دعت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون الى بداية جديدة لعملية السلام، مطالبة الجانبين بمعالجة القضايا الاساسية«من دون تأخير»،مؤكدة ان أميركا ستكون دائماً إلى جانب إسرائيل عند أي تهديد لها ،لكنها رأت ان الاستيطان يهدد مستقبل إسرائيل ذاتها.

وقالت كلينتون امام العديد من المسؤولين السياسيين الاسرائيليين والفلسطينيين والاميركيين في خطاب في اجتماع برعاية مؤسسة بروكنيغز في مركز سابان لسياسة الشرق الاوسط ان« الوقت مناسب لطرح المسائل الرئيسية في النزاع مثل الحدود والأمن والمستوطنات والمياه واللاجئين والقدس ذاتها».

وقالت «سنعمق التزامنا القوي بدعم عمل السلطة الفلسطينية على بناء دولة ونستمر في حث دول المنطقة على تطوير محتوى مبادرة السلام العربية والعمل على تطبيق هذه الرؤية».

خط الحدود

وأشارت كلينتون إلى انه أولاً في مسألة الحدود والأمن، «لا بد من أن يتم التوصل إلى اتفاق على خط واحد مرسوم على خريطة تفصل إسرائيل عن فلسطين وإلى نتيجة تطبق حل الدولتين مع حدود فلسطينية دائمة مع إسرائيل والأردن ومصر».

وثانياً في ما يتعلق باللاجئين،«هذه مسألة صعبة وعاطفية إلا انه لا بد من إيجاد حل عادل ودائم يلبي حاجات الطرفين».وثالثاً بشأن المستوطنات، ان «موقف الولايات المتحدة حيالها لم يتغير ولن يتغير، وكما كل إدارة أميركية منذ عقود، نحن لا نقبل شرعية استمرار النشاط الاستيطاني ونعتقد ان استمراره يسيء ليس إلى جهود السلام وحل الدولتين وحسب، بل لمستقبل إسرائيل ذاتها».

وفي ما يتعلق بوضع القدس، قالت كلينتون انه «ما من سلام بالتأكيد من دون التوصل إلى اتفاق بشأنها فهي أكثر المسائل حساسية، ولا بد من احترام وحماية الأشخاص من كل الأديان حول العالم».وقالت«سنعمق دعمنا لجهود بناء الدولة الفلسطينية لأننا نعترف بأنه لا مفر من إقامة دولة فلسطينية عبر المفاوضات».

وأضافت«نحن نتوق للعمل مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية بغية إجراء تحسينات إضافية فيما تستمر الضغوط على حماس لوقف تهريب الأسلحة والقبول بالمبادئ الأساسية للسلام، أي الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقات السابقة، وهذا هو المسار الوحيد لتحقيق حلم الفلسطينيين بالاستقلال».

وتابعت كلينتون ان «رسالتنا لن تتغير وهي ان للدول العربية مصلحة في وجود منطقة مستقرة وآمنة، ولا بد أن تقوم بخطوات تظهر للإسرائيليين والفلسطينيين ولشعوبها ان السلام ممكن وثمة فوائد ملموسة من تحقيقه».

وأوضحت ان دعم هذه الدول«يسهل على الفلسطينيين المضي في المفاوضات والتوصل إلى اتفاق نهائي كما ان تعاونها ضروري لأي سلام مستقبلي بين إسرائيل ولبنان وسوريا».

حوارات في اتجاهين

واضافت«في الايام المقبلة ستكون محادثاتنا مع كل من الجانبين جوهرية وستكون حوارات في اتجاهين على امل تحقيق تقدم حقيقي في الاشهر المقبلة بشأن القضايا الاساسية لاطار اتفاق محتمل».

وقالت كلينتون ان «الولايات المتحدة لن تكون شريكا متفرجا».واضافت«سندفع الطرفين الى عرض مواقفهم من القضايا الاساسية بلا تأخير وبالتفصيل».وتابعت«سنعمل على الحد من الخلافات عبر طرح اسئلة صعبة وانتظار اجوبة حقيقية. وكذلك وفي حواراتنا الخاصة مع الاطراف سنقدم افكارنا ومقترحات لردم الهوة اذا احتاج الامر».

واكدت كلينتون ان المفاوضات المباشرة ما زالت ضرورية للتوصل الى اتفاق اطار لكنها تتوقع من الجانبين وبعد معالجة عدد من القضايا الاساسية، اعادة مستوى كاف من الثقة للعودة الى الاجتماعات الثنائية بينهما.

