سيطر الخلاف بين الولايات المتحدة والصين على اجتماع صندوق النقد الدولي الذي انقعد يومي التاسع والعاشر من أكتوبر الماضي. ضغطت الولايات المتحدة على الصين لإعادة تقييم عملتها المسماة «رنمنبي» أو «يوان» ورفع قيمتها، بينما ألقت الصين بمسؤولية الاضطراب في سوق العملة على سياسة واشنطن التي تقوم على تقديم قروض ائتمانية رخيصة. وعندما تحدث وزير مالية البرازيل عن «حرب عملات» وشيكة لم يكن في ذلك مبالغة.
كانت الولايات المتحدة والصين تتحدثان في الوقت نفسه، وكان من الأفضل أن تستمع إحداهما للأخرى، لأن كلا الطرفين كانت لديه وجهات نظر جيدة. فكل من الصين وأميركا ومعهما الاقتصاد العالمي برمته، سيحقق نجاحاً أكبر، لو تقبل كل طرف توصيات الطرف الآخر.
حذو أميركا
رددت بقية العالم أصداء وجهة النظر الأميركية القائلة إن الصين تبخس قيمة عملتها، لمساعدة اقتصادها القائم على التصدير. وفي مواجهة المعارضة التي تثيرها في وجهها الدول الفقيرة النامية، فمن المرجح أن تذعن الصين، وترفع قيمة عملتها، وما يبقى محل شك وتساؤل بشأن هذه الخطوة هو: بأي سرعة وإلى أي مدى ستزيد الصين قيمة عملتها.
لكن وجهة نظر الصين صحيحة أيضاً. وهي ترى أن على الولايات المتحدة أن تنفذ سياسة تحفيز مالي، ومن ذلك المزيد من الإنفاق الحكومي، بدلاً من اتباع سياسة الحوافز النقدية. ولكن للأسف، فإن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما ليست في وضع يمكنها من تنفيذ ذلك، لأنها تتعرض لضغط سياسي داخلي، لخفض العجز في الميزانية.
لقد نجحت المعارضة الجمهورية بشدة خلال الفترة الماضية في تحويل كلمتي «تحفيز» و«إنقاذ»- وهما أساس السياسة التي اتبعها أوباما للخروج من أثار الأزمة المالية الطاحنة - إلى كلمتين قذرتين، لا يمكن استخدامهما. وتلقي وجهة نظر المعارضة مسؤولية الانهيار المالي للعام 2008، وما تلاه من ركود، وبطالة متفاقمة باللوم على الفشل الحكومي، وتزعم أن «صفقة الإنعاش» التي اقترحتها إدارة أوباما في العام 2009، تم تضييعها من دون فائدة. وهناك جانب من الحقيقة في هذا التحليل، لكنها تظل وجهة نظر أحادية. لقد كان الانهيار المالي للعام 2008، فشلاً من جانب الأسواق المالية، وخطأ المنظمين الذين فشلوا في وضع القواعد.
ومن دون خطة إنقاذ، كان القطاع المصرفي سيظل مشلولاً، وكان الركود سيصبح أكثر امتداداً من الناحية الزمنية وعمقاً. الصحيح أن مخصصات خطة الإنقاذ تم تبديدها بشكل كبير من منطلق أنها وجهت نحو المحافظة على مستوى الاستهلاك، ولكن ذلك كان بسبب ضيق الوقت. ما كان ينبغي على الحكومة فعله لمنع انهيار الاقتصاد، في المدى القريب، كان هو العكس تماماً مما يتوجب فعله في المدى البعيد. كان ذلك هو تصحيح الاختلالات الكامنة، وخاصة بين الاستهلاك والاستثمار. وقصر التحفيز المبدئي على الاستثمار الحكومي كان سيفشل بدوره، لأنه كان سيصبح بطيئاً جداً.
