وأنت تتجول في شوارع وسط البلد بالعاصمة المصرية «القاهرة» وبالتحديد في فصل الشتاء الدافئ.. كثيرا ما يلفت انتباهك مناظر قد تكون مألوفة في المواسم السياحية الشتوية في مصر، عندما تجد أمامك مجموعات من الأجانب تحتل مساحات واسعة في مقاهي وسط البلد أو الأحياء المجاورة، وخاصة المقاهي الشعبية ذات الأسعار الرخيصة، وغالباً ما تجد بينهم مصريين يلبسون مثلهم ويساعدونهم على الترجمة ومعرفة الأماكن السياحية، وتسهيل كثير من المهام التي غالبا ما تكون اللغة حاجزاً دون تحقيقها.
وهؤلاء على عكس سياح المواسم الصيفية التي تكون فيها الأكثرية للسياح العرب بنسبة تزيد على الـ 90؟ عن الأجانب، وهي النسبة نفسها التي تشهدها زيادة الأجانب في المواسم الشتوية، حيث اعتاد السياح الأجانب السكن في الفنادق الصغيرة أو «البنسيونات» التي لا يزيد سعر الغرفة فيها على 20 دولارا في الليلة، مقابل 300 إلى 350 دولاراً في الفنادق الكبرى في مصر.
وكذلك تختلف اهتمامات الأجانب عن السياح العرب في اختيار الأماكن السياحية، حيث اعتاد العرب على الكافيهات الفخمة ذات الأسعار العالية، والحفلات الغنائية التي تكثر في الصيف، وتصل فيها التذكرة للحفلة الواحدة من ألفين إلى ثلاثة آلاف جنيه، والحدائق الكبيرة والمطاعم الفخمة والتجوال بالعربات المؤجرة بمبالغ كبيرة في الشوارع المعروفة مثل شارع جامعة الدول العربية وشوارع الدقي ومصر الجديدة ومدينة نصر، كما يسكن العرب في الفنادق الكبرى، وإن كان أغلبهم بات يفضل السكن في شقق يختارونها بعناية في الشوارع الرئيسية التي يتعدى سعرها 500 جنيه في اليوم.
التعرف إلى التاريخ
بينما يرفض الأجانب السكن في الشقق المفروشة بأي حال من الأحوال، ولا يقربون الفنادق الكبيرة أو الكافيهات المعروفة، ويهتمون بزيارة المتاحف والأهرامات وكل المرافق الأثرية والمساجد القديمة التاريخية، ويحرصون على معرفة ثقافات شعوب العالم الثالث وينبهرون بها، ويتجولون في البازارات بحي الحسين لشراء البرديات والتحف واللوحات التي تعبر عن القيمة الأثرية لمصر القديمة، ثم يعودون إلى مجالسهم في تلك المقاهي التي لا يتعدي بها سعر كوب الشاي جنيهين اثنين فقط.
إعداد مسبق للزيارة
يقول محمد الطاهر ـ أحد الذين يرافقون الأجانب نسبة لمعرفته الجيدة للغة الإنجليزية: إن هؤلاء عندما يقدمون إلى مصر أو أية دولة إفريقية أو عربية للسياحة لا يحملون أمتعة كثيرة، وربما يكتفون باثنين أو ثلاثة من بنطلونات الجينز وبعض «التي شيرتات» ومبالغ لا تتعدى الألف دولار للفرد، فهم لا وقت لهم للبهرجة واستعراض خطوط الموضة.
وأشار إلى أن السياحة بالنسبة لهم تعني اكتشافات جديدة ومبهرة، بحكم أنهم شغوفون بمعرفة كل التفاصيل عن المكان الذي يزورونه؛ ولذلك هم يقومون بدراسة البلد الذي سيتوجهون له دراسة وافية عبر الإنترنت والخرائط التي يحملونها دائما معهم وبعد وصولهم، يستفسرون عن كل ما سمعوا أو قرؤوا عنه، وحتى المشروبات الشعبية المصرية يسألون عنها بتفصيل كبير، مثل السحلب والقرفة واليانسون، ومشروب النعناع، ويطلبونه دائماً أينما جلسوا في المقاهي الشعبية.
