بدأ القرن الحادي والعشرون بتوزيع غير متوازن لمصادر القوة في العالم. ورغم أن عدد سكانها لا يمثل إلا خمسة في المئة من التعداد العالمي، فقد امتلكت الولايات المتحدة نحو ربع الناتج الاقتصادي الدولي.

وكانت مسؤولة عن نحو نصف الانفاق العسكري العالمي، كما حازت على أكبر مصادر القوة الناعمة في مجالي الثقافة والتعليم. كل ذلك لا يزال صحيحا، لكن مستقبل القوة الأميركية محل نقاش مستعر.

لقد فسر الكثير من المراقبين الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2008 على أنها بداية التراجع الأميركي. ورأى مجلس الاستخبارات القومي الأميركي أنه في العام 2025 «ستكون الولايات المتحدة هي القوة البارزة، لكن الهيمنة الأميركية ستكون قد تراجعت كثيرا.»

القوة هي قدرة المرء على الحصول على ما يريده، وتختلف الموارد التي تنتجها في السياقات المختلفة. فقد استفادت اسبانيا في القرن السادس عشر من سيطرتها على المستعمرات وعلى سبائك الذهب.

وتربحت هولندا في القرن السابع عشر من التجارة والتمويل. أما فرنسا فقد استفادت في القرن الثامن عشر من تعدادها السكاني الكبير وجيوشها.

واستمدت المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر قوتها من تفوقها الصناعي وأسطولها البحري. هذا القرن تميزه ثورة مزدهرة في المعلومات والتقنيات والعولمة. ولفهم تلك الثورة يجب تفادي مزالق معينة.

توقعات مضللة

أولا، على المرء أن يكون واعيا بالتشبيهات المضللة بالانهيار العضوي. فالأمم ليست كالبشر من حيث عمرها المتوقع. فقد بقيت روما مسيطرة لأكثر من ثلاثة قرون بعد وصولها إلى ذروة قوتها. وحتى عندما بدأت بالتراجع لم يكن ذلك نتيجة خضوعها لدولة أخرى.

وعلى الرغم من كل التوقعات السائدة التي ترى أن الصين والهند والبرازيل قد تتفوق على الولايات المتحدة، في العقود المقبلة، فإن الخطر الأكبر قد يأتي من البرابرة الجدد والكيانات التي لا تتخذ شكل الدولة.

في عالم أساسه المعلومات ربما يشكل نشر القوة خطرا أكبر من انتقالها. وتقول الحكمة التقليدية إن الدولة التي لديها أكبر الجيوش هي التي تسود، ولكن في عصر المعلومات باتت الدولة، (وربما الكيان غير الحكومي)، التي تمتلك التقرير الأفضل هي التي تفوز أحيانا.

القوة تتوزع الآن حسب نمط يجسد لعبة شطرنج معقدة ثلاثية الأبعاد. في الرقعة العليا تظهر القوة العسكرية أحادية القطب، ومن المرجح أن تحتفظ الولايات المتحدة بالسيادة فيها لفترة غير قصيرة من الزمان. وفي الرقعة الوسطى يبدو أن القوة الاقتصادية كانت متعددة الأقطاب على امتداد أكثر من عقد من الزمان على الأقل.

وتبدو الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين اللاعبين الرئيسيين فيها، بينما يكتسب لاعبون آخرون أهمية تدريجية. أما الرقعة الأخيرة فهي نطاق العلاقات الانتقالية بين الكيانات الدولية.

ويشمل ذلك الكيانات غير الحكومية على اختلافها، مثل رجال البنوك الذين يحولون الأموال الكترونيا، والإرهابيين الذين يهربون السلاح، أو قراصنة الانترنت الذين يهددون أمن الانترنت، إضافة إلى التهديدات الأخرى، مثل الأوبئة والتغيرات المناخية. وعلى هذه الرقعة الأدنى تتوزع القوة بدرجة كبيرة، ولا يمكن الحديث عن قطب واحد أو أقطاب عدة أو سيادة مطلقة.

وفي نطاق العلاقات بين الدول، سيكون العنصر الأكثر أهمية هو العودة التدريجية من جانب قارة آسيا إلى الساحة العالمية. في العام 1750 كان لدى آسيا أكثر من نصف تعداد السكان والناتج الاقتصادي العالمي.

وفي القرن العشرين وبعد تفجرالثورة الصناعية في أوروبا والولايات المتحدة، انكمش نصيب آسيا إلى خمس الناتج الاقتصادي العالمي.

وبحلول العام 2050، ستعود آسيا إلى التمتع بنصيبها التاريخي مرة أخرى. وقد يشكل صعود الصين والهند قدرا من عدم الاستقرار، لكن هذه مشكلة لها سوابق، وتشير تجارب التاريخ إلى كيفية تأثير السياسة في نتائج ذلك.

مناقشة الانحدار الأميركي

أي تقييم مباشر للقوة الأميركية في العقود المقبلة سيبقى غير محسوم، ولا يفيد التحليل تلك التشبيهات المضللة عن التراجع. ولابد من معاقبة المعتقدين بتراجع أميركا بتذكيرهم بضخامة حجم المبالغة الأميركية الكبيرة في تقدير القوة السوفيتية في السبعينات والقوة اليابانية في الثمانينات.

وبالمثل خطأ اعتقاد الذين بشروا بقطبية واحدة للولايات المتحدة ، والذين رأوا قبل عقد من الآن، أن واشنطن بلغت قدرا من القوة يمكنها من أن تفعل ما تشاء وأنه ليس أمام الآخرين إلا أن يتبعوها.

