك بالفعل، حيث بدأوا يتطلعون لبيوت أكبر وأحلام أكبر. كانت فلوريدا تبدو حقا آلة تقدم ونمو لا ينتهي.
وفجأة انتهى ذلك كله. فقد بدأ تعداد سكان فلوريدا في الانخفاض من جديد، حيث تراجع بمقدار 58 ألف نسمة في العام الماضي. بعض هؤلاء الذين غادروا من أبناء الطبقة المتوسطة الذين خططوا يوما ما لقضاء سنوات عمرهم الذهبية متمددين في ظل أشجار النخيل الوارفة الظلال، وهم الآن يصطفون متزاحمين أمام منافذ توزيع الغذاء المجاني.
في منطقة لي كاونتي، على ساحل فلوريدا جنوب الغربي، يوجد 80 ألفا ممن يحتاجون إلى الحصول على مساعدات غذائية من الحكومة للبقاء على قيد الحياة. هذا العدد هو أربعة أضعاف ما كان عليه في العام 2006.
أرقام العاطلين عن العمل تتزايد بشدة في الولاية، التي باتت الآن رمزا لذبول الحلم الأميركي. بل ربما إلى فشله الكامل. فهل يكون الحلم قد انتهى بالفعل؟
لقد عاش الأميركيون لعقود طويلة بما يتجاوز إمكانياتهم.
وتكونت لديهم ثقافة شكلتها ما تسمى «تعويذة الاستحقاق»، تلك التي وعدت بحصول الجميع على الفرص وسط تجاهل تام للمخاطر. أصبح التطلع الطبقي المتواصل، والذي لا يمكن وقفه هو عقيدة المجتمع الأميركي. ووضع آلان غرينسبان حاكم البنك المركزي الأميركي السابق الأساس ل «مجتمع الملكية» المزعوم، بينما ساعد الكونغرس والبيت الأبيض في إزالة كل القواعد والقوانين من أمامه.
عندما وصل غرينسبان إلى واشنطن في العام 1967، حيث عمل مستشارا انتخابيا للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، رأي أن قواعد النظام الاقتصادي القديم المسمى «النهج الجديد» (وهو نظام كان يقوم على تدخل الحكومة لمساعدة المحتاجين)، لا تزال موجودة.
وأصبح هو مثل مغني البوب الأول في عالم الاقتصاد. كما أصبح وجه «النظام الجديد»، الذي لم يكن يرى دورا حقيقيا للحكومة في الاقتصاد، وباتت الشركات فيه لا ترى الحكومة كشريك، وإنما كغريم. وفي ظل النظام الجديد تغير كل شيء وتزايدت الفجوة بين الفقراء والأغنياء، حتى أن مديرا تنفيذيا واحدا الآن يكسب 300 ضعف العامل العادي. كما أن 1,0 % من الأغنياء يملكون ما يملكه 120 مليونا الأكثر فقرا في الولايات المتحدة.
كان الحلم هو القوة الدافعة لأميركا. فهو الذي أوجد فلوريدا، وهوليوود، وحقق ثروات غولدمان ساكس، وجذب الملايين من المهاجرين. الآن يكتشف الأميركيون أن للحياة طرقا واتجاهات كثيرة، احدها من دون شك يتجه إلى الأسفل.
وأصبح الاعتقاد بأن الأسهم هي الكفيلة بجلب الثروة لكل الناس، ككائن خرافي في الولايات المتحدة، شأن الاعتقاد بأن من حق كل فرد امتلاك بيت صغير، ثم بيت أكبر، وسيارة ثانية وربما أيضا يخت. ولكل عند لحظة معينة، ينتهي كل شيء.
بدت الولايات المتحدة دولة مضطربة ومخيفة في العام 2010.
لا تزال الشركات الأميركية على مستوى عالمي، ولكن اليوم تستثمر شركات أميركية، مثل آبل وكوكاكولا وغوغل، ومايكروسوفت في آسيا، حيث الأيدي العاملة رخيصة، وحيث الأسواق في نمو، ولكنها لا تستثمر تقريبا داخل الولايات المتحدة. وهناك الآن 47% من الأميركيين، أي نصف الشعب تقريبا، لا يعتقدون بأن الحلم الأميركي لا يزال واقعيا.
