«ضربني وأهانني وبكل بساطة ألقى عليّ يمين الطلاق وهرب».. عبارة ترددت على لسان واحدة من النساء اللاتي تحدثنا معهن في هذا التحقيق، بينما أكدت أخرى ندمها؛ لأنها كانت تعتقد بأنها الزوجة الثانية، قبل أن تكتشف أنها الرابعة، وزوجة ثالثة خالفت الاتفاق مع زوجها بعدم الاتصال به فطلقها عقاباً على الاتصال به..

هي حالات كثيرة تواجه تعقيدات ومشاكل عديدة في زواج المسيار، بالرغم من أن الشرع حلل هذا النوع من الزواج طالما أن العقد شرعي ومستوف الأركان، وإن كان غير ملزم من حيث توفير السكن للزوجة، حيث يحدد الزوج ساعات معينة يأتي خلالها زوجته في سكن أهلها، بالإضافة إلى أنه غالبا ما يكون سريا بالنسبة لعائلة الزوج أو زوجته الأولى، بينما يكون الإشهار من طرف أهل الزوجة، وهو الواقع الذي جعل الكثيرات يندمن ويؤكدن أن مثل هذا الزواج رغم شرعيته تترتب عليه مآسٍ ومشاكل كبيرة، أهمها سهولة تخلص الزوج من زوجته إذا لم يكن بينهما أولاد.

الشابة «نها.أ» في الثامنة والعشرين من عمرها تم طلاقها بعد زواج استمر عاما واحدا فقط، فقد تقدم لها رجل في الخمسين من العمر ينتمي لعائلة كبيرة، ولكنه اشترط عليها، كما تقول، أن يكون الزواج مسياراً، وحذرها من الاتصال به في مكان العمل أو على هاتفه الجوال، ولا في منزله، وكذلك اشترط عليها عدم الظهور معه في أي مكان أو مناسبة.

تقول الفتاة وهي تروي حكايتها: وافقت على هذه الشروط، لكن بعدها بأيام وجدت نفسي كأنني أعيش في سجن؛ فأنا أحيانا أحتاج للخروج لقضاء بعض احتياجاتي، ولا أستطيع لشروطه السابقة، حتى جاء يوم ما ولم يحضر زوجي ولم يتصل في الوقت الذي أصيبت فيه والدتي بنوبة قلبية اضطررنا على أثرها لنقلها إلى المستشفى، فما كان مني إلا أن طلبت من ابن شقيقي الاتصال به، لكنه لم يحضر، فاضطررت أن أتصل به، لكنه لم يرد أيضا عليّ.

تجربة فاشلة

تواصل الفتاة: في اليوم نفسه توفيت والدتي، وكثر السؤال من الأهل والجيران عن غياب زوجي، فأرسلت له ابن شقيقتي في مكان عمله، وبسرعة اختلى به وسأله عما يريد، فأبلغه بما حدث، فأتى زوجي وتعلل بأنه كان مسافراً، وجلس قليلاً وغادر، وعاد بعدها بأيام ودخل غرفتي، وبدلاً من أن يعتذر عن عدم تقدير الموقف، أبدى غضباً غير طبيعي تجاه اتصالي به والسماح لشخص آخر أن يتكلم معه في أمر يخصنا، ونسبة لظروفي تحملته ولم أرد.. وبعدها بأيام فوجئت به يقول إن تجربته معي فاشلة، وطلب أن ننهي هذا الزواج، ورمى علي يمين الطلاق وخرج، وحتى الآن لا أعرف عنه شيئاً بعد أن غير رقم تليفونه.

هذه الحالة اعتبرها أستاذ الاجتماع راشد محمود، تجربة انتهت بلا خسائر كبيرة، حيث خلت من الأولاد، ولكنه انتقد بشدة أسلوب الاختيار في مثل هذه الحالات، لافتاً أن كثيرين يظنون أن زواج المسيار هو زواج للمتعة بلا تبعات، وقال: إذا كان الاشتراط فيه عدم التزام الزوج بالسكن، فهذا لا يعني أن يكون الرجل عالة على أهل أسرة الفتاة، بل عليه الإنفاق والاهتمام بمتابعة حالة زوجته واحتياجاتها، وأن يكون ملتئما مع الأسرة اجتماعيا، وهذا لا ينتقص من أمر السرية على أهل الزوج شيئا، ولكن هناك تهاونا كبيرا من الزوجات وأسرهم في الاختيار.

