مع اقتراب موعد الاستفتاء في جنوب السودان - بعد حوالي ثلاثة أسابيع - بدأت النغمة في واشنطن تتغير، بخصوص تأجيله. احتمال كان بحكم غير الوارد. صار فجأة في خانة غير المستبعد.

في الأيام الأخيرة صدرت إشارات وتلميحات عن جهات وأوساط أميركية مطلعة، عادت لتوها من جولة ميدانية بين الخرطوم وأبوجا؛ تفيد بأن إمكانية ترحيل الاستحقاق إلى ما بعد التاسع من يناير القادم، باتت قائمة. ولو بدرجة ضعيفة. لكنه مرجّحة بالنسبة لمنطقة أبيي.

ومن بين هذه الجهات من هو ليس بعيداً عن الأجواء الرسمية. كلام جديد. منذ أن وضعت واشنطن هذا الملف، قبل عدة أشهر، على نار حامية؛ تعاطت معه من موقع الإصرار على وجوب الالتزام بموعده المقرّر. وكأنه بات بمنزلة تحصيل الحاصل. التمديد بقي خارج الخيارات المطروحة.

ومن هنا كان تركيزها على تسريع التحضيرات والإجراءات اللازمة، لتأمين حصول الاستفتاء الشامل في وقته. جرى نوع من الاستنفار، حيث عزّزت الإدارة فريق المبعوث الأميركي الخاص بالسودان، بالمزيد من المختصين والتقنيين للمساعدة في انجاز المهمة .

لكن مع دنو لحظة الفصل، بدأت العقبات تظهر بحجمها الحقيقي. كما بدا أن الإعدادات والترتيبات اللازمة، ما زالت غير مكتملة. ومن المتعذر أن تصبح جاهزة في حينه. المناطق المتنازع عليها، بقيت تعقيداتها عالقة. من الحدود إلى الموارد النفطية وانتهاء بأمور الجنسية والإقامة وتنظيم آليات العبور عبر الحدود.

كانت واشنطن تردّد بأن الوقت يكفي لتجاوز كل هذه الإشكالات. حالياً تعترف بأن تجاوزها مرهون بنجاح مساعي الاتحاد الأفريقي الجارية بشأنها. وهي تدرك أن مثل هذا النجاح صعب تحقيقه. القضايا شائكة ومتداخلة. والمتبقي من الوقت لا يكفي.

لذا، حسب معظم التقديرات؛ أبيي بات استفتاؤها في حكم المؤجل، حتى إشعار آخر. وقد يحصل الشيء نفسه لباقي الجنوب. «هذا أمر ممكن»، كما يقول جون تامن، المسئول عن قسم السودان في «مؤسسة السلام الأميركية» بواشنطن.

ذلك أن القانون الذي صدر في الخرطوم بشأن الاستفتاء، يشترط أن «تنتهي عملية تسجيل الناخبين، قبل ثلاثة أشهر من يوم الاقتراع». وهذه العملية لم تنته حتى الآن.

وحتى رئيس بعثة حكومة جنوب السودان في واشنطن، ازنكيل غاتكيوث؛ يؤكد ذلك. يقول إن التسجيل شمل حتى الآن، 60 في المئة فقط من سكان الجنوب. وحتى لو شمل كل المؤهلين للاقتراع، فإن التصويت قد يجري الطعن فيه؛ على قاعدة خرقه لشرط الثلاثة أشهر.

ومثل هذا الطعن، يضيف جون تامن «ربما يحصل قبل أو بعد الاستفتاء. وفي الحالتين قد يخلق إشكالية قانونية»، قد تربك تسليم الاتحاد الأفريقي بصحة الاستفتاء ونتائجه. ومن دون قبوله، يتعذر على الآخرين اعتماده.

وهنا قد يطرح التأجيل كسبيل لتحاشي مثل هذه الأزمة، التي من شأنها صبّ الزيت على النار، لو نشبت.

حتى اللحظة، ما زالت واشنطن تشدّد على أن عملية الاستفتاء ماضية في طريقها حسب الجدول المرسوم. لكن الواقع قد يكون له لسان آخر. والتلميحات الأخيرة لم تهبط من فراغ.

واشنطن - فكتور شلهوب