التليفون المحمول.. الكمبيوتر الشخصي، أجهزة لا يخلو منها بيت عربي إلا أنها أصبحت تمثل حالة من الرعب للزوجات اللاتي أصبحن على يقين بأن هذا التطور التكنولوجي قد سهل كثيرا على الزوج التحرك بحرية دون رقابة من أحد، فسماعة الهاتف المنزلي لم تعد تجدي أمام جهاز المحمول الذي يضعه الزوج في جيبه، والرسائل الورقية أصبحت سحس.
واللقاءات والمقابلات الغرامية تحولت إلى مقاهي الإنترنت في غرف الدردشة.ووسط هذا الوضع المعقد، لم تجد الزوجات سوى التجسس على أزواجهن عبر نفس الأجهزة، سواء من خلال الدخول على البريد الإلكتروني للزوج أو على صفحته على «الفيس بوك» وغيرها من وسائل المطاردة للزوج عن طريق سكرتيرته أو التفتيش الدائم في أوراقه..
فهل تحول تجسس الزوجات لظاهرة في عالمنا العربي، وكيف ينظر علماء الاجتماع والنفس لتداعيات هذا الأمر؟.. تفاصيل أكثر حول تجسس الزوجات تضمها السطور القادمة.
«أحمد.م.ع» موظف يعمل في أحد الأجهزة الحكومية بمصر، أصبح قلقا من زوجته التي تشك فيه بشكل دائم، ويقول: غلطتي التي لا أغفرها لنفسي أنني تحدثت إلى زميلتي من المنزل وسمعت زوجتي المكالمة رغم أنها كانت مكالمة مهمة تخص العمل وإنجاز مهام محددة قبل حضوري إلى المكتب.
وأعترف بأن المكالمة لم تخل من عبارات المجاملة المعهودة وهي الإشادة بها، ومن يومها أصبحت حياتي جحيما رغم أن النقاش حول المكالمة والذي كان مشتدا قد حسمته في عشر دقائق، ولكن هذه الدقائق كما أعتقد تم خلالها سحب كل أركان الثقة التي كنت أتمتع بها مع زوجتي الثرثارة.
وللأسف اكشفت أن مفاتيح دولابي الخاص في المنزل الذي أحتفظ فيه بأوراق مهمة والتي أحتاج إلى مراجعتها لأعود بها للمكتب في الصباح- قد نسخت وأصبحت جيوبي مباحة، كل يوم أصحو من النوم أجد كل ما بجيوبي قد تم فحصه بدقة والأوراق التي أرتبها في دولاب أوراقي ليست كما كانت حسب الترتيب.
يضيف الزوج: واجهتها لكنني لم أجد منها ردا واضحا سوى أن خوفي على خصوصياتي يعني أن هناك شيئا ما خطأ أخاف منه، وإزاء ذلك لم أجد حلا سوى تغيير المفاتيح التي بحوزتي لدرجة أنني أصبحت أنام بها وأقوم، أما جيوبي فتركتها متاحة أمامها ولكن هذا الحرص مني زاد الوضع جحيما بيننا.
أما صالحة «زوجة» فتقول: زوجي شكاك دائماً يعتقد أنني أتجسس عليه؛ لأنه يفاجأ بأنني أعرف معلومات عنه يخفيها عني وعندما أواجهه وبدلاً من الدفاع عن نفسه يتمسك بحقه في معرفة من أين لي بالمعلومة، ولا أنكر أن زوج صديقتي صديق مقرب له فيحكي لها عن أشياء تبلغني هي إياها وعندما كثرت المعلومات بدأت أراقبه بطريقتي الخاصة وكشفته عندما قال لي ذات يوم بأنه سيزور صديقا له في المستشفى والوقت كان الثامنة مساء.
تستطرد: لم أرتح لكلامه فتركته يلبس وخرجت إلى أحد أقربائي وطلبت منه مراقبة زوجي ومتابعته، وبالفعل ذهب قريبي خلفه حتى توقف أمام أحد الكازينوهات العائمة ودخل بها، فاتصل بي قريبي وأعطاني العنوان فذهبت هناك لأجد زوجي مع عشرة أفراد بينهم 4 فتيات..
