طلبت منه زوجته أن يحضر لها «بطيخ»... ولكننا في فصل الشتاء... فمن أين سيأتيها بالبطيخ؟ هو يعرف أن سؤاله هذا ليس في محله، فما هو مطلوب منه أن يأتي بالبطيخ، اليوم قبل الغد، لأن «ست الكل» تتوحم على شرحة بطيخة وهي في بداية حملها، ولا يريد أن يظهر أمام أنسبائه أنه عاجز عن إرضاء ابنتهم التي تزوجها منذ أشهر فقط..
في مساء اليوم نفسه فاجأ نفسه قبل أن يفاجأ زوجته بأن جاءها بنصف بطيخة بسعر 10 دولارات..
كنت أخفي البطيخة في كيس، فلا أريد أن أُشاهد وأنا أدخلها إلى البيت.. ماذا سيقول أهلي؟ يقول الزوج الشاب.
ولكن أمه رأته، وابتسمت له وهي ترى ابنها العنيد، ينصاع برقة لمُشتهى زوجته.. «لا بأس، سبحانه يكتب التوفيق لهما» قالت الأم.
في وسط العاصمة عمان، ثمة سوق ضيق بالكاد يتسع لمرور رجلين متقابلين. ولكن فيه ما لا يوجد في أكبر مخازن التموين العمانية من فواكه وأطعمة مخصصة «للحوامل المتوحمات».
سوق الوحمة أو سوق الوحام.. أمل الكثير من الأزواج المتلهفين على الاستجابة لاشتهاء زوجاتهم لبعض الأطعمة «النكدة» تلك التي يصعب العثور عليها سوى بموسمها.
يعود تاريخ سوق الوحمة لخمسينات القرن الماضي. واعتبر ملاذا للحوامل ومقصدا للمسنين، وهو على حاله وفي مكانه منذ ذلك التاريخ. يعرفه العمانيون كما مواطنو محافظات المملكة.
تظن معظم النساء انهن في شهور حملهن الأولى يشتهين بعض الأصناف غير المتوفرة في موسمها. وإذا لم يتحقق لهن ذلك فإنهن يعتقدن بان ما طلبنه ولم يتوفر لهن سيطبع على جسد أطفالهن، وتظهر أورام على شكل الفاكهة أو الأطعمة المشتهاة.
يقول صاحب السوق أبوعبدالله ياسين: أضع حبة كرز وحبة مشمش في «الفريزر» وانتظر الأزواج الذين ترسلهم نساؤهم الحوامل الينا باحثين عن ما يشتهين. وكم تكون الفرحة عندما يتحقق طلبهم. فالزوجات في هذه الفترة حساسات جدا ومن مصلحة الرجال ان يجاريهن وينفذ طلباتهن.
وعرف الناس في عمان سوق الوحمة أو الوحام في الخمسينات في المكان الحالي نفسه الذي يطلق عليه «دخلة الأوبرج» ـ أو دخلة فؤاد. وليس له مثيل في المملكة.
أغرب الطلبات التي استقبلها كانت أن جاءت سيدة مذعورة إليه تطلب منه أن يوفر لها «فحما أسود» قالت انها تشتهيه وتخشى أن تظهر فحمة على جسد المولود.
ولكن ماذا تفعل هذه السيدة بالفحمة السوداء.. هل ستأكلها بالفعل؟
رأي طبي
يقول الدكتور زهير أبو فارس رئيس الجمعية الأردنية للتثقيف الصحي إن الاعتقادات الشعبية حول الوحام غير الصحيحة وقد جاءت ضمن ملاحظات الناس على مدار التاريخ والأجيال.
وأضاف، عند ولادة الأطفال حديثي الولادة تظهر على أجسادهم تغيرات خلقية قد تكون على شكل بقع حمراء «وحمات» أو زوائد لحمية ملونة وهي عبارة عن حالات غير طبيعية في الجلد تفسيرها العلمي وجود خلل في تكوين أجزاء الجسم المختلفة.
وأضاف عندما يكون الجنين بأول أيام تشكله يبدأ يتكون من ثلاث طبقات، طبقة مسؤولة عن تكون الجلد والغلاف الخارجي، وطبقة مسؤولة عن الهيكل العظمي والعضلات وهناك طبقة مسؤولة عن الأعضاء الداخلية وإذا ما حدث أي خلل في أي منها قد تحدث تغيرات في الجلد. ونعرف أن هناك من يولد من دون أطراف أو بـ «ست أصابع» في اليد الواحدة أو عظمة واحدة في ساعد اليد.
