يقول مختصون وأطباء ومهتمون بحقوق الطفل إن أطفال العراق حرموا من حقهم في العيش، وتدهورت أحوالهم، فغادروا طفولتهم وعفويتهم مبكرا، لذلك لابد من الإلتفات إليهم، خشية أن يفقدوا براءتهم وسط هذا العالم المتوتر المليء بالأحداث، حيث ينشغل الساسة بشؤونٍ، غالبا ما تتعلق بمصالح شخصية أو فئوية أو طائفية، فيما توجد هناك شريحة قد تكون الأوسع بين العراقيين، لا تجد من يمثلها، أو يتحدث باسمها ويطرح مشاكلها .. هذه الشريحة قالت عنها تقارير دولية، إنها الأكثر عرضة للأذى والمتاعب من مثيلاتها في كل أنحاء العالم .
نماذج للمأساة
وتشكل «عمالة الأطفال» أنموذجا للوضع المتدهور لهذه الشريحة المهمة والواسعة، التي اضطرها فقدان المعيل، في الغالب، بسبب الاحداث المأساوية التي مرّ ويمر بها العراق، إلى مغادرة عالم الطفولة والبراءة، واللجوء إلى سوق العمل الذي لا يرحم.
يقول بائع الحلويات، سالم جبار - 10 أعوام - :غادرنا مدينتنا مضطرين و«مهجّرين» إلى مدينة أخرى لكي نكسب حياتنا، وتركنا كل شيء خلفنا.. منذ 4 سنوات وأنا اعمل ليلا ببيع الحلويات على زبائن المقاهي مع شقيقي الأصغر. ويضيف: «نحن عائلة تتكون من والدي المريض نفسياً، ووالدتي، وأخوتي الخمسة، حيث نسكن، مع عائلات أخرى في بناية واحدة، ومطلوب منا أن ندفع إيجارا شهريا، إضافة إلى توفير الطعام لنا».
أما حسين عبد قاسم - 12 عاما - فيقول: »تركت الدراسة عند الثالث الابتدائي بسبب وضع عائلتي المعاشي، وتوجهت إلى العمل، لكي يواصل بقية أخوتي دراستهم، وأكثر ما يؤلمني في العمل هو عندما اقترب من عائلة معها أطفال بعمري، وهم يرتدون ملابس نظيفة، ويأكلون طعاما جيدا، ويلعبون بفرح، لأنني حرمت من هذه الأمور».
فيما يقول جميل سلمان -8 أعوام - : «أتمنى أن أتجول في سيارة حديثة مع والدي الذي لا أتذكره، بسبب وفاته وأنا صغير جدا، وان اذهب إلى مدينة الألعاب، والعب حتى اتعب من اللعب».
ويضيف: «في الأيام الأخيرة بدأت اجمع مالا من محصولي اليومي، خلسة، واذهب كل أسبوع إلى المسبح لكي ارتاح من العمل ومشاكل البيت ومطالبة والدتي بالمزيد من المال لسد نفقات المعيشة».
من فصول القهر
ويعلل اشرف عدي - 7 سنوات -، الذي يسكن في باب جديد، ويتسول في منطقة النبي شيت أحيانا، أسباب عمله بقوله «والدي قتلته الجماعات المسلحة، ووالدتي لا عمل لها، وعمي وجدي لا ينفقون علينا». ويقدم يوسف دريد - 10 سنوات - سببا آخر بقوله «زوج أمي يضربني إذا لم أجلب نقودا إلى البيت».
ويكمل عدنان إبراهيم -11 سنة- فصول المأساة بالقول: «لقد نسينا اللعب.. وأصبح همّنا الأول والأخير هو الحصول على المال من أجل المعيشة، فأنا أحصل على ستة أو سبعة آلاف دينار يوميا قبل أن أعود إلى البيت.. لكني أحصل على هذا المبلغ بعد أن يهدني التعب، ولا وقت أو جهد لدي للعب أو الدراسة كبقية الأطفال».
