قضية الوثائق المسربة من وزارة الخارجية الأميركية تُكمّل الضربات الثلاث التي تلقتها الولايات المتحدة في العقد الأخير وهي الضربة العسكرية والضربة الاقتصادية والضربة الدبلوماسية الآن. إن خيبة الأمل من أنه لا توجد حتى الآن أنباء مدوية في الجانب العملياتي والنمائمي للوثائق (أحقا؟ هل يحب بيرلسكوني الاحتفالات الإباحية؟) تجعل فريقا منا يستخف بأهمية التسريب. لكن العكس هو الصحيح. ففي هذه الحال ولد الجبل بركانا. ينبغي أن نفحص قضية الوثائق المسربة في سياق أوسع، حتى من القصص العصرية التي ربما يتم الكشف عنها بعد.

مثلث الضربات

إن قضية الوثائق تُكمل مثلث الضربات التي تلقتها الولايات المتحدة في العقد الأخير. فالضربة الأولى هي الضربة العسكرية ـ أحداث الحادي عشر من أيلول التي أفضت إلى حروب استنزفت قوة الجيش الأميركي. والضربة الثانية هي الضربة الاقتصادية: أزمة المصارف والقروض السكنية في 2008 التي أنشأت تهديد الصين الاقتصادي التي تسيطر في واقع الأمر على سندات دين الولايات المتحدة وتستطيع إسقاطها متى قررت. تسريب الوثائق يُكمل المثلث بالضربة الدبلوماسية.

على نحو متراكم تقوّي هذه الضربات الثلاث الشعور بأن قرن الولايات المتحدة قد كُسر وأنها أصبحت أقل تهديدا. في الحقيقة لا تزال أميركا قوية بقدر كاف لتجاوز كل ضربة على حدة لكن إذا بدأت الولايات المتحدة ـ في وقت ما في المستقبل ـ تمشي مثل قوة ضعيفة، فان هذا العقد دليل على بدء النهاية. وذلك في الأساس بسبب الصلة الوثيقة بين الضربات.

تنبع الصلة قبل كل شيء من تأثير روح العصر. منذ العصر المسمى على نحو متعب ما بعد الحداثة، لم يعد يوجد في العالم قسم جدي للآداب في جامعة لا تُعرض فيه الولايات المتحدة على أنها إمبراطورية شر تساوي مظالمها بل تزيد على أفعال الدول التي عرّفها جورج بوش بأنها «محور الشر». بدأت روح ما بعد الحداثة على أنها روح وأفكار لكن عندما نضج الطلاب وبدأوا يعملون في العالم بدأت تتجسد في أفعالها.

خريطة المصالح

الشيء الآخر الذي تُبرزه الوثائق أنفسها هو خاصة عدم تغير السياسة الأميركية. فالإدارة الجديدة في الحقيقة أشد إيمانا بالمحادثة لكن خريطة المصالح مازالت كما كانت في كل ما يتعلق بإسرائيل على الأقل. إذا استثنينا الاختلافات في الرأي المتعلقة بإنشاء دولة فلسطينية، فإن المصالح متطابقة ومستوى الإصغاء لتوجيهات رئيس الموساد ورؤساء جهاز الأمن مرتفع.

فيما يتعلق بتلك التوجيهات الأمنية، ينبغي أن نقول انه من المدهش أن نقرأ بحرية كهذه رأي دغان ورؤساء جهاز الأمن فيما يحدث في العالم. تكشف الوثائق عن عشرات التوجيهات كهذه يتضح منها مثلا مبلغ عدم اعتماد إسرائيل على الدول العربية المعتدلة وفيها مصر والأردن أيضا.

ومن جهة ثانية من الآسِر أن ندرك مبلغ كون صورة الاستخبارات العامة ـ إذا استثنينا تفصيلات العمليات ـ غير بعيدة عما يستطيع أن يفهم كل قارئ مدقق للصحف. إن تأييد فتح مثلا لعملية «الرصاص المصبوب» يُصدقه الوثائق أيضا لكن ليس هذا شيئا لم نستطع فهمه. وينطبق ذلك أيضا على علاقة الدول العربية المعتدلة بإيران: لأننا لم نكن محتاجين حقا إلى «ويكيليكس» لنعلم كيف ينظر زعماء العرب إلى احمدي نجاد أو ما الذي يعتقده اردوغان فينا.

الانترنت والدول

يثور من هنا سؤال يتعلق بمعنى كشف «ويكيليكس». إن مجرد الجرأة على الاستخفاف بالنظام السياسي الدولي والكشف عن إجراءاته وبواعثه يمكن من جهة أن يُنعش العالم ويفضي إلى مضاءلة الفرق بين ما يُقال وراء ستار وما يُقال على رؤوس الأشهاد. ومن جهة ثانية قد يكون خطوة أولى تصدق نبوءة يميلون في أقسام العلوم السياسية إليها منذ سنين وهي أننا كلما تحولنا للعيش عن طريق الانترنت، فان قوة الدول بصفتها مجموعات متمايزة ستتضاءل لمصلحة جماعات تجتمع بحسب مصالح غير قومية، وعلى نحو لا يتصل بالمكان الجغرافي مثل أمة موسيقيي العالم.

ويُصدق الكشف في «ويكيليكس» أيضا أن العالم قد غدا مكانا يُدار بإيقاع مختلف يسبب الدوار. كان يجب علينا ذات مرة أن ننتظر سنين حتى ينقح المؤرخون الوثائق التي وجدوها لكتابة الحقيقة التاريخية التي أضعناها في الحاضر فأصبح التاريخ اليوم كامنا في الحاضر. وكما اعتادوا أن يقولوا في التقديرات الاستخبارية قد يكون العكس أيضا. قد تكون هذه التنبؤات مذعورة جدا.

فكما أثار الـ «فيس بوك» مع دخوله حياتنا أسئلة تتعلق بخطر ازدياد التعري والكشف عن الذات، لم تسبب حقيقة أن كل واحد اليوم يستطيع أن يعرف من هم أصدقاء كل واحد، وأين يوجد الآن وماذا يفعل إلى الآن، جعل الشمس تكف عن الشروق ؟ فكذلك في شأن «ويكيليكس» ايضا. غدا سيتعلمون ببساطة كيف يُشفرون الوثائق على نحو أفضل.

إسرائيل اليوم ـ آفي شيلون