وتابعت كلينتون«الولايات المتحدة ستكون موجودة دائماً عندما تكون إسرائيل مهددة، ونحن نقول ذلك دائماً إلا ان الأمر يستحق التكرار».

وأضافت«إن التزام أميركا بأمن إسرائيل ومستقبلها هو صخرة صلبة لا يتزعزع، ولن يتغير، ومنذ اليوم الأول جددت إدارة (الرئيس الأميركي باراك) أوباما هذا الالتزام، وبالنسبة لي وللرئيس أوباما هذا ليس موقفاً سياسياً وحسب بل قناعة شخصية عميقة».

خطاب وعظي بامتياز .. لا أكثر

إذا كان المقياس تقديم النصائح، لتحقيق السلام الفلسطيني الإسرائيلي؛ فإن كلمة الوزيرة كلينتون مساء الجمعة جاءت وافية كافية. خاصة تجاه إسرائيل. أما إذا كانت لغة الإلزام والالتزامات هي المقياس، فخطابها خلا من هذه البضاعة ليبقى في حدود المألوف والمعروف. الترويج الذي سبقه، أوحى بأنه قد ينطوي على موقف جديد وفارق، للإدارة.

لكن بالنهاية تبيّن أنه لا يعدو كونه نسخة منقّحة عن السياسة المعمول بها. بل هو جاء ليغطي التراجع الذي أعلنته الإدارة قبل أيام، والكفّ عن مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان.مخاطبتها لإسرائيل لم تتجاوز لفت النظر والتذكير بأن «الاحتلال الطويل يهدّد هويتها» وأنه « لا ضمان لأمنها من غير السلام ».

ومقابل هذا التذكير الخجول للاحتلال ذ بدلاً من إدانته ذ حرصت الوزيرة على تكرار التطمينات للدولة العبرية، من «التزام واشنطن بأمنها وبتفوقها النوعي العسكري»،وإعادة التأكيد بأنه « لا يمكننا فرض الحلّ وحتى لو تمكنّا فإننا لن نفعل ». ذلك أن«المفاوضات هي السبيل الوحيد .. وعلى الأطراف المعنية بالسلام أن تعمل لبلوغه».

مقولة قديمة طالما تلطّت وراءها واشنطن لترك المفاوضات عملياً، بعهدة إسرائيل. وكأن حصيلتها، بعد 17 سنة، تدعو إلى التمسك بها.

وفي هذا السياق صحت الإدارة فجأة على أنه « قد حان وقت التطرق إلى القضايا الجوهرية ». وكل ما وعدت به في هذا الخصوص أنها «لن تكون شريكاً متفرجاً، بل سوف تعمل على تضييق الفجوة بين الطرفين». كيف؟ «من خلال عرض أفكارنا » .

أوليس هذا هو نفسه ما كانت تقوم به أثناء الخلاف حول وقف الاستيطان ؟ وإذا كانت قد أعلنت عجزها وانسحابها من هذا الدور البسيط نسبياً، فكيف بإمكان عروضها أن تضيّق شقة الخلاف في القضايا الجوهرية الأكثر حساسية ؟

خطاب الوزيرة (أمام مؤتمر مركز حاييم سابان، في مؤسسة بروكنغز للدراسات ) جاء على خلفية رفع العلم الأبيض، أمام التعجيز والابتزاز الإسرائيلي في موضوع المستوطنات. أحد أغراضه، كان تقليل الخسائر. تراجعها كان محرجاً.

ورفع من درجته أنه أتى في امتداد إحراجات أخرى، داخلية استسلام الرئيس في مشروع الضرائب ودبلوماسية (فضائح ويكيليكس) . كله توالى تباعاً. الذرائع التي قدمتها الإدارة، زادت من انكشافها. اعترفت بأنها « فشلت»في إقناع إسرائيل بتجميد الاستيطان.

كما زعمت بأنها أدركت مؤخراً عدم كفاية فترة التسعين يوماً لوقف البناء. عذر هزيل. من البداية كان شرط التجميد معطوباً. عدم ربطه بالسقف الزمني الذي تتطلبه المفاوضات، ترك زمام المبادرة بيد إسرائيل.

صار من الواضح بالتجربة، أن الوعظ والحثّ؛ لا ينفع. بل هو ضحك على الذقون. والأوضح أن رسم «خريطة طريق»،لا ولن يجدي. إسرائيل لم ولن تعجز عن سد الطريق بالابتزاز والتعجيز والمراوغة.

المطلوب رسم خريطة الدولة الفلسطينية، على أن يكون الإلزام هو الطريق الوحيد إليها. ما عدا ذلك، اسطوانة صارت مشروخة.

واشنطن ـ فكتور شلهوب (وكالات)