أخطاء أوباما
إن ما أخطأت فيه إدارة الرئيس أوباما، من وجهة نظري، هو الطريقة التي أنقذت بها النظام المصرفي. لقد ساعدت البنوك على الخروج من الهوة عن طريق إمدادها بمال رخيص، وإعفائها من بعض ديونها المعدومة. وكان ذلك قراراً سياسياً صرفاً. وبتحليل اقتصادي بحت، فقد كان من الأفضل ضخ أسهم جديدة في الميزانيات العمومية للبنوك. ولكن هذا كان سيعطي الحكومة سيطرة فعالة على قطاع كبير من النظام المصرفي. واعتبرت إدارة أوباما ذلك غير مقبول سياسياً، لأنه كان سيعتبر من قبل النقاد عملية تأميم واشتراكية.
لكن قرار إنقاذ البنوك من دون فرض سيطرة حكومية على موازناتها العمومية، ارتد على الحكومة بنتائج عكسية، وسبب ردة فعل سياسية خطيرة. فقد رأى الجمهور البنوك تحقق أرباحاً وفيرة، وتدفع مكافآت كبيرة بينما انسحق المواطنون العاديون، نتيجة أسعار الفائدة المرتفعة على الديون المستحقة على بطاقاتهم الائتمانية، التي ارتفعت في بعض الأحيان من 8% إلى ما يقارب 30%. وكان هذا مصدراً رئيسياً لموجة الاستياء التي استغلها «حزب الشاي» بنجاح. إضافة إلى ذلك، استحدثت الحكومة ما سمي «مضاعف الثقة». وتقوم فكرة ذلك على أنه بإشاعة الثقة - من خلال إجراءات تحفيزية مثلاً - يمكن تشجيع المستهلكين على الإنفاق، وتحفيز الشركات على الاستثمار وتوظيف العمال. وعندما لم يتطابق الواقع مع وعود الحكومة، ولم تتراجع معدلات البطالة، انقلبت الثقة إحباطاً.
إدارة أوباما الآن في وضع الدفاع عن النفس. ويشن الجمهوريون حملة ضد أي تحفيز إضافي، ويبدو أن يدهم باتت هي العليا، من خلال إدانتهم للتضخم الحكومي في عهد أوباما. وتشعر الحكومة بأن عليها أن تدفع ضريبة استقامتها المالية، حتى مع إدراكها أنه لم يحن الوقت لتقييد الإنفاق الحكومي.
ولا يزال يتعين إصلاح الاختلالات التي كانت في صلب أسباب الانهيار المالي في العام 2008، كما أن القطاع الخاص لا يزال غير قادر على الاعتماد على نفسه. ولا تزال الولايات المتحدة تنفق أكثر مما تنتج، ولديها عجز تجاري مزمن. ويعد الاستهلاك مرتفعاً، حيث يقدر بنحو 70% من الناتج الإجمالي المحلي، مقارنة بالاستهلاك المحلي في الصين والذي يقدر بنحو 7,35% فقط. الأسر الأميركية مدينة بشدة، وتحتاج إلى زيادة معدلات مدخراتها. ويحتاج الاقتصاد الأميركي بشدة إلى استثمارات تزيد من الطاقة الإنتاجية، لكن القطاع الخاص غير قادر على الوفاء بذلك.
والشركات الأميركية العملاقة تواصل حصد الأرباح، ولكنها بدلاً من أن تستثمر أرباحها تقوم بتكديس سيولتها المالية، مراكمة الأموال، بدلاً من استثمارها. وفي مثل هذه الظروف، يتولد سبب قوي للتدخل الحكومي. وما لا يمكن إنكاره، هو أن الاستهلاك لا يمكن الحفاظ على مستواه إلى ما لا نهاية، من خلال زيادة الدين القومي. أما خفض الإنفاق الحكومي في وقت تنتشر البطالة على نطاق واسع، سيعني تجاهل الدروس، التي تم استخلاصها من سنوات الكساد الكبير، في ثلاثينات القرن الماضي.
