وصف النقاد هذا الكتاب عقب صدوره بأنه ينطلق من واقع الحنين والاستدعاء ؟ بمعنى الشوق ؟ بالنسبة إلى مرحلة شهدت إبداعات شارك فيها أبناء الأندلس إذ كانت صرحا حضاريا شادته وطورته في الأساس أيادي وإدارات العرب المسلمين.
ومن ثم فقد عمدت المؤلفة إلى اتباع نهج الاستدعاء المستمر لمجالي وآلاء هذه التجربة الحضارية في جوهرها الإنساني من ذاكرة تاريخ العصور الوسطى وما قبلها، ولكنه استدعاء لم يكن يستسلم إلى ذاتية الشوق إلى الماضي بقدر ما قام على أساس من موضوعية الدرس التاريخي واستيعاب العبرة من واقع أحداث هذا التاريخ.
وقد عمدت المؤلفة إلى وصف تجربة الأندلس بكل محاورها الإسلامية ؟ العربية بأنها زينة للدنيا وجوهرة للحضارة، لا بحكم ما عرضت له سطور كتابها من وصف، مفصل أحيانا، لمجالي هذه الحضارة من معمار باذخ وحدائق وعلوم وفلسفات وإبداعات في مجالات الشعر والغناء والعلاقات الاجتماعية.
ولكن لأن هذا كله قام على أساس ما ارتأته المؤلفة من واقع دراساتها الأكاديمية بوصفه شراكة متآلفة ومتوائمة في صنع وتعزيز وترقية هذه التجربة الأندلسية، التي تولى مقاليدها أبناء الإسلام منذ عبدالرحمن الأول سليل بني أمية الذي تحوّل من دمشق إلى الشمال الأفريقي ومنه إلى الربوع الأسبانية لينشئ كيانا زاهرا عند الرقعة الغربية من جنوبي أوروبا.
وهي شراكة ضمت أيضا أبناء الديانات السماوية الأخرى. وتحاول سطور الكتاب أن تستعيد أبعاد أو أنغام أو إيقاعات هذه المعزوفة لعلها تفيد في عصرنا الراهن بكل ما اكتنفه من تعقيدات وشقاق.
المحور الرئيسي الذي تدور عليه مقولات هذا الكتاب تجسده كلمات عنوانه الفرعي التي تفيد بالمعنى التالي: إن أسبانيا العصور الوسطى (وهي أسبانيا الأندلسية تحت حكم العرب المسلمين) كانت نموذجا للتعايش السلمي والتسامح الثقافي بين أبناء الرسالات السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية.
ليس بالغريب إذن أن يصبح كتابنا، وأن تصبح قصته التي يرويها عن الأندلس بوصفها «درة» من درر التاريخ الإنساني مثار اهتمام مشفوع بالإعجاب ولكن مشوب بقدر لا يخفى من الأسى أو هو الشجن، التاريخي إن شئت، وهو ما عبرت عنه جريدة «لوس انجلوس تايمز» الأمريكية في تحليلها النقدي للكتاب حين مضت قائلة: إن هذا عمل يجمع بين الاستنارة والإلهام فلقد أوضحت سطوره مقدار ما ضاع منا نحن البشر.
رأي الناقد الكبير
في السياق نفسه يتوقف البروفيسور «هارولد بلوم»، وهو في طليعة أساتذة النقد الأدبي في الولايات المتحدة، في تصديره لفصول كتابنا عند هذا المعنى المحوري النبيل، الذي يتجسد في واقع التعايش والتسامح الذي ساد معظم مرافق ومراحل الحياة في أندلس العروبة والإسلام، موضحا أن كتاب «ماريا مينوكال» هو في التحليل الأخير عبارة عن «أنشودة حب».
ثم يتوقف «بلوم» بالذات عند الأديب العربي المسلم «ابن حزم» صاحب الكتاب الشهير بعنوان «طوق الحمامة» وقد كان كما يصفه بلوم هو الشاعر الفارس، مع توضيح كيف أن مؤلفة الكتاب تعرض لسيرة ابن حزم بوصفه نظيرا لدون كيشوت الشخصية الأشهر في أدب الأسبانية، والثقافة الغربية، وباعتبار الشخصيتين رمزا لحس الجمال وتجسيدا لتراث ثقافي يقول عنه «هارولد بلوم» في التصدير نفسه أنه غير قابل للاستعادة بقدر ما أنه غير قابل للنسيان.