وقال سعيد سليمان ـ موظف في أحد الفنادق الصغيرة إنه تعلم كلمات كثيرة من اللغة الإنجليزية من خلال تردد الخواجات على الفندق الذي يعمل به، وقال: الخواجات تجدهم ملمين بكل شيء عن المنطقة التي يزورونها، حيث كانوا في الماضي يحاسبوننا بالدولار، والآن أصبحوا يتجهون لشركات الصرافة قبل قدومهم ليسددوا بالجنيه المصري أجرة الغرفة.
وأشار إلى أنهم يجيدون التعامل معهم وتنفيذ طلباتهم والتفاهم معهم بشكل ممتاز، موضحا أن اللغة الإنجليزية ليست صعبة التعلم؛ لأنهم من خلال وجود هؤلاء معهم حفظوا كثيرا من الكلمات، وقال: حتى هم أنفسهم دائما ما يحرصون على التقاط بعض الكلمات من اللغة العربية والعامية المصرية ليتعاملوا بها معنا أيضاً لتسهيل مهمتنا.. وأشاد العامل بانضباط السائحين الأجانب والتزامهم بكل لوائح وقوانين الفندق والمحافظة على نظافته.
صداقات مع عامة الشعب
والطريف أن أغلب هؤلاء قد عقدوا صداقات مع العاملين في المقاهي الشعبية، وعرفوا أسماء المشروبات الشعبية وأصبحوا يطلبونها بالاسم وينطقونها باللغة العربية، حسب «سامح»، عامل في أحد مقاهي القاهرة الشعبية، والذي قال: بالرغم من أن مجموعات الأجانب دائماً ما يرافقهم أحد المصريين، إلا أنهم يفضلون أن يطلبوا المشروبات بأنفسهم دون الاستعانة بالمترجم، وتجدهم سعداء عندما يطلبون مشروبا باللغة العربية.
وأضاف: الغريب في الأمر في فصل الشتاء وفي شدة البرد القارص تراهم لا يلبسون ملابس ثقيلة مثلنا، ويخرجون بالبنطلون الجينز وتشيرت عليه جاكت أو بلوفر خفيف، وكذلك بالرغم من أن القاهرة تسهر حتى الصباح، تجد الخواجات آخرهم الحادية عشرة مساء في القاهرة، ثم يعودون إلى فنادقهم للنوم.
يقول «حاتم» أحد المترجمين لمجموعة من الخواجات: أنا أتحدث اللغة الإنجليزية بشكل جيد، ولكن تعرفت إلى أمزجة هؤلاء الخواجات بشكل كبير؛ لأنني أرافق مثل هذه المجموعات منذ 9 سنوات، وسافرت معهم إلى الأقصر وأسوان وشرم الشيخ والغردقة والإسماعيلية، ولذلك أغلبهم يفضلون أن أكون معهم، خاصة أنني متابع للاكتشافات الأثرية المستمرة في مصر، وأحكي لهم عن كل جديد، وأعرف طلباتهم، وما يغضبهم وما يسعدهم.
وأشار إلى أن الخواجات صادقون جداً ولا يكذبون، لذلك أنا أتعامل معهم بصدق شديد، وهم يحبون الاختلاط بالناس والاستماع لهم، وكذلك تجد أسئلتهم كثيرة، وأحياناً صعبة، خاصة عندما تكون في مكان ما، وطبيعي جداً أن يسألوا عن كل شيء وإجاباتهم تحتاج في أغلب الأحيان إلى أحد الذين خبروا المنطقة التي يزورونها ولكنني دائماً أقول لهم ذلك، فيسعدون بحديثي إذا قلت لهم إنني لا أعرف هذا المكان حتى لا يتضرروا من معلومة خاطئة.
سياحة المعرفة
أما المرشد السياحي أحمد سعد فأكد أن الخواجات يفضلون في الموسم السياحي الشتوي زيارة مدينتي الأقصر وأسوان، فهما بجانب جمالهما الأخاذ دافئتان، وغير ذلك هما مدينتان لهما تاريخ فرعوني قديم، بالإضافة إلى أن السياح يفضلون أيضاً الأماكن التي تكون أكثر هدوءاً من القاهرة، خاصة أنها مناطق تتميز عن كل المدن السياحية في مصر باعتبارها متحفا مفتوحا تتوافر فيها السياحة الأثرية والعلاجية والأسواق الشعبية، بالإضافة إلى السياحة النيلية القصيرة والطويلة التي اشتهرت بها الأقصر وأسوان.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
