أكد أمين عام الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى، أن ضعف التيار الوطني الديمقراطي، وتشتته، يعد من العوامل الأساسية، التي جعلت الأمور في العراق تأخذ هذا المنحى المعقد، وان هذا الضعف له مسبباته الكثيرة، الموضوعية والذاتية، وفي مقدمتها الظروف القاسية التي واجهها التيار، إضافة إلى التشويش وعدم وضوح الرؤية الذي يسود العملية السياسية في البلاد، التي ارتكزت على الاستقطابات الطائفية والعرقية والمناطقية.

وقال موسى في حوار أجرته معه «البيان» في بغداد، إن ضعف التيار الديمقراطي، للأسباب المعروفة، خسارة كبيرة للشعب العراقي ولقدرته في التأثير على مجريات الأحداث السياسية، ومن اجل وضع العملية السياسية في الاتجاه الصحيح، وتجنيبها الثغرات والنواقص والعثرات، التي لم تعد خافية على الإنسان الواعي.

البعد الاجتماعي للديمقراطية

لاحظنا في الفترة الأخيرة أن التيار الديمقراطي، اخذ يستعيد حيويته، من خلال التظاهرات والاعتصامات، المطالبة بالإسراع في تشكيل الحكومة، وتقديم الخدمات للمواطنين، ومعالجة الكثير من الأزمات الخانقة.. هل الظرف الجديد يشكل حافزا لنهوض التيار من جديد؟.

نهوض التيار الديمقراطي لم يتوقف، رغم كل العراقيل، والظرف المعقد الحالي له تأثيره الحتمي في استنهاض الحركة الجماهيرية الواسعة، وبشكل خاص، قوى التيار الديمقراطي التي تحمل في قناعاتها المشروع الوطني الديمقراطي، الذي يعبر عن مصالح أبناء شعبنا، شغيلة اليد والفكر، من العمال والفلاحين والموظفين وذوي الدخل المحدود..

فالتيار لا يناضل من اجل الديمقراطية السياسية فقط، رغم أهميتها، وإنما هو أيضا ذو بعد اجتماعي، يتمثل في النضال من اجل مصالح شغيلة العراق، فهو له أصول وجذور عميقة في المجتمع العراقي، وله أساس موضوعي في هذا المجتمع، ولكن ما عاناه من قمع وإرهاب طوال ما يزيد على أربعين سنة، اضعف من حضوره الآن، وساهم في ذلك ما عاناه من تشرذم وتفتت وتباينات ومنازعات قللت من قدرته على الفعل المباشر.

ما المطلوب من التيار الديمقراطي الآن؟

الظرف الحالي يضع أمام المعنيين في القوى الديمقراطية مسؤولية تاريخية في التحرك الجاد والمسؤول لتجاوز الصعاب والنزعات الأنانية، والبحث عن المشترك الموحد والمقبول، لكي يستطيع هذا التيار أن يلعب دوره المنشود في إطار حركة شعبنا الوطنية الواسعة.. هناك جهود غير قليلة بذلت في هذا السياق.

ولكن يبدو أننا أمام مهمة صعبة ومعقدة، تتطلب تصورا سياسيا وفكريا ناضجا، واتصالات واسعة وجهودا مضنية مثابرة، لتأمين تقارب قوى هذا التيار وشخصياته والتئامها وفق صيغة من صيغ التحالف والنشاط المشترك، لكي يفعل التيار فعله في الحياة السياسية العراقية. وفي هذا الصدد، سعينا إلى عقد لقاءات للتوصل إلى صيغ عمل مشترك ونشاطات جماهيرية ومؤتمرات، وتكونت لدينا تجربة ومحصلة معرفية ووعي لحقائق هذا التيار، وسنجند كل ذلك مع إمكانيات الحزب للإسراع في إيجاد الصيغة الفعالة لبث الحيوية والنشاط والوحدة في قوى التيار الديمقراطي.

الاندماج بالشارع أولاً

هل توصلتم إلى استخلاص صيغ جديدة وأساليب جديدة في التعامل؟ خاصة مع الحديث عن وجود رابط بين استنهاض العمل الميداني؟ الجماهيري، واستنهاض دور التيار الديمقراطي وقواه؟ في قناعتنا أن المشكلة ليست في الصيغ والأطر التنظيمية، فهذه يمكن أن تأتي كمحصلة لتصاعد النشاط المشترك لقوى التيار الديمقراطي، ويمكن التوصل إلى ما هو مقبول من الصيغ والأطر، بناء على القناعات التي تتولد حول العمل المشترك، والمدى الذي يجب أن يأخذه هذا العمل المشترك من حيث الموضوع، ومن حيث الزمن، ومن حيث المهام.

فإذا اعتبرنا أن العوامل الموضوعية التي أحاطت ولا تزال، بعمل قوى التيار الديمقراطي، هي خارج إرادة وقدرة هذه القوى على تجاوزها وتعديلها، فلابد أن نركز على الجانب الذاتي، والشيء الأول الذي نحتاجه هو أن نعتمد على الناس، على النشاط الجماهيري، كي لا تبقى النقاشات نخبوية فوقية، فعندما يكون لنا اندماج واختلاط وفعل جماهيري، عند ذلك نتحرر من الكثير من الإشكاليات والعقد، ويتحرك كل طرف وفق إمكانياته وقابلياته وقدرته على الفعل والنشاط، ويجب أن نتخلص من الحساسيات والنزعات الحزبية الضيقة، و«الأنا» المضخمة.

