كشفت إسرائيل، أخيراً، وبشكل مفاجئ، عن صور لمفاعل ديمونا النووي، الذي أبقته سراً لعقود طويلة. وأثارت الصور التي عرضتها القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي في شكل فيلم ثلاثي الأبعاد، مكون من 60 صورة، الاهتمام، من جديد بالبرنامج النووي الإسرائيلي.
الذي لا تزال إسرائيل ترفض الاعتراف به رسميا، رغم مطالبة العالم لها بذلك، وبخضوعها للمعاهدات الدولية المنظمة للاستخدامات النووية، وسط صمت أميركي رهيب ينسف مصداقية واشنطن فيما يتعلق بدعوتها إلى منع الانتشار النووي في العالم.
وفي موقف آخر أثار دهشة المراقبين، اقترب الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيرا، من الاعتراف بوجود البرنامج النووي الإسرائيلي، وبأن الولايات المتحدة تعلم بامتلاك تل أبيب رؤوسا نووية، وهو ما أبقاه جميع الرؤساء الأميركيين منذ عهد الرئيس ليندون جونسون طي الكتمان.
فبمقتضى تفاهم تم بين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير، في العام 1969، ظل التقليد المتبع هو الالتزام بسياسة إسرائيل في هذا الصدد، وهي منتهى التعتيم والغموض، حتى عندما، وربما بالذات، عندما يتضارب ذلك مع هدف واشنطن المتمثل بالضغط على الدول الموقعة على المعاهدات الدولية للالتزام بها، والسماح بالتفتيش الدولي على منشآتها النووية.
تناقضات صارخة
ويبدو أن هناك الكثير من التناقضات السياسية التي ليس هناك مفر منها، في عالم يزداد صعوبة. فإسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي لم توقع على معاهدة منع الانتشار النووي، ولكنها الوحيدة التي تمتلك برنامجا نوويا سريا، وتتكتم عليه، وتغض أميركا الطرف عنها.
وكلا من الهند وباكستان كان من المفترض ان تكونا خاضعتين للعقوبات، بسبب إعلان امتلاكهما برنامجين نووين، لكنهما تتلقيان مساعدات كبيرة من واشنطن.فالهند، وبفضل الإدارة الجمهورية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، تتلقى مساعدات فنية أميركية على أعلى مستوى، لبناء مفاعلات نووية، كان من المفترض أن تحرم منها للأبد.
أما باكستان التي تتهم بأنها أسوأ مروج للاستخدامات النووية، إذ يعتقد أنها ساعدت دولا أخرى في الشرق الأوسط على تطوير برامج نووية، فتتلقى بدورها مساعدات عسكرية أميركية كبيرة، لدورها في المساعدة في الحرب في أفغانستان.
كان الرئيس أوباما قد تسلم السلطة لتوه، عندما قرر إعطاء زخم كبير وقوة حقيقية للحملة الأميركية لمنع الانتشار النووي في العالم، لأسباب عدة، منها تبرير الضغوط الأميركية على دول بعينها، في الشرق الأوسط، ومنعها من إكمال برنامجها النووي، مثلما فعلت كوريا الشمالية، وللعمل في المدى البعيد، على التوصل إلى اتفاقات إقليمية، يمكن أن تشمل السلام في الشرق الأوسط، في نهاية المطاف.
لذلك، عندما راجع مؤتمر للأمم المتحدة، حضرته 189 دولة أخيرا، اتفاقية منع الانتشار النووي، وتوصل، بعد أربعة أسابيع من المناقشات المكثفة، إلى اتفاق من 28 صفحة، بشأن خطوات جديدة لمنع انتشار الأسلحة النووية، وترويج الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، رحبت إدارة أوباما بهذا الاتفاق ووصفته بأنه «تقدمي ومتوازن».
ورغم ذلك، فقد كان هناك مأزق، جعل من قيام أوباما بحركات بهلوانية لتفاديه ضرورة لا مفر منها. فالاتفاق الذي أشادت به إدارته في مايو لم تكن به أي أشارة إلى برنامج إيران النووي، وهي التي حضرت المؤتمر، وكان الرئيس محمود أحمدي نجاد على رأس وفدها لفترة وجيزة.
في الوقت نفسه، ذكر الاتفاق إسرائيل التي لم تحضر المؤتمر، ودعاها، ضمن دول أخرى، إلى توقيع معاهدة منع الانتشار النووي، والمشاركة في مؤتمر في العام 2012، يهدف إلى تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من السلاح النووي.
بين السطور
كان الاتفاق يشير بين سطوره إلى أمل، ولو ضعيف، في أن إيران قد يمكن إقناعها بالتخلي عن الأسلحة النووية، إذا أمكن جر إسرائيل إلى مناقشة احتمالات الظروف التي بمقتضاها قد يمكن لها أن تتخلى عن الرؤوس النووية، التي تردد لفترة طويلة أنها تملكها، ويقدر عددها بنحو 200 رأس نووي.
كان الموقف محرجا، فكيف يمكن لأميركا، التي لا يزال عليها الاعتراف بوضع إسرائيل النووي، أن تلتف على هذا الموقف المعقد، في وقت تحاول أن تكسب ثقة حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وإقناعه بالتعامل بجدية مع محادثات السلام مع الفلسطينيين.
كان نتانياهو يقف إلى جوار الرئيس الأميركي في البيت الأبيض، في السابع من يوليو الماضي، وهو يتحدث بإيجاز شديد، وبحذر أشد، متجنبا أي كلمة مثل «نووي» أو «سلاح».