كتاب «زينة الدنيا» يتألف من 19 فصلا تسبقها مقدمة «هارولد بلوم» ويتلوها فصل ختامي موجز وتقر فيها عيون القارئ العربي حين يطالع ويتابع عشرات الأسماء ذات الإيقاع العروبي والانتماء الإسلامي.
في فردوس استطاع العرب المسلمون أن يشيدوه في ذلك الجزء الذي لا ينسى من جنوب غربي القارة الأوروبية وقد ازدهرت فيه الحضارة العربية الإسلامية على مدار أكثر من 7-8 قرون .
فيما تراوح عمر هذا الفردوس الحضاري عبر الزمان بين سنتي 750 و 1492 للميلاد ثم تَواصَل وجوده وازدهاره عبر المكان بين مدينتين إحداهما في المشرق وهي دمشق والأخرى في الغرب وهي غرناطة.
بين العشق والشجن
من الواضح أن المؤلفة تعبر منذ السطور الأولى عن عشق عميق لموضوع الكتاب. ومن الواضح أيضا أن الموضوع بكل إشراقاته وأشجانه قد دفعها إلى انتهاج أسلوب يجمع بين رومانسية السرد وبين موضوعية البحث.
وهو ما تكاد تعبر عنه حتى عناوين الفصول التي نقرأ فيها على سبيل المثال ليس إلا: سرايات الذاكرة، المسجد الجامع وشجر النخيل، وزير عظيم ومدينة زاهرة، الحب وأهازيج الحب، كنيسة فوق قمة ربوة، في قصر الحمراء، إلى آخر هذه العناوين المنتقاة لفصول الكتاب.
والفصل الأول يحمل منطقيا عنوان «البدايات» وقد شاءت المؤلفة أن تتخلى منذ استهلال سطوره عن دور الأكاديمي كي ترتدي إهاب الحكّاء القديم على نحو ما درجت عليه قصص «ألف ليلة وليلة».
تقول السطور: كان ياما كان في منتصف القرن الثامن للميلاد، يُحكى أن فتى جسورا اسمه عبدالرحمن هجر موطنه في دمشق وكانت في ذلك الزمان تشغل موقع القلب من الشرق الأدنى للإسلام، ومن ثم انطلق الفتى اليافع شطر بادية الشمال من قارة أفريقيا بحثا عن موقع يأوي إليه.
ذلك لأن دمشق كانت يومها قد بدأت تشهد مصارع أسرته من الحكام الأمويين الذين كانوا أول من قاد مسيرة المسلمين من صحراء شبه الجزيرة إلى حيث تفاعلوا مع ثقافات منطقة الهلال الخصيب (في سورية والعراق).
كان عبدالرحمن، سليل بني أمية هو الناجي الوحيد، أو يكاد يكون، أميرا مولودا من أم تنتمي إلى قبائل البربر في منطقة شمال أفريقية التي تمتد إلى ما يعرف اليوم بأصقاع المغرب (العربي) التي كان العرب المسلمون قد فتحوها (منذ أيام موسى بن نصير وطارق بن زياد).
ذلك عهد ليس بالبعيد من ذلك التاريخ، بعدها تتابع مؤلفة الكتاب مسير ومن ثم مصير عبدالرحمن الأموي إلى حيث يعبر البحر المتوسط إلى إنشاء كما تقول في سطور الفصل الأول مملكة (أو خِلافة) جديدة وشرعية أيضا للأمويين، ورغم أن الزمن كان عليه أن ينتظر نحوا من قرنين حتى يتسنى لواحد من نسل عبدالرحمن (الأول) أن يعلن مدينة «قرطبة» عاصمة لتلك الخلافة الباذخة.
والذي حدث أن الأندلس قد استوت كيانا متبلورا قام على أسس من الثقة والطموح والازدهار عند السواحل الغربية من الإمبراطورية الرومانية التي كانت تحكم العالم القديم ومن ثم جاء امتداد هذا الكيان ليصبح مسيطرا على «الباب الأمامي» مما بات يعرف اليوم باسم أوروبا.
بين الحدائق والفلسفات
نلاحظ منذ الفصول الأولى من هذا الكتاب أن المؤلفة وبفضل معارفها الموسوعية وتخصصها المتعمق في اللغة والثقافة الأسبانية، فضلا عن تضلعها في دراسة التاريخ في «يال» وهي من جامعات القمة في أمريكا لم تقصر سياحتها الفكرية التي تنفلت فيها عبر مواضيع كتابنا على مجرد سرد الأحداث.
