تؤكد أعداد هائلة من الكتابات الدبلوماسية أن عماد الدبلوماسية الأميركية تجاه الشرق الأوسط هو التوافق التام مع إسرائيل، بهدف أساسي هو تشجيع دول المنطقة على الانضمام إلى التحالف الأميركي الإسرائيلي.

ولا يتم الحديث، عمليا، حتى الآن على الأقل، عن المستوطنات الاستعمارية الإسرائيلية غير الشرعية في الضفة الغربية، ولا عن مواقع عسكرية إسرائيلية متقدمة، ولا عن المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين، الذين تنتشر منازلهم الآن في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة كانتشار الجدري في الجسم، ولا عن العمليات غير الشرعية واسعة النطاق من سرقة الأراضي الفلسطينية، وهو أمر يقع في صميم الحرب الفلسطينية الإسرائيلية.

ومما لا يصدقه العقل أن الدبلوماسيين الأميركيين على اختلاف مستوياتهم الرفيعة يتذللون ويركعون أمام مطالب إسرائيل، والكثير منهم كما يبدو مؤيدون متحمسون لإسرائيل. ويبدو الأمر كما لو أن رؤساء جهاز المخابرات الإسرائيلي «موساد» وعملاء الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يملون قائمة رغباتهم على المحسنين إليهم.

ومن العجائب التي تكشف عنها الوثائق، حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في إبريل من العام الماضي، إلى وفد من الكونغرس الأميركي مطالبا بأن تكون «الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، ومن دون سيطرة على مجالها الجوي ولا نطاقها المغناطيسي الإلكتروني وألا تكون لديها القدرة على الدخول في أي معاهدات وألا تكون لها سيطرة على حدودها».

وأمام كل هذه الشروط التي تنسف معنى الدولة، التي يرغب بها الجميع، يبدو أن رجال ونساء الوفد الأميركي لم يبدوا أي تعليق، ولم يعارضوا الطرح الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بأي شكل من الأشكال.

وتمتلئ الوثائق، الخاصة بسفارات الولايات المتحدة حول العالم، بالكثير من التصريحات، التي يجب أن اعترف أنها جعلتني أذرف دموع السخرية والتعجب. وقد كان الصحافي الفلسطيني مروان بشارة محقا عندما قال، أخيرا، إن الوثائق الدبلوماسية الأميركية المسربة يمكن أن تفيد علماء الأنثروبولوجيا بدرجة أكبر كثيرا مما تفيد علماء السياسة، لأن هذه الوثائق تمثل سجلا واضحا لطريقة تفكير منحرف من الجانب الأميركي إزاء منطقة الشرق الأوسط.

كما أن ما رشح عن الوثائق أفكار وتصريحات رددها بعض المسؤولين الغربيين، حلفاء أميركا، يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تسيطر عليها عقلية الحرب العالمية الثانية.

وحتى لا نكون ساخرين بشدة، فيجب أن أقول أنه أعجبني ذلك التقرير الدبلوماسي الأميركي، الذي صدر من القاهرة، وليس من تل أبيب بالطبع، وتحدث عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يمتلك قدرا من الجاذبية، لكنه لا يفي بوعوده... ولكن ألا ينطبق هذا الوصف على كثير من الزعماء الآخرين، أيضا.

وإلى هنا، نأتي إلى مناقشة التقرير المخيف الخاص عن لقاء بين أندرو شابيرو مساعد وزير الخارجية الأميركي للمكتب العسكري الأميركي مع «أشباح» إسرائيليين، قبل نحو عام تقريبا من الآن.

ويعترف جهاز المخابرات الإسرائيلي «موساد»، حسبما يشير التقرير، بان إسرائيل فشلت في حماية طائراتها من طراز «سيسنا» وطائرات «ريفين» التي توجه من دون طيار فوق الجنوب اللبناني.

ويذكر التقرير حديث الجنرال الإسرائيلي شيمون آراد عن الأخطار التي تحدق بإسرائيل من جانب لبنان ونفوذ دول مجاورة فيها، لكنه يفشل في التطرق إلى النفوذ الأميركي والإسرائيلي والفرنسي والبريطاني.

ويشير شابيرو من جانبه إلى ضرورة إيجاد بديل لحزب الله، وهل يمكن أن يكون ذلك هو شرطة كوستاريكا ؟

كما أن هناك تجاهلا غريبا لتقرير غولدستون الذي أصدرته الأمم المتحدة حول الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل خلال عدوانها على قطاع غزة في أواخر عام 2008 وبداية 2009، بقيادة جنرال الاحتياط عاموس جلعاد، الذي يقول إن الاتهامات «لا أساس لها» لأن الجيش الإسرائيلي أجرى 300 ألف مكالمة لتحذير سكان غزة قبل بدء العدوان.. لمنع سقوط ضحايا من المدنيين.

لكن يبدو أن ذلك الجنرال كان يتحدث إلى طرشان. ففي النهاية قتلت إسرائيل 1300 مدني فلسطيني، ولكنها لم تنتصر. بل إنها حتى فشلت في العثور على جنديها المفقود، جلعاد شاليط، في نفق غزة.

بقلم: روبرت فيسك