لم أحتمل الموقف فداهمته وسألته عن مشوار المستشفى فرفض الرد وأصر على أن نعود إلى المنزل وفي المنزل أصر على رفضه، فأخذت ملابسي وعدت إلى منزل أهلي، وبدأت الوساطة حتى أعود له فأعادني ولكنه أقسم أمامي بأني لو راقبته لن يتركني على ذمته ساعة واحدة، فرفضت أن أرضخ لهذا القسم وأبلغته أنني لا أطمئن إليه، وفي اليوم التالي طلب مني مغادرة المنزل وبعدها بعث لي بورقة الطلاق.
فتش عن السكرتيرة
ولكن الحالة الأغرب هي قصة «أحمد عبد المنعم» الذي قال: لا أدري أين ومتى تعرفت زوجتي على سكرتيرتي الخاصة وأين التقت بها، فأنا أفاجأ دائما أن زوجتي تعرف كل صغيرة وكبيرة في مكتبي..
من الذي زارني ومن دخل علي ومن خرج من مكتبي والزمن الذي استغرقه كل ضيف أو ضيفة، مع أنها تعلم أن عملي يتطلب ملاقاة الناس، وحتى أوصاف النساء اللاتي يحضرن لي في المكتب تعرفها جيداً لدرجة أنني أستغرب عندما تقول لي مثلا « أظن أن المرأة الطويلة الشقراء بشعرها الطويل قد أعجبتك وسمحت لها بالجلوس معك في المكتب أكثر من ساعة» بالفعل هي نفس مواصفاتها ونفس الزمن الذي قضته معي، وفي يوم ما ناديت على سكرتيرتي وسألتها عن علاقتها بزوجتي فأنكرت أولاً بأن كل معرفتها بها عندما تطلبني على التليفون وتعاملها بلطف فقط، وقال:
عندما ضغطت عليها بالأدلة اعترفت وقالت «إنها في يوم من الأيام طلبتها وتحدثت معها طويلاً في التليفون وأخذت رقم هاتفها المحمول ورقم منزلها ثم تواعدا وخرجتا سويا وجلستا ووعدتها سكرتيرتي بأنها ستكون عينها عليّ ولن تترك شاردة أو واردة إلا وستبلغها عبر التليفون الأرضي بها».
ويستكمل الزوج: لم أفعل شيئا، فقط نقلت سكرتيرتي إلى إدارة أخرى خارج الفرع وعينت سكرتيرا لمكتبي، وبعد أيام سألتني من هو الذي يجلس في مكتب «سارة» فأخبرتها بأنني نقلتها ولم تتحدث أو تعلق ولكنها بعد يومين جاءتني قائلة «بأن سارة وسطتها لتعيدها إلى عملها»، وسألتها إذا كانت تعرف السبب في نقلها قالت «لا وإنها لم تذكر لها أي سبب»، فذكرت لها الأسباب غضبت قليلا وردت قائلة «لكن مهما فعلت سأعرف ما أريد أن أعرفه».
تجسس الكتروني
أما «نادر» فهو رجل أعمال في نهاية الثلاثينات، أما زوجته فهي كما يقول، ذكية ومتفتحة وجميلة، أبدى نادر استغرابه قائلا: دخلت المنزل وفي غرفة مكتبي وجدتها تقرأ في الرسائل الإليكترونية التي أتلقاها عبر الإميل، جن جنوني فسألتها كيف عرفتي الرقم السري الخاص بي؟
قالت لي «عرفته بطريقتي» ثم سألتها ما السبب، قالت «فضول مني فقط»، وفي اليوم التالي غيرت الرقم السري وحاولت وفشلت وبعدها بأيام كانت قد اجتهدت كثيراً في مراقبتي داخل المنزل وحصلت على الرقم السري الجديد.