ولا حتى تحليل الشخصيات ودوافعها أو الوقوف عند التحولات السياسية أو الاقتصادية: لقد عمدت «ماريا مينوكال» إلى اصطحاب قارئ كتابها عبر تجليات حضارة العرب المسلمين في ربوع الأندلس، تكلمت عن هندسة المعمار الذي يستلهم رموز الإسلام، من منارات ومآذن وأقواس وأهلّه ومحاريب.
تحدثت عن فن تشذيب الحدائق التي كانت تزدان بها بيوت الأغنياء والفقراء على السواء، عن مجالس العلم التي كانت تضم أبناء الديانات السماوية الثلاث تحت لواء التفاهم والتواؤم والانسجام، تحدثت عن الشعر والشعراء.
عن أساتذة الفلسفة وأئمة التعاليم السماوية، ها هي المؤلفة تحدثنا في أواسط الكتاب عن نيافة الكاهن المحترم الأب بيتر (أو بطرس) أسقف منطقة كلوني الأندلسية، وهو يسعى إلى الحصول على ترجمة لمعاني القرآن الكريم لكي يقنع واحدا من أركان كنيسته بأن العلم والمعرفة على نحو ما يعبر عنهما القرآن أبقى وأكرم من شن الحرب وحمل السلاح، يطالع القارئ الشغوف أيضا اسم «ابن رشد» الفقيه المسلم الشهير وقد عرفته الثقافة الأوروبية، وربما ثقافات عالمنا المعاصر باسم «أفيروس».
في هذا السياق بالذات تتابع مؤلفتنا مولد ابن رشد في عام 1126 للميلاد في العاصمة الأندلسية الزاهرة «قرطبة» وها هي تصف شروحه وتعليقاته وإضافاته إلى فلسفات المعلم الإغريقي أرسطو بأنها «أعمال عظيمة تجاوزت تأثيراتها وتعدت قيمتها مرور الزمن وتوالي العصور» .
خاصة وقد تعرض ابن رشد لتحوّلات الأحداث في زمانه ما بين نشأة في إطار حرية ثقافية واستنارة فكرية أتاحت له حرية الفكر وإمكانات البحث وسبل الاجتهاد، بقد ما تعرض الفيلسوف المسلم إلى ما طرأ من تحوّلات السياسة وتقلب الظروف إلى حيث كان التضييق على الحرية وإلى حد مصادرة الاجتهاد الفكري وتعتيم منابع الاستنارة اللازمة للبحث المضني والمخلص عن الحقيقة وبما يمكن أن يرتقي بحياة الإنسان.
من هنا حق للمؤلفة أن تسجل في معرض التعليق على سيرة ابن رشد سطورا (ص 212) تقول: جاءت أعمال المفكر المسلم ابن رشد (ومعاصره أيضا المفكر اليهودي ابن ميمون) وقد انطلقت من حيث الفهم العميق والبصيرة الثاقبة من مرجعية ثقافية تراكمت مضامينها عبر قرون سبقت من البحث المتعمق والدراسة المثمرة.
وهكذا يمكن القول إن إنجازاتهما ما هي إلا القطوف الدانية الأخيرة التي أثمرها تراث عظيم بدأ في بغداد مع عصر (الخليفة المسلم) هارون الرشيد في القرن الثامن الميلادي إلى أن استوى على سوقه وبلغ أوج عظمته في تلك الحقبة المضطربة التي عاشها الرجلان من التاريخ الأندلسي.
في بلاط الملك
ثمة فصل مهم آخر من فصول كتابنا تختار له المؤلفة العنوان التالي: «شخصيات أجنبية مرموقة في بلاط قشتالة».
وفي هذا الفصل تحكي المؤلفة عن مثقف مسلم آخر ما زال اسمه يملأ الدنيا في مضمار علم التاريخ والاجتماع الإنساني: يقول هذا الفصل من فصول الكتاب (ص 229): في يوم من أيام عام 1364 ظهر دبلوماسي شاب في بلاط بطرس عاهل مملكة قشتالة.
كان قد جاء من غرناطة لمقابلة الملك بطرس في مدينة أشبيلية التي كان الملك يفضلها من بين حواضر مملكته حيث شيد فيها صرحا حمل اسم «الكازار»، وهي مشتقة بداهة من كلمة «القصر» في متن اللغة العربية. وحين أعلنوا عن وصول الدبلوماسي الشاب نطقوا اسمه على النحو التالي: عبدالرحمن ابن خلدون.
