سعت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما جاهدة، في الفترة الماضية، إلى تبديد الانطباع بأن إستراتيجيتها العسكرية في أفغانستان تتأثر بأوضاع السياسة المحلية.

وجاء إعلان أوباما في ويست بوينت، في ديسمبر الماضي، بأن القوات الأميركية ستبدأ الانسحاب من أفغانستان في يوليو 2011، فيما يبدو، في وقت مناسب للتأثير على قرار الناخب الأميركي قبل حملة إعادة انتخابه المتوقعة في العام 2012، وقد قابلته تصريحات أخرى خلال الصيف الفائت.

تلك التصريحات لم تأت فقط من جانب جنرال ديفيد بترايوس، الذي عينه أوباما في يونيو الماضي بديلا عن جنرال ستانلي ماكريستال في قيادة القوات الدولية في أفغانستان، ولكن من جانب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي «ناتو» أندريه فوغ راسموسن، خلال زيارة قام بها لواشنطن أخيرا، أيضا.

الحديث الآن لم يعد يدورعن سحب القوات، وإنما عن «مرحلة انتقالية» وبشكل متدرج، وانتقائي، بحسب كلام راسميوسن، حيث سيتم أخذ القوات من المناطق التي سيتم إحلال الهدوء فيها ونقلها إلى مناطق أخرى داخل أفغانستان. وكان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن قد أشار سابقا إلى أنه بداية من الصيف المقبل لن يزيد عدد القوات الأميركية المغادرة أفغانستان عن «ألفي جندي«.

وقبل فترة ليست بعيدة بدا أن الانتخابات الأفغانية المعيبة التي جرت في 18 سبتمبر الماضي تؤكد المخاوف من أن أفغانستان لم تنضج سياسيا بعد بالدرجة التي كانت الولايات المتحدة وشركاؤها يتمنونها.

إشارات متناقضة

وقد أطلق الرئيس الأميركي بالفعل إشارات متناقضة في خطابه في ويست بوينت. فبينما بدا أن لهجته كانت صارمة، وطغى عليه إعلانه أنه ستتم زيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان بمقدار 30 ألف جندي، في «الجزء الأول من العام الجاري 2010».

فقد شعر أوباما بأن عليه أن يراوغ بشأن موعد الانسحاب المحدد في يوليو 2011، الذي قال عنه بترايوس لاحقا إنه لا يمثل مسار عمل يجب أن يتبع بالضبط، بناء على تعليمات الجيش.

وقد كان للإعلان عن موعد الانسحاب تأثير فوري وتعبوي على الروح المعنوية لحركة طالبان ومؤيديها. وربما ساهم ذلك في استمرار قدرة طالبان على استقطاب وتجنيد المحاربين في صفوفها.

وقد أشار القائد المستقيل لوحدات البحرية الأميركية جنرال جيمس كونواي في أغسطس الماضي إلى أن الكشف عن موعد بدء الانسحاب ربما أعطى «العدو» الاستمرارية، وأن قواته تمكنت من اعتراض اتصالات بين عناصر من طالبان، مفادها أن الحركة تعتقد الآن أن كل ما عليها هو فقط التحلي بالصبر لفترة أخرى لتحقيق النصر.

وأكدت مصادر أفغانية بالفعل هذا الصيف إن حركة طالبان شجعتها حقيقة تزايد عدد الضحايا في صفوف القوات الأميركية والتي تصاعدت بشكل كبير هذا العام.

حيث لقي 120 جنديا حتفهم في شهري يوليو وأغسطس الماضيين وحدهما، بينما كان عدد من قتلوا من الأميركيين خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري أكبر من عدد من قتلوا منهم خلال العام 2009. وفي أغسطس 2009، شن المسلحون 360 هجوما، بينما شنوا 1350 هجوما في أغسطس من العام الحالي.

وقد تشجع المسلحون أيضا برؤيتهم حلفاء أوباما يتسابقون للخروج من أفغانستان. فقد سحب الهولنديون وحداتهم في الصيف الفائت، بينما يعتزم البولنديون والكنديون أن يحذوا حذوهم قريبا. وفي يونيو الماضي أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أنه يريد عودة قوات بلاده المكونة من 10 آلاف جندي إلى بريطانيا بحلول العام 2015.

وتنبأ جنرال كونواي بأن معنويات حركة طالبان ستتأثر سلبا، عندما تعلم بأن جانبا كبيرا من القوات الأميركية سيبقى في الأراضي الأفغانية، لكنه اعترف أيضا بأن «أميركا تشعر بالتعب بشكل متزايد من هذه الحرب«.

ويبدو من المثير للسخرية الآن بعد تسع سنوات من الحرب، أن الأميركيين وبعد أن طردوا كل نشطاء «القاعدة» من أفغانستان حتى أنه لم يعد هناك منهم سوى أقل من 100 عنصر، وبعد أن أعلنوا أنهم ينوون الانسحاب، بعد ذلك وفي نهاية المطاف يشعلون الحرب على أشدها من جديد.

فقد زادت واشنطن عديد قواتها إلى ما يقارب ال100 ألف جندي، بعدما كان انخفض إلى 30 ألفا في العام 2008، وطردت حركة طالبان من بعض المناطق الحصينة بالنسبة لهم في عمق أراضي الحركة في الولايات الجنوبية في قندهار وهلمند.