وأوضح أبو فارس: أن هذه التغيرات أصبحت تقارن بثمار الفاكهة. فهذه حبة توت وتلك تشبه البلح. ومن هنا جاء الاعتقاد أن المرأة الحامل قد تكون توحمت على فاكهة، مؤكدا أن المرأة خلال فترة الحمل تتعرض لتغيرات نفسية تؤدى إلى اختلاف واضطراب في مشاعرها ومزاجها وذوقها. فقد تكره زوجها وقد يؤدي الأمر بينهما إلى الطلاق. وهي تحب أشياء تكرهها في العادة وتكره أشياء تحبها في العادة.. وهكذا.
أبو فارس يتوقع من المرأة الحامل خلال الشهور الأربعة الأولى كل شيء فقد تشتهي «السجائر» وهي التي تكرهها قبل الحمل بشدة، وقد تعاني من اضطرابات في حاسة الذوق والشم كعلامات الوحام، وغير ذلك.
وينصح رئيس الجمعية الأردنية للتثقيف الصحي المرأة بان تعي ذلك بكثير من الحرص، كما يجب أن يحرص من حولها زوجها وحماتها التي تشكو أحيانا من «دلع» كنتها من ذلك.
ولكن الدكتورة منى إسماعيل تؤكد أن الوحم حالة طبيعية جداً لجسم الحامل الذي يريد أن يعوض ما ينقصه أثناء فترة الحمل من مواد غذائية.
تقول: «قد تشتهي الحامل أكل التراب، والأسماك لإكسابه الفوسفور، وقد تشتاق إلى نوع معين من الفاكهة أو الخضروات»، وقد تبدأ بالرغبة في شم ريحة شيء ما هي في العادة تبغضه، وقد تنفر من الروائح التي تحبها في العادة.. كل شيء ممكن.
وتؤكد الدكتورة منى إسماعيل أن الحالة النفسية هي المحفز الأساسي للوحم في محاولة دفاعية من جانب جسم الحامل للحفاظ على تكوينه متماسكا صلبا وقوياً.
وتشير إلى أن فترة الوحام تبدأ عند أغلب النساء مع بداية الأشهر الأولى من الحمل، يصاحبها دوار وغثيان وتقيؤ، «وهذا كله مرتبط بالتغيرات الهرمونية التي يتعرض لها جسم الحامل «والتي قد تتسبب باكتئاب أو تغير مزاج المرأة وإثارة شهيتها للمأكولات الغريبة، «وبعضهنّ لا تصيبهنّ تلك الأعراض أبداً».
هناك متوحمون أيضا
طلبت من ابنها البكر «خس».. ولم يكن في موسمه.. فطاف لها اسواق محافظة الزرقاء 30 شرق العاصمة عمان. ولما أعياه التعب.. نصحه بعض العارفين بسوق الوحمة.. هناك ستجد كل ما يخطر على بالك.
والدته كانت في مرحلة متقدمة من مرض السرطان ولا يعرف متى سيفقدها ولا بد أن يوفر لها ما تشتهيه.. فجاءها بطلبها.
يقول صاحب السوق أبوعبدالله ياسين، مهنته كعامل إنقاذ.. اشعر أحيانا أني اعمل في الدفاع المدني ولكن لإنقاذ اشتهاءات البشر.. وأحيانا اشعر بالرغبة في البكاء من حرص بعض الأبناء على توفير طلبات آبائهم وأمهاتهم العجزة التي قاربت آجالهم.
«يأتي الشاب متلهفا يمكن أن يدفع كل ما في محفظته كي يأتي لوالده أو والدته بما يشتهيان»..
ليست المسألة متعلقة بالنساء المتوحمات بل بالأشخاص الذين يقترب موتهم أو انهم يشعرون بدنو أجلهم فيشتهون فواكه معينة.
وأشار إلى أن احد الشبان جاء من شمال المملكة لأن والده العجوز طلب مني حبة رمان. وقال إن «نفسه تشتهيها» وانه يشعر بدنو اجله ولهذا جئت إلى سوق الوحمة.
عمان ـ لقمان اسكندر