هنا تسترسل الدكتورة «ماريا مينوكال» في الحديث عن ابن خلدون حيث تتابع سيرته منذ النشأة الأولى موضحة من جانبها أن أسلافه كانوا عائلة موسرة في إقليم أشبيلية الأندلسي.
ولكن ظروف الاضطراب العام الذي أصاب الإقليم في ظل حكم الموحدين في الأندلس ما لبثت أن اضطرت الأسرة الغنية إلى أن تعبر البحر بدورها حيث اتخذت مستقرا لها في تونس، ومع ذلك فقد كان للرحلات التي قام بها سليل هذه الأسرة.
العالم الواعد عبدالرحمن، فضلا عن المهام الدبلوماسية السياسية التي كُلّف بها أثر ترصده المؤلفة على عقلية ابن خلدون في سطور تقول: علينا أن نتخيل أثر هذه الرحلات (والمهام) على عقلية وتكوين عبدالرحمن الذي قُيض له أن يكون في طليعة المؤرخين: لقد توافر له بذلك علم غزير وإلمام واسع بتواريخ الأندلس سواء من تجاربه أو قراءاته أو من واقع سيرة أسرته ذاتها.
لقد وصل إلى أرض أسلافه كما ألمحنا بعد نحو قرن من الزمن تغلبت فيه الأسر المسيحية الحاكمة في أسبانيا على دولة الموحدين (وعليه) فقد قدر لعبدالرحمن بن خلدون أن يعاين أطلال وبقايا ذلك العمران الباذخ الذي كان قائما خلال ذروة ازدهار الأندلس حينما كانت زينة الدنيا وحاضرة العالم خلال مجد الدول والممالك المسلمة التي حكمتها منذ أن شيد صروحها بانيها الأول عبدالرحمن الأمير الأموي الهارب إلى أصقاعها من دمشق التي كانت تودع وقتها دولة الأمويين.
عبدالرحمن وجيبون
هنا أيضا تلاحظ المؤلفة بحكم تخصصها في الدرس التاريخي أن ابن خلدون، وهو المؤرخ المرموق لم يكن لتستفز هذه الأطلال حسّ التاريخ لديه، فلم يترك لنا وصفا مفصلا أو سردا متعمقا أو تأملات متصلة عن دولة الأندلس.
والمقارنة التي تعقدها المؤلفة هنا هي بين المؤرخ المسلم ابن خلدون عند أطلال الأندلس وبين المؤرخ الإنجليزي «إدوارد جيبون» الذي استفزته أطلال روما القديمة التي جلس يطالعها يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر عام 1764 فكان أن دفعته بعدها إلى أن يضع كتابة الأشهر الذي أصدره في عام 1776 تحت عنوانه المعروف وهو: اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية.
وما زال كتاب «جيبون» يعد من عيون الأعمال الصادرة في أدب التاريخ في الثقافة الإنجليزية ومع ذلك فنحن نتصور من جانبنا أن ابن خلدون كان يختزن في ذاكرته العلمية وفي وجدانه الانفعالي كل ما عاينه من تطورات الأوضاع وتغيرات السياسة والحضارة والنفوذ في أسبانيا، منذ عصور الأندلس الزاهرة.
وأنه استطاع بعبقرية مشهودة أن يوسع إطار رؤيته كي لا تقتصر مثل نظيره «جيبون» الإنجليزي على دولة بعينها أو كيان بذاته حتى ولو كان إمبراطورية الرومان.
بل إن ابن خلدون استطاع أن يتعامل مع ظاهرة العمران الإنساني أو الحضارة البشرية في إطارها الأعم وساحتها الأشمل ثم أودع هذا كله «مقدمة» ابن خلدون التي تصفها المؤلفة في سطور تقول: التأملات (في المقدمة) ذاع صيتها بوصفها إضافة جديدة لعلم التاريخ لأنها تتفاعل مع دورات الحضارة ومع صعود وسقوط الدول والمجتمعات درسا وتحليلا واستيعابا للعبر ووعيا للدروس.
على كل حال، فالقارئ يطالع الكتاب الذي بين أيدينا بقدر لا يخفى من التقدير لموضوعية المؤلفة من ناحية وقدر آخر لا سبيل إلى إخفائه من الأسى العميق إزاء ما يجري في عالم اليوم وبعد غروب شمس الأندلس الإسلامي بأكثر من 13 قرنا.
عدد الصفحات: 315 صفحة
تأليف: ماريا روزا مينوكال
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: باكس باي بوكس، نيويورك، 2010