أما جمانة الجمال ذات الأحد عشر عاما، فتقول «والدتي مريضة.. وهي بحاجة إلى نقود لشراء الدواء، وأبي يعمل يوما.. وعاطل عشرة أيام، وأنا أحصل يوميا على خمسة آلاف دينار، تزداد في أيام الجمع والأعياد، لذلك أقوم ببيع الزهور الورقية التي اصنعها بالبيت وأبيعها داخل الحي».
ولكل من هؤلاء قصة، لكنها اشد سوداوية مما سبق، بل مأساوية، فأسمر سعد، كان عمره ثماني سنوات عندما راح ضحية إحدى السيارات المفخخة عند إشارة مرورية كان يبيع المناديل الورقية قربها، بينما فقد وليد ساقه عندما دهسته سيارة مسرعة وهو يقفز وسط الشارع ليلاحق بعض المارة وأصحاب السيارات، لعرض ما يحمله من بضاعة متواضعة.
تبريرات بلا حلول
ولكن ما رأي أهل العلم والاختصاص في هذه الظاهرة؟
تقول الناشطة في حقوق الإنسان آمال عبد السلام: «حرم أطفال العراق من ابسط حقوقهم، فمنذ نيسان ابريل 2003، وبعد موجة العنف التي ضربت البلاد ،غادرت العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية العراق، لتمارس نشاطاتها من البلدان المجاورة، ما لا يمكّنها من متابعة حال أطفال العراق، الذين اضطر الكثير منهم للخروج إلى العمل في وقت مبكر، فمنهم من ترك مقاعد الدراسة وعمل، أما البعض الأخر فقد خرج للتسول، فانتهكت براءته وصودرت طفولته، وهاجمته العديد من الآفات والأمراض، بسبب الوضع المتردي، واستُهدف من قبل البعض جرّاء الظروف المعيشية السيئة التي تمر بها معظم العوائل العراقية».
مستقبل مجهول
وتشير عايدة شريف وكيلة وزير حقوق الإنسان سابقا إلى: «أن أطفال العراق حوصروا للمرة الثالثة خلال عشرين عاماً، وقد أسفرت الحروب عن تفاقم أوضاعهم.. إنهم مهددون بالأمراض والأوبئة التي تنجم عن الوضع الصحي المتردي والبيئة غير النظيفة وأشياء أخرى».
وتضيف: «شهد العراق حرباً دامت ثماني سنوات في ثمانينيات القرن العشرين، كما أن حرب الخليج عام 1991 ألحقت دماراً هائلاً بالبنية التحتية له، وظل البلد خاضعاً لعقوبات».
شاملة طوال 13 عاماً.. وبغية التخفيف من الآثار الإنسانية للعقوبات تم تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء في عام 1996، إلا انه لم يستطع حماية أطفال العراق».
وتضيف: «اليوم تسرق طفولتنا من أمام أعيننا بالموت والتخريب والضياع.. الأطفال لم يعودوا مثلما كانوا.. الحياة بدأت تأخذ من طفولتهم ضريبتها.. الخوف من المجهول يتسرب تلقائيا من تفكير الراشدين في الأسرة إلى أطفالها نتيجة ما يسمعونه كل يوم وكل ساعة.. اعرف أطفالا يحاولون التقاط أنفاسهم بسرعة عندما أسالهم عن ماذا يريدون أن يكونوا في المستقبل، وهم يسألونني: وهل سيتركوننا نعيش حتى /المستقبل/!!، هذا الأمر في بغداد، فكيف هو في المحافظات!؟
قاتل أو مقتول
وتؤكد الناشطة النسوية مها الخطيب: «عندما انظر إلى السوق الكبير في بابل أرى أطفالا لم يشتد عودهم، يحملون أكياسا أضعاف أوزانهم من اجل أن يكسبوا بعض الدنانير لعوائلهم التي فقدت معيلها بمصائب العراق، أنهم/يتوسلون/من اجل إيجاد فرصة العمل في أي مكان، وان لم نساعدهم سيتحولون في يوم ما إلى مقتولين أو أدوات للقتل.. نحن بقسوة قلوبنا وإهمالنا ندفع بهم إلى الإرهاب ثم نبكي لاختيارهم هذا الطريق الذي يسكت جوعهم وعوزهم
بغداد ـ عراق أحمد

