كانت السنين الأخيرة، ولاسيما سنة 2009 هادئة نسبيا في كل ما يتعلق بالنشاط الإرهابي الفلسطيني داخل إسرائيل. كانت سنة 2009 أول سنة منذ عقد لم تشهد فيها إسرائيل ولو عملية انتحارية واحدة. نسب مسؤولون إسرائيليون كبار الهدوء النسبي إلى قدرة إسرائيل على ردع المنظمات الإرهابية، ولاسيما في ضوء حرب لبنان الثانية (2006) وعملية «الرصاص المصبوب» (كانون الأول 2008 ؟ كانون الثاني 2009).
نتحدث هنا عن دور الردع في نضال إسرائيل للإرهاب وقيوده، مع الاعتراف بالصعوبة الثابتة في تقدير جدوى الردع. لا تُمكّن الأدلة الموجودة من استخلاص استنتاجات صارمة. لكنها تُبين أن نجاح الردع الإسرائيلي أشد تواضعا مما يميلون إلى اعتقاده وأن إسرائيل لا تستعمل أكثر الأدوات التي تملكها لتعزيز الردع، استعمالا في الحد الأقصى.
عمليات انتحارية
يعبر الإرهاب الفلسطيني عن نفسه بصور مختلفة، تشمل إطلاق نار ما إلى المسار من قطاع غزة. برغم أن هجمات الصواريخ كانت ألّح مشكلة للإرهاب عند إسرائيل في السنين الأخيرة، سيعتمد التحليل التالي على نسبة محاولات تنفيذ عمليات انتحارية وعلى نسبة العمليات الانتحارية الناجحة على أن ذلك مقياس لأعمال الإرهاب الفلسطيني. ثمة إشكالية في اختيار هذا المقياس خاصة.
فمن جهة توجد مكانة مفضلة لوسائل الانتحار عند المنظمات الإرهابية التي تريد أن تضرب إسرائيل. فللعمليات الانتحارية مزايا تكتيكية كثيرة قياسا بوسائل هجوم أخرى، وهي تحظى بتأييد جماهيري واسع بين الفلسطينيين، وجرى البرهان على أنها ذات قدرة كبيرة على إحداث ضرر وتشويشات في أنحاء إسرائيل (لا في المناطق التي تقع في مدى القذائف الصاروخية والصواريخ فقط)، وهي التي سببت أكثر من كل صورة هجوم أخرى منذ سنة 2000 أكبر عدد من المصابين الإسرائيليين.
إطلاق الصواريخ
من جهة ثانية، يعبر اختيار منظمة إرهابية لتكتيكات ما، من جملة ما يعبر عنه، عن رغبتها في زيادة احتمالات نجاحها في مواجهة الوسائل الأمنية التي تواجهها. إن العملية الانتحارية هي في جزء منها رد على صعاب وإخفاقات يجربها من يحاولون وضع شحنات ناسفة في مدى رؤية جمهور إسرائيلي عالِم ومتشكك وفعال جدا. وكذلك يعبر إطلاق الصواريخ من قطاع غزة في جزء منه عن رد على الصعوبة التي جربتها المنظمات الإرهابية في غزة في إرسال مخربين منتحرين ومهاجمين آخرين إلى ما وراء الجدار الأمني بين قطاع غزة وإسرائيل.
وعلى ذلك لا يمكن أن ننسب انخفاض العمليات الانتحارية التي مصدرها غزة أو عدم وجودها إلى ردع استراتيجي والى قرار على عدم المهاجمة البتة. إن تغيير التكتيك، من تنفيذ عمليات انتحارية إلى إطلاق صواريخ، يعبر كما يبدو عن ردع تكتيكي (أي عن اختيار تكتيك لا آخر لتحسين احتمالات النجاح). لإسرائيل مصلحة واضحة متصلة في أن تصعب تنفيذ عمليات انتحارية وأعمال إرهابية أخرى، لكن من المفهوم ضمنا أن عدم وجود محاولات البتة لتنفيذ هذه الهجمات أفضل. وعلى ذلك، سنطرح هنا الردع الاستراتيجي الذي له أفضليات مفهومة على الردع التكتيكي.
النشاط في الضفة
إن تعرّف السبب والنتيجة للردع أصعب كثيرا لأنه برغم أن جهود ردع إسرائيل في مواجهة حماس تنحصر في قطاع غزة وبرغم أن متخذي القرارات الكبار في المنظمة موجودون فيه وفي دمشق، مصدر أكثر نشاطات العمليات الانتحارية لحماس في الضفة الغربية. وذلك لأن الظروف فيها في كل ما يتعلق بالإدارة ونشاط إسرائيل الأمني والسلطة الفلسطينية، وحرية التنقل والتطور الاقتصادي تختلف اختلافا تاما.
في محاولة عزل وقياس متغيرات في هذه الطائفة المعقدة، الأمر الواضح أن حماس ومنظمات فلسطينية أخرى تشتغل بنشاطات إرهابية مختلفة ذات قوة متغيرة وفي أوقات مختلفة، وأسباب ذلك مركبة. مع ذلك فان الافتراض هو أن فحصا حذرا عن المعطيات عن العمليات الانتحارية سيساعد في إلقاء ضوء على نوايا هذه المنظمات وسبل عملها. ولكن هل يفسر الردع الهدوء الحالي؟
الربح والخسارة
إن الردع يقدم تفسيرا ممكنا لعدم الوجود المطلق للعمليات الانتحارية الناجحة في سنة 2009. ينسب رئيس أمان، اللواء عاموس يدلين انخفاض العمليات الانتحارية وانخفاض نشاط حماس وحزب الله في الزمن الأخير قبل كل شيء إلى الردع: «يمكن أن نرى في نظرة إلى الوراء، على نحو واضح أن العدو امتنع عن ضغط الزناد أو المس بدولة إسرائيل.
يعتمد الردع في أساسه على حساب بسيط يجريه العدو للربح والخسارة. بين جدوى المس بنا وبين الآثار وثمن الإجراء المتحرش، يكون الثمن مشتقا من فهم العدو قدرتنا على المس به، واستعداده لتعريض نفسه لخطر ذلك. واليوم يقدر العدو كليهما (الآثار والثمن) تقديرا عاليا ويشكك في قدرته على التنبؤ بإجراءاتنا بعد أن فشل في ذلك في لبنان في 2006 وفي غزة في 2008».
مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ـ يونتان شختر