ونعتبر ما هو عام ومشترك أساسا يستحق أن نتجاوز من اجله تلك العقبات والعراقيل، التي تحد من تعاوننا ومن لقائنا في النشاط الوطني الديمقراطي المسؤول، ولنبدأ من الذات، حيث آلينا على أنفسنا أن ننطلق بمنتهى العقلانية والواقعية والمرونة والرغبة في العمل مع الجميع واحترام استقلاليتهم بعيدا عن الهيمنة والتسلط والاحتكار، وهذا ما أثبتناه نظريا وعمليا في ممارساتنا التي نعيشها ويعيشها البلد منذ سنوات.

وفي النشاطات الواسعة التي تبادر منظماتنا إلى إقامتها في كل أنحاء العراق، والتجمعات التي يجري تنظيمها لصياغة أشكال من التعاون والعمل المشترك والنشاط الفعال لحماية مصالح الشعب في مختلف المحافظات، وبضمنها بغداد، كذلك تعاوننا مع جميع منظمات المجتمع المدني، ورعايتنا ودعمنا فعالياتها بدون رغبة أو مسعى لفرض قناعة معينة أو لفرض توجه معين بمعزل عن مشاركة الآخرين في صياغة التوجهات المطلوبة، المنسجمة مع حاجات النضال السياسي العام.

المعادون.. طرف آخر

لكن الملاحظ أنكم تعملون بمعزل عن الكتل السياسية البارزة على الساحة، والمتنافسة في ما بينها.. ما هو موقفكم الحقيقي من هذه الكتل والتنظيمات؟

نرغب في التعاون مع الجميع، مع كل من يعز عليهم امن واستقرار العراق وديمقراطية العراق وتقدمه.. هذه رغبة في العمل مع من يتعامل معنا بمثل ما نتعامل معه، من احترام وتقدير، وهناك من هم اقرب إلى مشروعنا الفكري وعندهم الرغبة في أن نتعاون إلى آماد زمنية بعيدة وعلى مراحل اجتماعية طويلة، وهذا التعاون له مستلزماته، وهناك أيضا من يعملون في إطار توجه التيار الديمقراطي، ومن هم مصرون على بناء مؤسسات سياسية ديمقراطية في البلد.. يكفي أن تبنى العلاقات على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واعتماد أساليب سليمة ونزيهة ومستقيمة في العلاقات السياسية دون هيمنة، ودون محاولات إقصاء وتهميش.

أما من يجعل من معنى وجوده ونشاطه السياسي العمل على تخريب الحزب الشيوعي والإساءة إليه، فهو ليس من القوى التي نستطيع أن نتعامل معها.. لن نتعامل مع احد يشتم يوميا الحزب الشيوعي، ويسعى للإساءة إليه، فهذا موضوع ثان ومختلف تماما، وأهلا وسهلا بمن يقول ويعمل من اجل رفع الحساسيات والعمل المشترك باحترام متبادل.

أحزاب من اجل الكسب

هناك من يقول أن تعقد الوضع في العراق هو، أيضا، بسبب بعض الأحزاب نفسها، أي أن هذه الأحزاب ليست أحزابا بالمعنى الحقيقي، وهذا احد أسباب تعقد اللوحة السياسية.

العديد من الأحزاب السياسية لها تاريخ، ولها مساهمات نضالية وصفحات مضيئة، ولكن لها أيضا أخطاؤها ونواقصها وممارساتها غير السليمة.. والانتقال من المعارضة إلى الحكم عملية في غاية التعقيد والحساسية والتشابك، ويمكن أن تثير قضايا تتطلب الدراسة والتفكير العميق والمعالجة.. والحديث هنا لا يشمل الأحزاب التي تشكلت بدوافع أو بمحفزات غير موضوعية، من اجل أن تحظى بموقع أو تحصل على مكسب أو أن تكون صدى وامتدادا لجهة ما خارجية أو داخلية.. هذه التشكيلات ستتلاشى مع الوقت، لأنها تفتقد المقومات الموضوعية، كما يجب أن نفهم انه ليس بالضرورة أن كل حزب يمثل طبقة اجتماعية بكاملها، لا علميا ولا تجريبيا، وخصوصا في التاريخ المعاصر. ولكن هناك جهات تدعي التمثيل الكلي، والهدف هو الحظوة بالموقع الأفضل، وبالقيادة، وبالهيمنة، للتمتع بمنافع ومكاسب السلطة، وبالنفوذ، والثروة، والوظائف، وبسلطة صنع القرار وصياغة آفاق المستقبل، وهذا ما نحن شهوده اليوم.