وأنا لا أعرف إلا بعد قرابة العام عندما دخلنا في مشكلة وحوار قالت لي الكثير مما أطلعت عليه حتى جن جنوني؛ لأنه خلال هذه الفترة دونت في جهاز اللاب توب مسائل كثيرة تتعلق بحساباتي ومعاملاتي لا أريدها أن تعرفها ولم يكن أمامي إلا تغيير الرقم السري للمرة الثالثة .
ولكن بعد أن شفرت اللاب توب الذي كنت أسمح لها أن تدخل عليه، وبدأت لا أفتحه إلا بعد التأكد من إغلاق باب غرفة المكتب بالمفتاح؛ لأنني اكتشفت أنها تراقبني دون أن أشعر وأنا أضع الرقم السري فتحفظه.
المعرفة بالخيانة تشقي
د. سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع تعلق على الحالات السابقة بقولها إن التجسس على الأزواج ظاهرة كان يعرفها الغرب فقط، فالمرأة هناك إذا أثبتت خيانة زوجها تأخذ نصف ممتلكاته، إلا أنه للأسف أصبحت ظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا العربية حالياً.
فالأمر بعد أن كان في الماضي عبارة عن حالات فردية عندما تشعر المرأة بقلق وشك تجاه زوجها تذهب وتشكو لأهلها وتستعين بأخ لها أو قريب لمتابعة الزوج فكانت حالات فردية بسيطة، أما الآن فتحول الأمر إلى ظاهرة، بعدما أصبح عدم الثقة هو الأساس والقاعدة، وتحول الأمر في بعض المجتمعات إلى «شو» لاستعراض قدرة امرأة عن غيرها في رصد تفاصيل خيانة زوجها وتتبعه، فخرج الأمر من مجرد محاولة الزوجة الحفاظ على زوجها وحمايته من الخيانة إلى محاولة للتسلية من جانبها.
بينما ترى الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن المرأة من قديم الأزل لا تأمن للرجل، وهذا ما استشفيناه من رأي معظم الجدات اللاتي كن يرددن دائماً المثل الشعبي الشهير «يا مأمنه للرجال يا مأمنه للميه في الغربال»، لذا فالمرأة تخاف من الرجل ودائماً تتعامل معه خوفاً من غدره.
ولكنها أكدت بأنها ضد تجسس المرأة على زوجها؛ لأنها عملية لا أخلاقية فيجب أن تثق المرأة في نفسها لأن الثقة والاحترام والتفاهم هم أساس الزواج الناجح.
مرض نفسي
وتختلف معها الدكتورة سهير سند الأستاذة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية التي قالت: يجب أن تكون الزوجة على وعي بما يقوم به زوجها حتى لا ينزلق في أخطاء أو علاقات غير محمودة العواقب، ولكنها شددت أن تكون مراقبة الزوجة ومتابعتها للزوج من أجل الحفاظ على زوجها وبيتها وعدم هدم العلاقة الزوجية، وعلى الزوجة بمجرد علمها بتصرف معين من الزوج أن تقوم بمصارحته فوراً ومواجهته بالأمر.
وتلفت سهير بأن الوسائل التكنولوجية الحديثة سهلت أمر الحصول على المعلومات فقط، فالزوجة تشعر بخيانة زوجها من خلال حاسة تتميز بها، أما هذه الوسائل فتساعدها على التأكد فقط.
وتعلق د. سوزان محمد أستاذ علم النفس قائلة: إن هناك مرضا يسمى الغيرة المرضية يصيب الرجال والنساء على حد سواء، ولكنه أكثر انتشاراً بين النساء بحكم سيطرة العواطف عليهن مما يدفعهن إلى تشديد الرقابة على الطرف الآخر نتيجة تخيلات في أمور وعلاقات لا يكون لها أي أساس من الصحة وذلك بخلاف تفكير بعضهن في مراقبة الهواتف وغيرها؛ كلها أمور غير جيدة وقد تؤدي إلى تدمير حياتهما نهائياً.
