موضوع الدّين العام، بات أحد أكبر وأخطر هموم الساعة، في واشنطن. يجري التعامل معه كقنبلة موقوتة، تقترب من لحظة انفجارها. «بتنا على مقربة من عدم القدرة على الإيفاء»، يقول دافيد ستوكمن؛ المدير الأسبق لمكتب الموازنة الفيدرالية. أصوات كثيرة ترفع مثله صرخة التحذير من وصول الأرقام إلى الخطوط الحمراء: حوالي 13 تريليون، مفتوحة على المزيد مع استمرار العجز المتوقع في الموازنة ولعدة سنوات قادمة. خفض النفقات، لم يعد احد الخيارات.

صار الخيار الحتمي. والبنتاغون، الذي تضخمت حصته في سنوات الحروب الأخيرة، حيث بات يشفط أكثر من سدس الموازنة الفيدرالية ـ ما يزيد على نصف تريليون دولار ـ لن ينجو من مقص الخفض. الجدل يدور حول مدى القطع.

اعتراف صريح

رئيس هيئة الأركان، الأدميرال مايك موللن، يعترف بأن الديون باتت بمثابة «تهديد للأمن القومي». لكن مقدار التقليص ونوعية الأسلحة التي سيستهدفها، ما زال البنتاغون مترددا بخصوصها. يزعم أن أي خطوة من هذا النوع قد تنطوي على «مجازفة» تمسّ الأمن القومي، أو ربما توفر فرصة لدول أخرى «غير صديقة مثل روسيا والصين»، للاستفادة من مثل هذا التراجع في الإنفاق العسكري الأميركي. ذرائع واهية. التسليح الأميركي يوازي الموازنات العسكرية للدول الصناعية مجتمعة.

نسبة الخفض المتداولة، بحدود 10% تكاد تكون معدومة التأثير على ميزان القوة هذا. كذلك طرحت أكثر من دراسة حول خفض القوات، كما حول الهدر والتبذير في النفقات العسكرية. إلاّ أنها بقيت إلى حدّ بعيد حبراً على ورق.

المعروف، وفق تقارير مختصة ومنها ما هو صادر عن مركز أبحاث الكونغرس، أن البنتاغون ينفق مئات الملايين لشراء أسلحة تزيد عن حاجته، أو يكون لديه ما يكفيه منها. وأحياناً تكون ذات مواصفات أعلى بكثير من الغرض المحدّد لها. وفي حالات أخرى يشتري معدات حربية لا موجب لها ، سوى إلحاح أعضاء نافذين في الكونغرس على شرائها. ليس فقط لأن مصانعها تقع ضمن مناطقهم الانتخابية، بل أيضاً لأن المجمع الصناعي العسكري ـ الأخطبوط الذي سبق للرئيس أيزنهاور أن حذر منه قبل حوالي ستين سنة ـ لا يتهاون إزاء محاولات خفض موازنة البنتاغون، أكبر زبائنه على الإطلاق.

واللوبي الذي يعمل لصالحه في الكونغرس، عظيم التأثير والنفوذ. وربما ازداد قوة مؤخراً في ضوء ما نشر عن الصناعات العسكرية الصينية وقدرتها المتزايدة على اقتحام أسواق السلاح في العالم. ويبدو أنها بدأت فعلا بالدخول إلى نادي الدول المصدرة للمعدات العسكرية الثقيلة، القادرة على المنافسة، من حيث مواصفاتها التكنولوجية وأسعارها الميسورة. وخاصة في مجال الطيران الحربي.

فقد نجحت إلى حدّ بعيد، حسب تقارير ميدانية أميركية، في نسخ ثم تطوير المقاتلة الروسية سوخوي27، بعد أن اشترت امتياز تجميعها في مصانعها، في أعقاب الانهيار السوفييتي؛ ثم تخلت عن التجميع لتتولى تصنيع نموذجها الخاص بها، ت11 إلى جانب مقاتلة أخرى بمحرك روسي، بالتعاون مع باكستان؛ فضلاً عن انخراطها في صناعة الطيران المدني بالتعاون مع شركة جنرال ألكتريك الأميركية.

وحسب نائب قائد سلاح الجو الصيني، تصبح هذه المقاتلات جاهزة للانتشار في غضون ثماني سنوات. باكستان أول من أدخل هذا الطراز إلى سلاحه الجوي. وقائمة البلدان الوازنة المرشحة للتزود به غير قليلة. منها تركيا وفنزويلا ونيجيريا. ولا يقتصر ولوجها باب الصناعة الحربية على السلاح الجوي فقط بل يشمل مجالات التسليح الأخرى. خاصة البحري. العام القادم أو الذي يليه، من المتوقع أن تنتهي بكين من تصنيع أول حاملة طائرات لتنضم إلى أسطولها البحري.

تحذير مبكر

التقارير الأميركية التي سلّطت الأضواء على جوانب هذا التطور الصناعي الصيني، جاء عرضها بمثابة تحذير من إمكانيات التسلل الصيني إلى أسواق السلاح، خاصة في مناطق النزاعات والمضاربة على الصادرات العسكرية الأميركية. ولو أن نوعياتها الراهنة لا ولن تضاهي هذه الأخيرة، قبل سنوات عديدة؛ وأن حصتها من هذه الأسواق لا تتجاوز 2% حتى الآن.

لكنها هكذا بدأت قبل حوالي عقدين في غزو أسواق السلع الأخرى. واليوم صارت المصدّر الأول إليها. حالة تخدم البنتاغون والصناعة العسكرية من ورائه؛ بزعم أن المحافظة على موازنة دسمة يصب في تعزيز النوعية وبالتالي القدرة على الاحتفاظ بالموقع العسكري المتفوق؛ ولو أن «الوضع الأمني الأميركي قوي بما فيه الكفاية» وبما يسمح بالخفض المطلوب؛ حسب دراسة لمؤسسة بروكنغز. مع ذلك تحظى بالوعة السلاح بالأولوية حتى في زمن الضائقة المالية الخانقة.

واشنطن ـ فكتور شلهوب