اليوم، يتنبأ البعض بثقة بأن القرن الحادي والعشرين سيشهد حلول الصين محل الولايات المتحدة في وضع الدولة الرائدة في العالم، بينما يرى البعض بالقدر نفسه من الثقة بأن القرن الحالي سيكون «قرنا أميركيا». لكن الأحداث غير المنظورة تظهر خطأ تلك التوقعات. وهناك دائما أكثر من سيناريو للمستقبل، وليس واحدا فقط.

وفيما يتعلق بقوة الولايات المتحدة مقارنة بالصين سيتوقف الكثير على مستقبل التغيرات السياسية في الصين، وما يمكن أن يحدث من توترات. وحتى إذا استقرت الاوضاع وتواصل النمو الاقتصادي، فلا يعني ذلك بالضرورة أن تتجاوز الصين الولايات المتحدة، كأقوى دولة في العالم، فمعيار الناتج المحلي الإجمالي ليس هو المعيار الوحيد لقياس القوة.

وقد أوضح الاستراتيجي البريطاني لورنس فريدمان أن هناك أمرين يميزان أميركا عن القوى العظمى في السابق، أولهما أن القوة الأميركية تعتمد على التحالفات، وليس المستعمرات، والثاني أنه تقودها أيديولوجية مرنة، وهما معا يمثلان جوهر العلاقات والمبايء التي يمكن لواشنطن الارتداد إليهما حتى وإن كانت قد تجاوزت حدود قوتها.

أما فيما يتعلق بالمستقبل، فتقول الباحثة آن-ماري سلوتر إن ثقافة الولايات المتحدة القائمة على الانفتاح والابتكار ستبقي علي وضع مركزي لها في عالم تكمل فيه الشبكات الترتيب الهرمي للقوة، إن لم تكن تحل محلها بالكامل.

ولقد حان الوقت لتناول جديد للحديث عن مستقبل القوة الأميركية. ووصف انتقال مركز القوة في القرن الحادي والعشرين بأنه مجرد حالة تراجع تقليدية للهيمنة ليس أمرا دقيقا، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات سياسية خطيرة إذا ما شجع ذلك الصين على الانخراط في ممارسة سياسات مغامرة، أو دفع الولايات المتحدة إلى المبالغة في رد الفعل بدافع الخوف.

والولايات المتحدة ليست في حالة انحدار مطلقة، وبشكل نسبي، فهناك احتمال معقول بأن تبقى أميركا أكثر قوة من أي دولة أخرى في العقود المقبلة. وفي الوقت نفسه، ستواجه الولايات المتحدة بكل تأكيد، تزايدا في مصادر قوة أطراف أخرى كثيرة، سواء كانت دولا أو غير دول.

أميركا ليست روما

لأن العولمة ستنشر القدرات التكنولوجية ولأن تكنولوجيا المعلومات ستمكن عددا أكبر من البشر من التواصل، فإن ثقافة واقتصاد الولايات المتحدة سيكونان أقل تأثيرا وسيطرة على المستوى العالمي مما كانا عليه في بداية هذا القرن. غير أنه لا يزال من غير المرجح أن تزول الولايات المتحدة كما زالت روما القديمة، أو حتى أن تتفوق عليها دولة أخرى، بما في ذلك الصين.

لذلك، فمشكلة القوة الأميركية، في القرن الحادي والعشرين، ليست مشكلة تراجع بقدر ما هي مشكلة كيفية تصرف حيال إدراك حقيقة أن أكبر الدول لا تستطيع تحقيق النتائج التي تريدها من دون مساعدة الآخرين. وسيجعل العدد المتزايد من التحديات الولايات المتحدة بحاجة إلى استخدام القوة بالتعاون مع الآخرين بقدر استخدامها ضد الآخرين.

وسيتطلب ذلك بدوره تفهما أكثر عمقا للقوة، بشأن كيفية تحولها وكيفية بناء استراتيجيات «قوة ذكية» تمزج موارد القوتين الصلبة والناعمة في عصر المعلومات. قدرة الولايات على حفظ التحالفات وتكوين الشبكات ستكون بعدا مهما من أبعاد قوتها الصلبة والناعمة.

والقوة ليست جيدة أو سيئة في حد ذاتها. وهي مثل السعرات الحرارية في نظام غذائي؛ المزيد منها ليس أفضل على الدوام. وإذا كانت موارد قوة دولة ما قليلة، فسيكون حصولها على نتائجها المفضلة أقل ترجيحا. لكن توفر الكثير من القوة، في صورة موارد، طالما ثبت أنه لعنة، عندما يقود إلى الاغترار بالنفس واتباع استراتيجيات غير مناسبة.

لقد انتصر داوود على جالوت لأن الأخير دفعته مصادر قوته الفائقة إلى اتباع استراتيحية دونية، أدت بدورها إلى هزيمته ومقتله. من هذا المنطلق، فإن الحديث عن «قوة ذكية» في القرن الحادي والعشرين لن يكون عن تعظيم القوة أو الاحتفاظ بالهيمنة. لكنه يجب أن يكون عن إيجاد السبل لدمج الموارد في استراتيجيات ناجحة في السياق الجديد لنشر القوة «وصعود الباقين».

وستبقى الولايات المتحدة، القوة الأكبر، مهمة في الشؤون العالمية، لكن حديث القرن العشرين عن «قرن أميركي» و«صدارة أميركية» أو «تراجع أميركي» يصبح مضللا عندما يستخدم دليلا على نوع الاستراتيجية التي ستكون ضرورية في القرن الحادي والعشرين.

والعقود المقبلة لن تشهد عالم ما بعد الولايات المتحدة، لكن أميركا ستحتاج إلى استراتيجية تمزج موارد القوة الصلبة والناعمة، ويؤكد ذلك أهمية التحالفات والشبكات التي تستجيب للسياق الجديد لعصر المعلومات.

بقلم ـ جوزيف ناي

ترجمة ـ عصام بيومي