صدمة

لكن الخسارة كانت كبيرة جدا لدى «هدى»، التي بلغت الرابعة والثلاثين دون زواج، فأول رجل طرق بابها وهو يمتطي سيارة فارهة وافقت عليه دون سؤال أو تحر. لم يشترط الرجل كثيراً غير تأجيل الإنجاب لفترة قادمة، واستمر الزواج عدة أشهر، كان يأتي خلالها الزوج بعد الرابعة عصراً ويخرج عند الثامنة مساء يومياً، ما عدا يوم الجمعة الذي يخرج فيه مع أبنائه وزوجته الأولى والتي اكتشفت هدى بعد ذلك أنها الرابعة.

تقول هدى: بلا مقدمات وجدته يتصل في أوقات كثيرة، وأحياناً منتصف الليل يسألني ماذا أفعل؟ فأبلغه أني في منزلي فيصر على أن يتحدث لأحد في المنزل، وكأنه يتأكد من صدق كلامي، وتواصل: في مرة من المرات خرجت مع والدتي وأخي الأصغر وأختي الصغيرة عند جدتي، ولم أدرك بأن تليفوني كان مغلقاً إلا عندما طلبت والدتي إخبار والدي بأننا سنتأخر فوجدت تليفوني مغلقاً، وفتحته، وفجأة رن جرس الهاتف، فوجدته زوجي وقد وبدأ يشتم ويلعن اليوم الذي ربطني به، ولم أفق من الصدمة حتى وجدته ينتظرنا أمام باب المنزل، فأسمعني ما لم أسمعه من قبل، ومن بعدها اختفى، وحتى الآن لا أريد منه غير ورقة الطلاق التي رفض مجرد التفاهم حولها وما زلت أحاول ولكنه لا يجيب على تلفوناتي.

مأساة

أما «سالم» في الواحدة والأربعين من العمر فيقول: فشلت في تدبير نفقات الزواج حتى بلغت التاسعة والثلاثين، وأثناء ذلك عرضت علي إحدى قريباتي زواج المسيار من جارتها، وقالت إنها جميلة في السادسة والثلاثين، لكن حظها عاثر بعد وفاة زوجها الأول وطلاق الثاني لها بدون أسباب، فوافقت رغم اعتراض أهلي الذين وافقوا تحت ضغوط، خاصة بعد أن شاهدتها وجلست معها.

يضيف: تزوجنا، وطلبت الفتاة أن تجعل زواجنا شرعيا مئة في المئة، وأن أبقى معهم في المنزل، فرضيت بالواقع لأنني لا أملك سكنا، وخلال الأسابيع الأولى للزواج فوجئت بها امرأة «نكدية» للغاية، بالإضافة إلى أنها سليطة اللسان؛ لدرجة أنها كانت تعايرني بفقري ونحن في فراش الزوجية. واستمرت الحياة هكذا حتى ضاق بي الحال وانفعلت يوما وضربتها ضربا مبرحا، فتدخل أهلها وأقرباؤها وأوسعوني ضربا حتى فقدت عيني اليمنى، وما زلنا في المحاكم دون أن أصل لحل.

الخبيرة الاجتماعية د. عزة كريم ترى أن لجوء البعض إلى زواج المسيار تفرضه عدة عوامل، منها عدم قدرة الشاب على تدبير نفقات الزواج، أو كبار السن الذين لهم ظروفهم، أو بعض الشباب الذين يطمعون في سيدة جميلة مطلقة أو أرملة صغيرة السن، أو نتيجة عدم راحة الزوج مع زوجته، وغيرها من المسببات..

لكن الأخطر، كما تقول كريم، أن البعض يتعامل مع زواج المسيار مثل الزواج العرفي أو زواج المتعة، ولا يهتمون بالتفاصيل المهمة عن الزوجة وسيرتها، ولا اهتمام من أسرة الزوجة بالتحري حول المتقدم لابنتهم، ومن هنا تحدث الكثير من المشاكل. والأكثر خطورة أن الأولاد من هذا الزواج يتعرضون لتجربة خطيرة وهم يرون والدهم يدخل غرفة نوم والدتهم ويخرج منها إلى الشارع ولا يتابع أخبارهم رغم أن هؤلاء في أمس الحاجة للأب الذي يكون القدوة لهم، ومن هنا ضاع الكثير من الأبناء في مثل هذه الزيجات لأسباب مختلفة ترجع إلى غياب الأب أغلب ساعات اليوم عن منزل زوجة المسيار، ومنح أبناء الزوجة الأولى أكبر قدر من الوقت.

القاهرة : دار الإعلام العربية