حل المشكلة
والحل الواضح هو الفصل بشكل واضح في الميزانية بين الاستثمارات والاستهلاك الحالي ورفد الاستثمارات، وليس الاستهلاك، بخطط تحفيز مالي إضافية. مثل هذا البرنامج التحفيزي، مقروناً بزيادة تدريجية لقيمة العملة الصينية، سيؤدي عبر طريق طويل إلى تصحيح الاختلالات السائدة. فالمستهلكون سينفقون أقل على البضائع المستوردة، لأنها ستكلفهم أكثر، كما ستجد الشركات الكبرى أن من الأفيد لها أن تستثمر في الداخل، وهو ما سيوجد وظائف جديدة أكثر. وسيتراجع العجز التجاري. وستتجه الأسعار نحو مستوى التضخم المرغوب وهو 2%، وهو ما سيزيل التهديد بحدوث دوامة من الانكماش الاقتصادي. ويمكن أن يبدأ الاقتصاد في النمو من جديد ويخرج من الاختلالات الحالية.
ومن المفترض أن يكون من مصلحة الصين أن تساهم في هذا الحل، من خلال السماح لليوان بأن يرتفع إلى قيمته الحقيقية، خاصة وأن ذلك سيساهم أيضاً في تصحيح الاختلالات الداخلية في الصين، التي تحاكي تلك الموجودة في أميركا. والولايات المتحدة مهددة بالانكماش، بينما تعاني الصين من الضغوط التضخمية. وتستهلك الولايات المتحدة بكثرة، بعكس الصين. وتحتاج أميركا لخفض العجز في الميزان التجاري، بينما تحتاج الصين لخفض الفائض التجاري.
تلك السياسات مرغوبة بدرجة أكبر من «التخفيف الكمي» الذي له آثار جانبية سلبية سواء في الداخل أو في والخارج. وكما لاحظ العالم الاقتصادي الأميركي ماينارد كينز عندما قال: «لا يمكن للمرء أن يدفع خيطاً»، فالتخفيف الكمي من المرجح أن يوجد «فقاعات ثراء» واضطراباً في أسواق العملات، أكثر مما سيوجد فرص عمل.
وللأسف، فإن إدارة أوباما مدفوعة إلى السياسات غير الصحيحة بسبب الضغوط السياسية. وتقتنع أغلبية كبيرة من الشعب الأميركي بأن الحكومة غير قادرة على إدارة الاستثمارات بكفاءة. ومرة أخرى أقول إن هذا الاعتقاد لا يأتي من فراغ، وله تفسير، وهو أن الاستمرار لمدة ربع قرن في وصف الحكومة بأنها سيئة أدى إلى وجود حكومة سيئة بالفعل. لكن الزعم بأن الإنفاق الحكومي مهدر، لا محالة، زعم زائف. فقد أسفرت سياسات النهج الجديد» التي تلت الكساد الكبير عن ظهور «هيئة وادي تينيسي» و«جسر تريبورو» ومؤسسات أخرى لا تزال تعمل.
إن النجاح الذي حققه الجمهوريون في الانتخابات الأخيرة أكد أن خفض الضرائب الذي طبقه جورج بوش سيتم تمديده لعام آخر أو عامين. وسيعني ذلك استحالة حدوث أي خطة تحفيز جديدة بسبب العجز في الميزانية. لكن ال2 الأكثر ثراء من الشعب الأميركي لن يستخدموا الدخل الإضافي الذي سيحصلون عليه من خفض الضرائب لإيجاد وظائف جديدة، ولكن لزيادة السيولة المتاحة لديهم. ويعني ذلك أنه ستتم التضحية بالمصلحة العامة من أجل المصلحة الخاصة لتلك الأقلية الثرية. وهذا حقاً أمر مأساوي.
بقلم: جورج سوروس - ترجمة: عصام بيومي



