تصدر مصطلح «حرب العملات» عناوين الصحف على امتداد العالم في الأشهر الأخيرة، وبخلاف مصطلح «حرب التجارة»، الذي أثار قلق العالم منذ حدوث الأزمة المالية العالمية، لكن لم يتم التعامل معه بشكل جدي في قمم الدول العشرين، فإن حرب العملات تحتل قائمة الأولويات في قمة العشرين المرتقبة في العاصمة الكورية سيؤول.
فهل سيتمكن قادة العالم من الوصول إلى إجماع يكفل منع هذه المسألة من التطور لتصبح حرباً بالمعنى الشامل للكلمة؟ إن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على هذا، غير أن من المؤكد أن أغلب الدول التي لها علاقة بالأمر تلوم أميركا باعتبار أنها هي من زادت الموقف تدهوراً، فقد أرسلت رسالة للجميع توحي بأنها ستطلق جولة ثانية من «التخفيف الكمي»، وبهذا ستكون قد أعلنت حرباً على ثلاث جبهات.
الجبهة الأولى هي الحرب بين الدولار وعملات الدول الأخرى المتقدمة، ومن الواضح أن المزيد من التراخي في سياسة الولايات المتحدة المالية لا يعتبر أمراً إيجابياً بالنسبة لمنطقة اليورو، فالاتحاد الأوروبي لم يتعاف إلا قبل فترة وجيزة من أزمة الديون السيادية، التي توجت في مايو الماضي بالأزمة المالية اليونانية، ولا يملك في هذه المرحلة أن يحذو حذو أميركا، بل الأمر على العكس، فهو يخطط لأن يلتزم بمسار مالي صارم، حتى أنه يتحدث عن اعتزامه سحب السيولة من الأسواق.
ويمكن تفسير هذا التضارب في المصالح والسياسات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأروبا بأن الأهداف الأولية التي يسعى لها الاقتصادان مختلفة، ففي الوقت الذي تضع الولايات المتحدة مسائل التوظيف والنمو الاقتصادي على قائمة أولوياتها، فإن جل هم الاتحاد الأوروبي هو تقليص التضخم، وتحقيق الاستقرار في الأسواق، وكذلك إنعاش اليورو.
ومما لا شك فيه أن قرار أميركا سيقوي اليورو في مواجهة الدولار، وهو أمر إن لم يتم التعامل معه بشكل صحيح، فسيؤدي إلى المزيد من التأثير سلباً على الاقتصاد الأوروبي.
وهذا ما حدا بستيفن سيبرت، الناطق الرسمي باسم المستشارة الألمانية للقول باحتداد : «يمكن للمرء، بالطبع، الذهاب أيضاً إلى القول إن العملة الأميركية ليست في قيمتها الحقيقية بصورة كاملة حالياً، لأن هناك كميات كبيرة من السيولة يجري ضخها في الأسواق، وهو ما يميل إلى خفض قيمة الدولار».
وبخلاف الحرب بين الدولار واليورو، فإن المعركة بين أميركا واليابان تتخذ شكلاً آخر، فمنذ سبتمبر 2008 إلى سبتمبر الماضي ارتفعت قيمة الين بنسبة 29% مقارنة بالدولار، وهو ما انعكس سلباً على قطاعات الصادرات اليابانية، وفي الآونة الأخيرة، انتقدت اليابان سياسة كوريا الجنوبية القائمة على التدخل لتحديد قيمة عملتها، لإقحامها نفسها في حرب العملات واتهمتها بإبقاء عملتها، «وان»، منخفضة لتكسب المنافسة في تصدير بضاعتها بأسعار أقل وتحقيق هوامش أرباح في مجال التصدير الذي تتنافس فيه الدولتان.
من أجل قلب هذا الاتجاه، أنفقت اليابان، في سبتمبر الماضي، 25 مليار دولار أميركي لتتدخل في أسواق القطع الأجنبي، وكانت آخر مرة تدخل فيها البنك المركزي الياباني بهذا الشكل الكبير قبل ست سنوات، حيث أن أهم أمر بالنسبة لليابانيين هو منع الين من الارتفاع مرة أخرى، والطريقة المثلى للقيام بذلك تكمن في خوضها سباق طباعة العملة، الذي بدأته الولايات المتحدة.
أما الجبهة الثانية للحرب فهي بين الدولار وعملات الأسواق الناشئة، فبعد حدوث الأزمة المالية العالمية، قرر زعماء العالم بالإجماع تبني سياسة مواءمة مالية، وهذا حوّل السيولة المالية العالمية من حالة الندرة إلى حالة التوفر المناسب، إلا أن استمرار معدلات البطالة في الارتفاع، وحالة الشك التي سادت الأفق الاقتصادي عامة أديا إلى تسرب الأموال والاستثمارات من الدول المتقدمة إلى الاقتصادات الناشئة، التي شهدت، نتيجة لذلك، تدفقاً هائلاً لرؤوس الأموال وارتفاعاً ثابتاً في قيمة عملاتها.
ارتفع الريال البرازيلي، على سبيل المثال، ارتفع مقارنة بالدولار بنسبة 30% العام الماضي، وأكثر من 5% في العام الحالي، كما ارتفعت عملات الأسواق الناشئة من الروبية الهندية إلى عملات بلدان جنوبي آسيا بنسب تراوحت بين 5% و10%.
سعت الكثير من الدول الناشئة للتدخل وبشكل مكثف في أسواق القطع الأجنبي لوقف ارتفاع قيمة عملاتها، كما سعت بعض تلك الدول لرفع الضرائب على رأس المال الأجنبي، وهناك دول أخرى استثمرت في ديونها المحلية، وتخطط للتدخل عندما ترى ذلك مناسباً، والجميع يتطلع لقمة العشرين المرتقبة على أمل أن يتم خلالها تأسيس نظام عالمي مالي جديد يسيطر على التدفق غير المحسوب لرؤوس الأموال.
بقلم: شي جياكي