كيف؟

بحكم طبيعة الانتقال، فالتحول من الدكتاتورية المستبدة إلى نظام جديد، «تم عبر الغزو والاحتلال»، ولهذا الطريق انعكاسات على تشكيلة القوى السياسية في العراق.. هناك قوى سياسية قديمة أو كلاسيكية أو تاريخية واصلت عملها وثبّتت وجودها، وهذا الوجود متغير، يصعد وينزل مؤقتا، ولكن لها القدرة على البقاء والاستمرار، لها مبررات الوجود الموضوعية، وهناك أحزاب وتنظيمات ومجموعات «فرّختها» الظروف الجديدة، لتنطلق إلى ميدان حريات عامة، بلا قيود ولا ضوابط. وبالتأكيد يمكن أن يكون تشكيل الأحزاب إحدى فرص النشاط الحياتي وميادينه، يتعامل البعض معها كفرصة عمل، وفرصة للكسب، ولكن في آخر المطاف مع استقرار الحياة، ومع تبلور المؤسسات، بالتدريج وبطريقة غير مفتعلة وغير قسرية، ستضمحل هذه الكيانات ولا أقول تلغى، ستضمحل بينما تستمر أحزاب لها مبررات وعناصر الوجود والديمومة والحيوية.

نظام مدني لا يعادي الدين

هناك من يخلط بين العلمانية والديمقراطية، ويحارب التوجه الديمقراطي تحت واجهة محاربة العلمانية، كيف تحددون الفواصل بين الديمقراطية والعلمانية؟

جرى للأسف الشديد تشويش متعمد في تفسير معاني العلمانية، أو في صياغة معالمها، وذلك من اتجاهات مختلفة.. قسم اعتبرها توجها معاديا للدين، أو اتجاها إلحاديا، وهي ليست كذلك إطلاقا.. بعض المتزمتين البعيدين عن الإدراك الواعي لا يحتملون اختلافا مع طروحاتهم، وهم من المتعصبين المتطرفين في الإسلام السياسي أو من الأديان الأخرى، وآخرون اعتبروا أن هدف العلمانية الرئيسي هو مواجهة الدين!، والأمر ليس كذلك، فالتوجه العلماني كما عرفناه في التاريخ مع ظهور ملامحه في أوروبا وانتشاره في العالم، هو نزعة تريد أن تفصل الدين عن الدولة، وتعطي الدين حقه في ميادين النصح والإرشاد والعبادة، وتعطي الدولة تخصصها في إدارة شؤون البلد واقتصاده وعلاقاته السياسية ونظامه الإداري وعلاقات الناس مع بعضها.. والبشرية جربت التداخل وأسفر ذلك عن نتائج سيئة، لأنه حينما يكون الدين حاكما في الدولة بكل تفاصيلها، وبكل تشعباتها، فانه يلحق أذى كبيرا بالدين ذاته من ناحية، وبالناس من ناحية ثانية، فعندما تسود أحكام قاطعة.. ماذا عن الديمقراطية وحرية المواطنين وعن النزعات المدنية؟ نحن نسعى إلى نظام مدني، والمدني يختلف عن الديني، لكنه لا يعادي الدين.. للدين حقه، وله توجهاته وله موقعه، ولكن للدولة اختصاصاتها وخصوصياتها ونظامها وأساليب عملها التي لا تتداخل كليا وبشكل مطلق مع الدين.

متدينون.. ديمقراطيون

هل نفهم أن هناك علمانية تتناقض مع الديمقراطية، وهناك نزعة دينية ديمقراطية؟

بالتأكيد.. وحول هذا المفهوم هناك اجتهادات وتصورات مختلفة، حين نتحدث عن المتدينين، فليس كل المتدينين متطرفين، وليس كل المتدينين معادين للديمقراطية، كذلك ليس من الصحيح الحديث عن أن كل علماني هو ديمقراطي، أو انه لا يوجد دكتاتوريون ومستبدون ومتطرفون تحت لواء العلمانية.. والمجتمع البشري شهد أمثلة كثيرة على أولئك الذين مارسوا الاستبداد وأقاموا الأنظمة الفاشية، وكانوا خلال ذلك ضد المؤسسات الدينية وضد اندماج الدين بالدولة. بالنسبة إلينا تكتسب العلمانية محتواها الحقيقي والعميق حينما تندمج بالديمقراطية.. هناك من يقول أن إحدى سمات العلمانية هي الديمقراطية، وهذا غير صحيح، لان للمفهومين استقلالية نسبية في معانيهما..

نعم، العلمانية تكون أصيلة وجادة ومفهومة عندما تمتزج بالديمقراطية، فهي عند ذلك تتسم بالعقلانية، وتتسم بالواقعية في الأساليب والممارسات، وبعكس ذلك يمكن أن تورطها بالحروب والاستبداد والبيروقراطية والعنف وما شاكل، فنحن من القوى التي تدعو إلى ديمقراطية علمانية، ديمقراطية تحترم الدين والمتدينين ولا تنفي الديمقراطية عن الكثير من المتدينين، وليس كل علمانية هي ديمقراطية أو عقلانية أو واقعية، فقد شهدنا الكثير من النماذج السيئة التي تدعي العلمانية ولكنها معادية للديمقراطية وحقيقتها فاشية استبدادية

بغداد ـ عراق احمد