تماماً كما انتهى مؤتمر المناخ في كوبنهاغن، قبل سنة، ختم نظيره في كانكون أعماله الأسبوع الماضي؛ باتفاق إنقاذي لتحاشي الانهيار. بيانه، الذي تمخضت عنه محادثات طوال أسبوعين شاركت فيها 193 دولة؛ جمع بين الترقيع وطمر الرأس في الرمال وتأجيل البت، سنة أخرى؛ بالجوانب الأساسية للاحتباس الحراري ومستلزماته الضاغطة.

دوّامة مكرورة، فيها من العض على الأصابع والعبث والاستخفاف، بقدر ما فيها من المجازفة المحشوة بالكوارث الكونية. ومثل كل مرة سابقة، تعمّد المعنيون تلميع النتائج، بزعم أنه ما كان بالإمكان أفضل مما كان. وفي الوقت نفسه انشغل المشاركون وخاصة الكبار، بلعبة التراشق ورمي الكرة بملاعب بعضهم البعض؛ دفعاً للملامة والمسؤولية.

الواقع أنه لا الحصيلة تقترب من المطلوب. ولا أحد من المتراشقين بريء من المسؤولية. يتقدمهم في ذلك عتاة الملوثين: أميركا والصين. وهذه معادلة مزمنة. شهدتها مؤتمرات المناخ، التي تلاحقت في السنوات الأخيرة.

بيت القصيد في خلاصة مداولات كانكون ـ والمؤتمرات التي سبقته منذ كيوتو عام 1997 ـ، أن الخطوات اللازمة لخفض منسوب الغازات الدفيئة المسؤولة عن سخونة المناخ؛ تحدّدها التكلفة والأوضاع الاقتصادية أولاً؛ وليس مدى خطورة التهديد الذي تنطوي عليه، لجهة رفع حرارة كوكبنا.

والمعروف أن هذه التهديدات جدية. وقد حذر منها العلماء مراراً وتكراراً. وبالذات العلماء الأميركيين. لاجتنابها، وضعت توصيات منذ فترة، بوجوب العمل على تقليص حجم الغازات المسممة للمناخ؛ خلال العقد المقبل وبمعدل يتراوح بين 25% و40% عما كانت عليه في بداية التسعينات.

بهذا الحدّ، يمكن تحقيق الهدف المتوافق عليه والقاضي بأن لا تزيد سخونة الكوكب عن 2 درجة مئوية؛ عن مستواها السابق للحقبة الصناعية في العالم. أكثر من هذه الزيادة، يؤدي إلى خلل في منظومة البيئة الكونية، مع ما يستتبع ذلك من كوارث تطول مختلف أوجه الحياة على الأرض. مع ذلك بقي المعدل الموعود عند 16%. وهو غير كاف ولو اقترن الوعد بالتنفيذ.

ابعد ما ذهب إليه اتفاق، بالأحرى صفقة، كانكون كان ترك تحديد نسبة خفض التلويث للبلدان المعنية. هي تقررها وترفع تقارير دورية عن مدى تنفيذها لتعهدها، لكن من دون رقابة ولا تفتيش دوليين وبالتالي من غير محاسبة إذا أخلّت بالتزامها.

صيغة منسوخة عن المخرج الذي تمّ التوافق عليه، في آخر لحظة من مؤتمر كوبنهاغن؛ بين واشنطن والصين والهند وآخرين والذي بقي خارج إطار الأمم المتحدة بسبب اعتراض دول من أميركا الجنوبية عليه.

كما ألزم المؤتمر الدول الغنية بإنشاء صندوق يتولى إنفاق مئة مليار سنوياً، بدءا من 2020، لمساعدة الدول الفقيرة على خفض التلويث والحفاظ على الغابات الاستوائية التي يتلاشى منها 14 مليون هكتار سنوياً بفعل الحرائق. لكنه هو الآخر بقي مجرد طموح على الورق، إذا ترك مصادر هذا التمويل معلّقة؛ على أن يجري تحديدها لاحقاً، في مؤتمر دربن، جنوب أفريقيا، في ديسمبر العام القادم.

وهكذا صار الترحيل السمة الأبرز لمؤتمرات المناخ. الصغار المغلوبون على أمرهم، لا يملكون الموارد لتنظيف البيئة. ولا يحظون بغير الوعد بالدعم. الكبار يلعبون لعبة تبادل الاتهامات.الصين تزعم أنه على الأغنياء أن يبادروا في الخفض المطلوب، كما في توفير المساعدات للدول الفقيرة. واشنطن، تحبّذ « التقدم بالتدريج » السنوي. ليست متحمسة لاتفاقية شاملة وملزمة.

الجمهوريون في مجلس الشيوخ، طلب بعضهم من وزارة الخارجية، « تجميد الإنفاق البيئي المطلوب للبرامج المناخية». لكن هامش الوقت يضيق في 2012 ينتهي مفعول بروتوكول « كيوتو ». كان المتوقع من المؤتمرات التي عقدت في السنوات الأخيرة أن تنجز صياغة بديل متقدم على سلفه.

حتى الآن لم تتمخض عن أكثر من عملية تلزيق، لحفظ ماء الوجه. ما تعذر تحقيقه في كوبنهاغن، الذي كان الأهم حتى الآن؛ وقبله في تايلاند وأندونيسيا وما سبقها؛ من غير المرجح في اعتقاد العديد من المراقبين، أن يتحقق خلال السنتين المتبقيتين من عمر «كيوتو» وفي هذه الحالة هناك خياران:

إما تمديد هذا الأخير وإما الدخول في فراغ لا يملأه غير التعلق بحبال المؤتمرات، التي لن تكون أفضل حظاً من كل تلك التي سبقتها. وحتى التمديد يواجه اعتراضات وازنة، من اليابان مثلاً؛ على أساس أن الملوثين الثلاثة الكبار، أميركا والصين والهند؛ غير ملتزمين أصلا بالبروتوكول.

مواصلة الدول إعطاء الأولوية للسياسة والاقتصاد، على حساب نظام الحياة المهدّد على كوكب الأرض؛ مغامرة على المجتمع العلمي والمدني التصدّي لها وبسرعة.

واشنطن ـ فكتور شلهوب