الآن «الولايات اليائسة الأميركية» تجأر بالشكوى والإحباط. كانت الولايات المتحدة على الدوام مصابة بجنون العظمة، لكنها الآن تشعر بالقنوط، والتشاؤم وانعدام الأمل أيضا. لطالما آمن الأميركيون بقدرة بلادهم على العودة للحياة من جديد، وبأن بداية جديدة ستكون ممكنة في أي وقت. الآن لا يؤمن 63% من الأميركيين بأنه سيمكنهم الحفاظ على مستوى المعيشة المتوفر لهم حاليا.
وإذا كانت أميركا حقا على طريق الانزلاق، فستكون لذلك عواقب على الاقتصاد العالمي وعلى النظام السياسي الدولي. انهيار أميركا لا يشترط أن يكون بالضرورة انهيارا كاملا. فهي دولة على كل حال تمكنت من إعادة إحياء نفسها مرات عدة من قبل. لكن اليوم لا يبدو مؤكدا، ولا حتى مرجحا، أن كل شيء سيتم إصلاحه في نهاية المطاف. فالولايات المتحدة في العام 2010 مختلة وظيفيا، ولكن بطرق جديدة.
فنظام التفاعل بين الضرائب والاستثمار برمته يعاني خللا شديدا، لأن القانون المكون من 16 ألف صفحة يسمح بثغرات لا حصر لها، ولأن التضامن لم يعد جزءا من تفكير الأميركيين. أما النظام السياسي فهو مبتلى بالشللية، المعروفة في الولايات المتحدة باسم «جماعات الضغط»، والكراهية الصارخة، حتى لم يعد قادرا على التوصل إلى قرارات متسقة أو حتى في الوقت المناسب.
المرء يشعر بمدى القنوط والخوف الذي يسيطر على السياسة الأميركية في واشنطن. ويقول تيم آدامز، المسؤول السابق في إدارة الرئيس السابق بوش، وهو يجلس في فندق مقابل للبيت الأبيض إن تعبير «لوبييستس» أو «جماعات الضغط» أو «الشللية»، خرج من ذلك المكان الذي يجلس فيه.
فقد كان من لديهم حاجة إلى الرئيس ينتظرونه في بهو الفندق أو «اللوبي». ويعمل آدامز حاليا مستشارا ل«صناديق التحوط» التي يطلق عليها لقب «السمكة الكبيرة» في عالم الاقتصاد.
ويشرح آدم كيف عاشت أميركا بطريقة تجاوزت إمكانياتها المعيشية. وكيف خرجت الميزانية عن السيطرة، وعن ضرورة التفكير في نظام ضرائب جديد. ويلخص مشكلة أميركا الحالية في رفض إدارة أوباما التسليم بضرورة خفض الميزانية، بينما يرفض الجمهوريون أي زيادة فيها، وهو ما يصيب الوضع بالشلل.
ويبدو أن أميركا ترد بشكل غريب على فقدانها أهميتها، وهو رد فعل يتسم أساسا بالغضب. فهناك شريحة كبيرة من الأميركيين تريد العودة إلى الماضي الجميل. وأفرادها لا يكرسون أي وقت للتأمل، ويعتبرون أن المهارة والعبقرية صفتان للصفوة فقط، ولا تنتميان لأميركا.
ويحرك الديماغوغيين الكراهية والغضب على شاشات محطات التلفزة مثل شبكة فوكس. هذه الأجزاء من الولايات المتحدة، والتي تشكل أغلبية في الكثير من الولايات، تجهل حقائق العولمة وسوق العمل الدولي، ولا يمكنها إلا أن تصرخ. وهي تكره كل شيء جديد أو غريب عليها. فهل تستيقظ الولايات المتحدة أم أن الوقت قد فات بالفعل؟
ترجمة ـ عصام بيومي
