تبدي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عزماً على التشدد أكثر مع بكين، نظراً للعلاقات المتوترة بين الطرفين، فيما يتعلق بسعر الصرف والتجارة والقضايا الأمنية، وتبحث عن حلفاء لها لكي يساندوها في مواجهة هذه القوة الجديدة المتصاعدة، التي لا يبدو أنها تعتزم التعاون مع الولايات المتحدة.

ففي تحول مغاير للسائد في علاقة أميركا بالصين، التي كانت تتسم بالتعامل المباشر والندية واللطف، تسعى الإدارة الأميركية إلى حشد الحلفاء سواء من الدول المجاورة للصين، أو شركاء الصين التجاريين ما وراء البحار، سعياً منها لمواجهة الزعماء الصينيين بجبهة موحدة في التعامل مع القضايا الشائكة مثل العملة والادعاءات الصينية بحقها ملكية مناطق في بحر الصين الجنوبي.

وتم استعراض سلبيات وحسنات هذا المنهج الجديد، أخيراً، في الاجتماع الذي ضم مسؤولين من كبرى دول العالم في العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول، وتمكنت الولايات المتحدة من انتزاع تعهد بتقليص الاختلالات التجارية، وهذا سيضع مزيداً من الضغوط على الصين، وسيؤدي إلى رفع قيمة عملتها.

غير أن ألمانيا وإيطاليا وروسيا رفضت اقتراحاً أميركياً بوضع سقف رقمي لتلك الاختلالات التجارية، وهي خطوة لو تحققت فستضع بكين أمام مزيد من الضغوط، وهذا دفع بوزير الخزانة الأميركي «تيموثي إف غيرنر» للقيام بزيارة مفاجئة للصين لمناقشة التوترات القائمة بين البلدين حول مسائل سعر الصرف الأجنبي مع مسؤول صيني كبير.

وتاريخياً، فإن كثيرا من مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة كانوا يعدون بالتعامل بصرامة مع الصين، وعندما كانوا يصلون إلى البيت الأبيض تتغير نبرتهم، ويظهرون جانباً أكثر ليناً مما توعدوا به، لكن الموقف يسير بشكل مختلف هذه المرة، فالعديد من مسؤولي الإدارة الأميركية يتحدثون عن زعزعة الثقة بشكل كبير بين واشنطن وبكين خلال السنتين الماضيتين، وهذا قلص الآمال في أميركا في التعاون مع الصين في المسائل الكبرى، مثل التغيرات المناخية، حظر الانتشار النووي، والتأسيس لنظام اقتصادي عالمي جديد.

آخر مصدر للتوترات القائمة بين البلدين نتجت عن تقارير تفيد بأن بكين تقوم بمنع شحنات من معادن الأرض النادرة من الوصول إلى الموانئ الأميركية، وهذه المعادن تستخدمها واشنطن لصناعة أجهزة تقنية متطورة كالصواريخ الموجهة، وهذا أثار قلق مسؤولي الإدارة الأميركية، الذين قالوا بأنهم غير متأكدين من الدافع من وراء ذلك، وهل هو إستراتيجي أم اقتصادي.

وقال ديفيد شامباو، مدير برنامج السياسة الصينية في جامعة «جورج واشنطن» الأميركية: «لقد هيمنت على الإدارة الأميركية الحالية فكرة واحدة، ألا وهي تحويل الصين لتكون شريكاً عالمياً في مواجهة التحديات الكبرى، وقد فشلت الصين في التقدم للأمام ولعب هذا الدور، ويدرك المسؤولون الصينيون الآن أنهم يقفون في مواجهة دولة قوية، وعدوانية، وضيقة الأفق، لا تفكر إلا في مصالحها».

ولمواجهة ما يرى المسؤولون في الإدارة الأميركية بأنه نوع من التفوق الصيني، تسعى واشنطن لتنشيط حلفاء الحرب الباردة كاليابان وكوريا الجنوبية، وتكثف حضورها في باقي الدول الآسيوية، لهذا فقد زارت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون فيتنام للمرة الثانية خلال أربعة أشهر لتحثها على حضور اجتماع قمة شرق آسيا، ومن شأن هذه الزيارة أن تثير كثير من علامات الاستفهام في الصين.

كما يخطط الرئيس الأميركي باراك أوباما، قريباً، للقيام بجولة تشمل أربعة دول آسيوية ديمقراطية كبرى، هي اليابان وأندونيسيا والهند وكوريا الجنوبية، متجاوزاً الصين، ولا يقصد من وراء تلك الرحلة ازدراء بكين، فقد زارها أوباما من قبل، لكن تظل تلك الرحلة ذات دلالات رمزية لا تخفى على مسؤولي الإدارة الأميركية.

معاونو أوباما يقولون إنه جاء إلى البيت الأبيض دون أية أوهام سابقة عن الصين، ومعظم صانعي السياسة حيال الصين هم من المخضرمين الذين عملوا في عهد إدارة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وهم يعلمون جيداً أن العلاقات، وخاصة في المسائل الاقتصادية، تتخذ جانب الحدة بين الطرفين، أكثر مما هو واقع في الحقيقة.

بقلم: مارك لاندلر - ترجمة: يوسف جباعته