مهنة الدبلوماسية غالبا ما تكون فوضوية، وعندما تخرج الاتصالات الخاصة إلى العلن فربما تصبح محرجة جدا، أيضا.
ولكن ما كان صادما بحق ومطمئنا في الوقت نفسه، بشأن أحدث تسريبات «ويكيليكس» من الوثائق السرية، هو عدم وجود أي نوع حقيقي من الخداع الدبلوماسي. وبعد سنوات من عمليات الكشف المتواصلة عن انتهاكات إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بما في ذلك انتهاكات التعذيب والخطف، فإن الكثير من تعاملات إدارة الرئيس الحالي باراك أوباما الدبلوماسية تبدو مناسبة، وتتسم بمهارة واضحة.
وأوضح مثال على ذلك هو كيفية تعاملها مع الملف الإيراني. وكما تظهر الوثائق المسربة فقد تعرضت الإدارة الأميركية لضغوط بشأن البرنامج النووي الإيراني. وقد قاومت واشنطن تلك الضغوط بحكمة، بينما واصلت الدفع باتجاه فرض مزيد من العقوبات الصارمة ضد طهران.
وقد تناولت وسائل الإعلام المختلفة الكثير من هذه المواقف. وما تضيفه الوثائق المسربة هو مجرد نكهات إضافية. من ذلك تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك من أن العالم لديه ما بين 6 إلى 18 شهرا فقط قبل أن تتمكن إيران من تطوير واقتناء سلاح نووي.
ولا يتوقف الإسرائيليون عن دق أجراس الإنذار في كل وقت. بينما لا يدري أحد مدى دقة التوقيتات التي يتحدثون عنها.
وتلقي الوثائق مزيدا من الضوء على الطريقة التي بلورت على أساسها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما موقفها وحججها للمطالبة بمزيد من العقوبات ضد إيران. وحتى تكسب تأييد الصين، جعلت دولا في الشرق الأوسط تقدم وعودا لبكين.
ولضمان تأييد روسيا، غيرت خطة دفاع صاروخي من عهد إدارة الرئيس بوش، ووضعت مكانها خطة لا تقل عنها كفاءة من الناحية الدفاعية ولكنها تشعر موسكو بتهديد أقل.
ربما لا تشعر الإدارة الأميركية بالراحة إزاء تسريبات «ويكيليكس» عن تعاملاتها بين الأخذ والرد لمحاولة دفع الحكومات إلى الموافقة على استقبال سجناء من معتقل خليج غوانتانامو، في كوبا. وتم الحصول على موافقة سلوفينيا على استقبال سجين واحد مقابل لقاء مع الرئيس أوباما. وكان حريا بالبيت الأبيض أن يكون نشيطا وخلاقا بدرجة أكبر لكسب موافقة الكونغرس على إغلاق المعتقل.
لقد تلقى الأميركيون تأكيدات عدة بأن الإدارة الأميركية كانت تحاول إقناع باكستان بإزالة الوقود النووي من مفاعل نووي حتى لا يتسنى استخدامه من قبل من يوصفون بالإرهابيين.
وتلقينا تأكيدات أخرى بأن الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تناقشان بحكمة كيفية التعامل مع الانهيار المحتمل للنظام الحاكم في كوريا الشمالية. ولكن بشكل يثير القلق، فليس هناك أي إشارات إلى أن واشنطن أو سيؤول كانت لديها أي معلومات عن وجود مصنع كوري شمالي لتخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي تم الكشف عنه حديثا.
ولا شك في أن إدارة الرئيس أوباما يجب أن تشعر بالحرج بسبب قرارها مواصلة انتهاج سياسة أقرتها إدارة بوش السابقة توجه الدبلوماسيين الأميركيين بجمع معلومات شخصية، من بينها أرقام البطاقات الائتمانية وأرقام التليفونات التي يستخدمها بكثرة الأشخاص المستهدفون من المسؤولين الأجانب. فهذه السياسة تلغي الحدود الفاصلة بين الدبلوماسيين والجواسيس، وهو أمر يجب أن يترك للجواسيس.
وهناك أسباب مشروعة للإبقاء على الكثير من المحادثات الدبلوماسية طي الكتمان. وستسبب التسريبات الأخيرة من موقع «ويكيليكس» لحظات حرجة للدبلوماسية الأميركية، ليس أقلها أنها تحتوي على تقييمات صريحة بحق قادة العالم. ويبدو أن الزعم، الذي تبنته وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بأن التسريبات تهدد الأمن القومي الأميركي، مبالغ فيه. وتبقى الوثائق ذات قيمة كبيرة لأنها تنير طريق السياسة الأميركية بطريقة يستحق الشعب الأميركي والآخرون أن يشاهدوها.
الدبلوماسية تدخل عصرا يفرض عليها الكثير من التغييرات
لطالما كانت السرية، أو التكتم كما قد يفضل البعض تسميتها، جوهر العمل الدبلوماسي. ومع خروج نحو ربع مليون وثيقة من وثائق الخارجية الأميركية من حيز السرية إلى دائرة الضوء، عن طريق شخص من داخل الوزارة، فإن ما تقوم به الانترنت وموقع «ويكيليكس» بنشر هذه الوثائق هو النقيض التام لأصول العمل الدبلوماسي.
فهذه هي الطريقة التي اعتادت الدبلوماسية العمل بها. ولكن في عصر الانترنت و«ويكيليكس»، هل سيكون عليها أن تغير طريقتها؟ وتجب الإشارة هنا إلى عدد من النقاط.
فعدد كبير من تلك الوثائق لم يكن يتصف بأقصى درجات السرية. وأسرار واشنطن الأكثر قيمة وأهمية لا تزال محفوظة. والنظام لم يتداع بالكامل. وهذه الوثائق تمثل معلومات استخبارية من الدرجة الثالثة والرابعة تم تمريرها إلى نحو ثلاثة ملايين شخص.
ومن الواضح أن مصالح الكثير من الحكومات ومنها الأميركية، قد تضررت بسبب نشر ذلك الكم من الوثائق على العامة. لكن واشنطن تتحمل حرجا اكبر بسبب اختراق قواعد بياناتها الأمنية.
هذه التطورات تشير إلى أن الحكومات ستلجأ إلى مزيد من السرية في المستقبل. كما أنها تنبه أيضا إلى المخاطر التي تنطوي عليها المواقف التعسفية المطلقة. فأصول تأسيس «ويكيليكس» تكمن في انعدام ثقة عميق بالحكومات واعتقاد بأهمية الشفافية في كل مكان وفيما يخص أي شيء.
ولكن بالمقابل، يجب مراعاة الميل الطبيعي لمن هم في مواقع السلطة نحو احتكار المعلومات وتحويرها لمصلحتهم عندما يعلنون عنها للعامة. ونحن لا نشعر بالذنب لنشر جانب من وثائق «ويكيليكس» من منطلق فائدة الرأي العام.