حيث اقترب بشدة من أن يصبح أول رئيس أميركي يعترف بقوة الردع النووية الإسرائيلية، بل إنه منحها بالفعل درجة من الموافقة الأميركية لم يسبقه إليها أي من أسلافه الثمانية السابقين. كما أعطى أوباما الانطباع بأنه وبشكل شخصي يعتقد بأن الأسلحة الإسرائيلية قد تخدم المصالح الأميركية.
وفي الحال، فسر دان ميريدور وهو مساعد لرئيس الوزراء الإسرائيلي تصريحات أوباما على أنها مصادقة أميركية على سياسات إسرائيل، وبأنها تمثل تطمينا بأن واشنطن لن تضغط على إسرائيل لتوقيع معاهدة حظر الانتشار النووي، التي رفضت توقيعها على مدى أربعين عاما.
وقال ميريدور لوكالة رويترز للأنباء :»أعتقد أن التصريحات في مجملها، تعطي صورة واضحة للتفاهم بين إسرائيل وأميركا». وبمعنى آخر، يجعل ذلك أميركا وكأنها قد ضبطت في وضع التلبس بالجرم المشهود.
فواشنطن الآن ربما تكون راغبة في تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة منزوعة السلاح النووي، لكنها، في الوقت ذاته، تبدو وكأنها تقول إن ذلك سيتحقق فقط بعد أن يحل السلام في المنطقة بشكل مؤكد، وحتى تشعر القوة النووية الوحيدة فيها، إسرائيل، بالأمان بدرجة تكفي للتخلي عن أسلحتها النووية.
وإذا لم تكن سياسة الولايات المتحدة لمنع الانتشار النووي متضاربة بالكامل، فإن منطقها، عند ترجمته بلغة مباشرة، يبدو ملتويا، كما أن تطبيقها يعتريه الغموض.
وبالنسبة لدارسي العلوم السياسية، لا يبدو هذا التناقض غريبا، ولا يضيف جديدا لفكرة التداخل الشديد بين النفاق والدبلوماسية، وأن الدول قد تكون لها أهداف متضاربة، وخاصة الدول التي تتطلع للكثير، باحتفاظها أو سعيها لامتلاك أسلحة نووية. ولإسرائيل باع طويل في ذلك.
وقد كشفت مصادر كثيرة من قبل نفاق وتناقضات السياسة الإسرائيلية، ومنها كتاب «الحلف الصامت: علاقات إسرائيل السرية مع جنوب أفريقيا العنصرية»، لمؤلفه اليهودي ساشا بولاكو سورانسكي، الكاتب في مجلة «فورين أفيرز»، والذي يشير إلى أنه وجد كل التعاون في جنوب أفريقيا بينما قوبل بالرفض في إسرائيل.
لا إدانة ولا تبرئة
ويكشف هذا الكتاب عن حجم التعاون النووي بين إسرائيل وجنوب أفريقيا اللتين كانتا متشابهتين إلى حد كبير، في سياساتهما العنصرية، قبل أن تتخلى بريتوريا عنها في أوائل التسعينات.
ويتضمن الكتاب أشارة إلى ما نشرته جريدة «غارديان» البريطانية، في مايو الماضي، من أن إسرائيل عرضت على جنوب أفريقيا العنصرية بيعها رؤوسا نووية.
ولا تدين الوثائق المنشورة في الكتاب، والتي حصل المؤلف عليها من أرشيف وزارة دفاع جنوب أفريقيا، إسرائيل بتهمة نشر السلاح النووي، رغم أشارتها إلى تقرير «غارديان»، لكنها لا تستطيع أيضا، تبرئة تل أبيب بالكامل من تلك التهمة.
ويبدو من الكتاب أن إسرائيل في علاقتها النووية بجنوب أفريقيا لم تكن مهتمة باحترام القوانين والمعاهدات، بقدر اهتمامها بالإفلات من الرقابة، مثل سائق سيارة يتجاوز السرعة بكثير، ولا يهمه ذلك بقدر ما يهمه عدم ضبطه متلبسا.
ويسرد الكتاب الكثير من الروايات عن التعاون المكثف بين إسرائيل وجنوب أفريقيا في المجال النووي، ومنها أن الأقمار الصناعية الأميركية رصدت في العام 1979، وميضا مزدوجا مشبوها فوق جنوب المحيط الأطلسي، والذي حللته تلك الأقمار على أنه اختبار نووي مفترض.
وقد تعاملت إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر بشدة مع حكومة بريتوريا آنذاك، ولم تتراجع إلا عندما أدى فحص إضافي للأدلة إلى اكتشاف أن التجربة النووية ربما تكون قد أجرتها إسرائيل بالتواطؤ مع جنوب أفريقيا وبمساعدتها.
»وبين عشية وضحاها، ومثل السحر، تلاشت الضغوط»، حسبما يقول مسؤول جنوب أفريقي سابق، في حديث لمؤلف الكتاب.
وقد ظهر أن مسألة الضغط على جنوب أفريقيا بشأن برنامجها النووي كانت مختلفة تماما عن التحدث عن ذلك علنا، في ظل اشتراك إسرائيل في القضية، في إطار تمنع أميركا كلية عن الاعتراف بوضعها النووي. وهو ما ينسف الموقف الأميركي بشأن منع الانتشار النووي من أساسه.
بقلم ـ جوزيف ليفيلد
ترجمة ـ عصام بيومي
