مهنة «العطارة» واحدة من المهن التي لم يمحوها التطور العلمي والتقني في زمننا الحالي، وإن كان المثل الشعبي «لا يصلح العطار ما أفسده الدهر» قد خلد أسم المهنة على لسان الناس، فأن توارث الدمشقيين للمهنة، ووجودها في واحدة من أشهر أسواق دمشق التاريخية (سوق البزورية) حافظ عليها كواحدة من المهن التقليدية التي امتلك أسباب استمرارها بين السوريين وإن اختلفت ترتيب أهميتها في حياتهم..

فالعطار ربما لم يعد اليوم يحل مكان الطبيب، ولكنه بلاشك ظل يملك مكانته الأثيرة وخصوصيته عند الناس كبائع للأعشاب الطبية والغذائية، ولاسيما تلك التي دلل العلم على فوائدها ومكوناتها الغذائية المفيدة للجسم ومعالجة عدد من أمراضه.

ولعل في تاريخ مهنة العطارة القديم وثقة الناس العاديين فيها ما سمح للبعض أن يستغل ذلك في ما يشبه ممارسة الدجل على الناس، الأمر الذي لطالما حذر منه أبناء المهنة الأصليين، ومنهم محمد الخطيب الذي ورث المهنة أباً عن جد، ويعود تاريخ عائلته في هذه المهنة إلى ما قبل العام (1890).

يرى محمد الخطيب أن «مهنة العطارة بالأساس اعتمدت على الكتب العشبية الطبية ولكن الفضائيات لعبت دوراً تجارياً أحياناً شوه المهنة، ولاسيما أن الشغل الشاغل لتلك الفضائيات هو الترويج لمستحضرات عشبية معلبة منها ما يحمل مغالطات طبية سرعان ما تكتشفها عندما تظهر نتائج غير مرضية للمرضى..».

ويأسف الرجل ل«دخول نوع من الدجل على المهنة»، لافتاً إلى أن «هناك الكثير من النباتات العشبية لا تصنيف لها يعتمد مستخدميها على الفلاح البسيط الذي يقطفها ويقارنها بصور من كتب موجود لديه وينزلها للسوق ويبيعها بأسماء مغلوطة، حتى أنه أحياناً تباع نبتة واحدة بأسماء متعدد ».

ويطالب محمد الخطيب بـ «قانون ينظم مهنة العطارة وبيع الأعشاب الطبية»، معارضاً الأصوات التي تنادي بإلغاء المهنة، وذلك لأن إلغائها كما يرى السيد الخطيب «يضر بأصحاب المحلات وخصوصاً أن العاملين فيها لا يكتفون ببيع النباتات الطبية بل يبيعون التوابل والبهارات».

تاريخ عائلة محمد العريق في مهنة العطارة لن يكون وحده ما يمتاز به الرجل، إذ يقدم السيد الخطيب نفسه بأنه يكاد أن يكون الوحيد من يمارس مهنة العطارة وفق نظامها الحياتي والأكاديمي بآن معاً، فقد درس نباتات العطارة على نظامها القديم أباً عن جد كوريث لمهنة العائلة، ولكنه درس النباتات الطبية بشكل أكاديمي حيث درس الصيدلة في سوريا، أتمم دراساته العليا بها في مصر..

ويقول محمد: « لقد استفدت من المدرستين، ولاسيما أن كثيرا من الأدوية والنباتات الطبية كنا نبيعها دون أن يكون معروف تأثيرها العلمي الدقيق، إلى أن استطعت عبر دراستي للطب الحديث وعلوم الصيدلة معرفة السبب العلمي لتأثير هذه النبتة أو تلك، وما هي مكونات كل منها، وبذلك أعدت توثيق المعطيات القديمة في الطب العربي أو الشعبي وهذه المرة بعلوم أكاديمية دوائية.

ورداً عن سؤال حول عدم مزاولته مهنة الصيدلة، يوضح محمد أنه كان من المفترض أن يعود بعد أن أنهى دراسته العليا في مصر ليفتح صيدلية ويعمل فيها، إلا أن وفاة والده، وسوء مورد صيدليته، دفعاه للوقوف مكان والده في محل العطارة.

ويلفت محمد إلى أن «موردنا من هذه المهنة قليل إذا ما قورنت بعمل الصيادلة، إلا أنني ارتضيت بالمهنة وأخلصت لعملي ومهنة الوالد والأجداد وحاولت أن احيي المهنة..». اليوم يقف محمد الخطيب في محله ويعمل فيه بجد، ويقول الرجل « لم اشعر بأي تناقض بين مهنتي في محل العطارة ودراستي الأكاديمية للصيدلة، فكنت أتعامل مع المرضى بالصفتين أي أعطيهم علمي وما تعلمته من الأب والجد في المهنة..».

ويلفت محمد إلى أنه «بالنسبة لي أجد متعة بأن استخلص المستحضر من مكوناته الطبيعية وأعطيه للمحتاجين له، أكثر من أن أعطيه علبة دواء جاهزة مركبة في الصيدلية».

ويعترف السيد محمد بأن « العطار المخلص لعمله ليس أفضل من الطبيب المخلص لعمله ولكن المريض يخجل أحياناً من قول الحقيقة للطبيب فيأتي إلينا ليقول الحقيقة وقد يكون دواؤنا هو الشافي».

دمشق ـ ماهر منصور