إنجازات ناقصة

وقد جاءت الزيادة العددية للقوات بالإضافة إلى الاستخدام المكثف للطائرات الموجهة عن بعد واستهداف قادة طالبان من المستويات العليا والمتوسطة بالقتل، لتحجم بوضوح من قدرات طالبان البشرية والتسليحية، ولكن رغم ذلك، ف«العدو» تم تشتيته فقط، وليس القضاء عليه.

وفي أوائل سبتمبر الماضي، على سبيل المثال، سيطرت قوة دولية بقيادة أميركية على موقع خاضع لحركة طالبان، على مشارف قندهار، لكن معظم قوات طالبان كانت قد غادرت، في الوقت الذي كانت القوات الدولية تقترب من المكان، ولم يسقط أي ضحايا في جانب الحركة.

وتهدف الجهود الأميركية في أقاليم الباشتون الجنوبية إلى إقامة إدارات محلية فاعلة قادرة على العمل، ثم تسليم مهمة حفظ الأمن إلى الجيش والشرطة الأفغانيين.

وقد عبر ماكس بووت، وهو زميل في مجلس العلاقات الخارجية، الذي يرسم الكثير من السياسات الخارجية الأميركية، عن وجهة نظر متفائلة بشأن ما يجري على الأرض في أفغانستان، حيث زار مناطق القتال في الصيف الماضي.

ويعتقد بووت أن هناك فرصة كبيرة لنجاح الزيادة العددية للقوات الأميركية في تحقيق أهدافها، خاصة إذا أمكن استبعاد المسؤولين الأفغان الفاسدين من الحكومات المحلية.

ويقول: » إن طالبان لا تحظى بأي تأييد معتبر، خارج نطاق الباشتون الذين يشكلون 42% من سكان أفغانستان، وتنتمي إليها معظم قيادات طالبان وعناصرها القتالية. ويعارض بشدة إبرام اتفاق مع طالبان في المستقبل المنظور.

ويضيف بووت:» إجبار جانب كبير من مقاتلي طالبان على إلقاء سلاحهم سيتطلب إلحاق عدد أكبر من الهزائم بهم.» وكان بووت قد زار مناطق القتال الأفغانية عندما حل ضيفا على جنرال بترايوس، الذي يمتدحه بشدة لدرجة أن المرء يشعر أن ما يقوله هو مجرد أفكار بترايوس.

تأييد الواقعية

الرواية الأقرب إلى الواقعية للأحداث في أفغانستان تفيد أن التكتيكات العسكرية التي يجري تطبيقها في قندهار وهلمند لا يجب أن تكون بديلة عن إستراتيجية سياسية.

وهناك شعور قوي بين كبار المسؤولين الأفغان والمدنيين الغربيين المشاركين في الجهود المبذولة في أفغانستان بأن الزيادة العددية للقوات الأميركية ربما تنجح في الاستيلاء على الأراضي من قبضة حركة طالبان في المدى القريب.

لكن ما يمكن أن يجلب السلام الدائم والاستقرار هو عملية سياسية من التفاوض والمصالحة واقتسام السلطة. وجهة النظر التي قيلت بشرط عدم الكشف عن أسماء أصحابها تجد مؤيدين في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي.

ويشير الكاتب الصحافي بوب وودوارد في كتابه الأخير «حروب أوباما» إلى أنه في داخل مجلس الأمن القومي الأميركي فإن ضباطا رفيعي المستوى مثل لفتنانت جنرال دوغلاس لوت وهو زعيم الحرب غير الرسمي داخل المجلس، قد أعربوا عن شكوكهم العميقة إزاء احتمالات نجاح الإستراتيجية الحالية. تلك الشكوك تبدو لي أكثر واقعية وإقناعا من آراء بووت المتفائلة.

في الوقت نفسه، يربط الأفغان بين حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي وبين الفساد والتعنت البيروقراطية، ولا يبدو أن من الممكن تصحيح تلك الصورة في أعينهم. كما أنهم يربطون بين الفساد والاحتلال.

لكن الاحتلال مطلوب وهناك حاجة إليه لمنع أفغانستان من الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة، على نطاق أوسع وأخطر مما تعاني منه الآن. ولا يبدو أن هناك أي بديل واضح ومشجع عن حكومة قرضاي.

وإذا قدر للأميركيين أن يرحلوا عن أفغانستان، فمن المرجح أن يستولي زعماء الحرب من الطاجيك على السلطة في كابول، وهو ما سيؤدي إلى صراع كارثي وعنيف ضد حركة طالبان وحلفائها في الجنوب.

وأكثر ما يمكن الطموح إليه الآن هو أن يحدث تغيير في السياسات الأميركية مما يساعد قرضاي على الدفع بقوة أكبر نحو المصالحة السياسية، ونحو تشكيل شراكات جديدة، تعكس مصالح القوميات المختلفة في أفغانستان، ورغبتهم المشتركة في السلام.

في الوقت نفسه أيضا تزداد الحرب استعارا، ولا توجد أي إشارة إلى وجود نصر حقيقي في الأفق. وأخطاء الماضي، ومن بينها تنصيب قرضاي رئيسا لأفغانستان وفرض نظام حكم مركزي لا يراعي تقريبا تقسيمات هياكل القوى المحلية.

والتغاضي عن عمليات الفساد الفادحة، جعلت الحرب أكثر صعوبة أمام الأميركيين. ولا يبدو واضحا أن أوباما يمتلك الرؤية الواضحة والشجاعة الكافية ولا التأييد السياسي في الداخل وبين حلفاء أميركا، للمجئ بسياسات قادرة على إنهاء هذه الحرب.

بقلم: توماس بارفيلد

ترجمة: عصام بيومي