لم يبد سائق صهريج الماء «جانغ غيه يون» من جزيرة «يونبيانغ» الكورية الجنوبية أي خوف، في البداية، عندما تعرضت الجزيرة لاعتداء صاروخي من كوريا الشمالية، ظناً منه أن ذلك حدث بالخطأ نتيجة التمرينات المشتركة التي تجريها الولايات المتحدة مع كوريا الجنوبية، لكن عندما اتصل به أقاربه ليخبروه بالحقيقة، هرع إلى القرية، حيث كانت النيران تلتهم أكثر من ثلاثين بيتاً، والدخان يغطي المكان.


هكذا كانت الصورة التي يرى العديد من الخبراء أنها تصلح لأن تكون سيناريو لفيلم حول الحرب العالمية الثالثة، فلا مكان أكثر ملاءمة من جزيرة «يونبيانغ» لذلك، حيث تم تدمير صف كامل من البيوت والمحلات، وهنا وهناك يمكن رؤية دراجات الأطفال المحطمة، التي تكشف عن قوة الضربة، حيث دامت رائحة الحريق لثلاثة أيام بعد الحادثة، وتم إفراغ القرية من سكانها، حيث لم تعد فيها سوى مجموعة من الصحافيين، ويروي الشرطي الذي جمع أشلاء القتيلين المدنيين أن أحدهما تفحم وتحول إلى هيكل عظمي، بينما الآخر تناثر أشلاء.

وبحسب مصادر الإعلام المحلية في سيؤول، فإن الكوريين الشماليين استخدموا في هجومهم متفجرات تحوي نسبة عالية من غاز البريوم، وهي متفجرات نادرة الاستخدام، ويحظرها القانون الدولي، فما بالك باستخدامها ضد مدنيين، في هجوم هو الأول من نوعه منذ انتهاء الحرب بين الكوريتين في عام 1953، وهو أمر يفتح الآفاق لاحتمالات كثيرة وخطيرة.

وفي الأيام الخمسة التي أعقبت الاعتداء، كان توجه سيؤول قريباً من طريقة تفكير سائق الصهريج، حيث آثرت التأني في الرد، صحيح أنها ردت على إطلاق النار بعد 13 دقيقة فقط، لكن الرئيس الكوري الجنوبي «لي ميونغ باك» قال إن على سيؤول أن تحتوي الموقف منعاً للتصعيد، ولم تندلع أية مظاهرات أو احتجاجات في الشوارع.

لكن بعد ذلك ازداد التوتر والخوف في كوريا الجنوبية، حيث قررت سيؤول على ما يبدو أن تغضب وتخاف، واستقال وزير الدفاع، أو تمت إقالته، وانطلقت مظاهرات في الشوارع تطالب الحكومة برد فعل أقوى.

أما «أن جاي ليه» عمدة منطقة «باجو»، التي لا تبعد سوى أميال قليلة من الحدود الكورية الشمالية، فقال إن المظاهرات في بلدته ليست مظاهرات بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي صرخة من أجل البقاء، وأضاف إنه إذا لم تظهر الحكومة العزم الكافي، فهي إذن ليست قادرة على حماية شعبها.

وفي سيؤول العاصمة، اصطدم بعض مئات من الجنود السابقين بقوات الشرطة، وفي التغطية التلفزيونية لجنازة البحارين، اللذين لقيا حتفهما أيضاً نتيجة الاعتداء، توعد قائد البحرية «يو ناك جن» برد الصاع أضعافاً مضاعفة للكوريين الشماليين، وتم رفع درجة الأهبة إلى درجة «وتشكون 2»، وهي الدرجة التي تأتي قبل الدرجة القصوى.

وتزايد الخطر مع توجه حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» إلى البحر الأصفر، كرد فعل من الرئيس الأميركي باراك أوباما على حادثة الاعتداء. وتبلغ مساحة سطح الناقلة الضخمة 5,4 فدادين، كما أن عدد أفراد طاقمها يعادل خُمس أفراد البحرية الملكية البريطانية، وهي تحمل على متنها عدداً من الطائرات يوازي نصف ما يملكه سلاح الجو البريطاني برمته.

وأجريت المناورات في منطقة بحرية لا تبعد سوى خمسين ميلاً جنوبي جزيرة «يونبيانغ»، لكن هذا لم يمنع الكوريين الشماليين من التهديد بتحويل المشهد إلى حرب حقيقية، وهذا ما صرحت به وكالة الأنباء الرسمية في «بينوغيانغ»، حيث قالت: «الوضع يقترب أكثر من حافة الحرب بسبب الخطط الهوجاء التي تتبنها أميركا وكوريا الجنوبية، والتدريبات المشتركة التي تجريها مستهدفة بيونغ يانغ، وهذا استفزاز لا يغتفر، ونحن نعد بصليهم بالمزيد من النيران».

سيؤول نفسها لا تبعد أكثر من «يونبيانغ» عن كوريا الشمالية سوى ببضعة أميال، وهذا يعني أن سكانها، وعددهم 19 مليوناً يقعون ضمن مرمى نار المدفعية نفسها التي قصفت الجزيرة، لهذا فليس مستغرباً العلم إن الطرق الواقعة شمالي المدينة زاخرة بالجسور المشحونة بالمتفجرات والعوائق الإسمنتية لمنع تقدم الدبابات الكورية الشمالية.

صحيح أن ما جرى في الأزمة الأخيرة قد ينتهي إلى ما انتهت إليه أزمات سابقة، وأن كوريا الجنوبية لن تفعل شيئاً يزيد الأمور تصعيداً، وأن تهديدات كوريا الشمالية ما هي إلا وسيلة من زعيمها «كيم جونغ إيل» لتعزيز مكانة وريث عرشه «كيم جونغ أن»، أو لاستجداء الطعام لشعبه الجائع، أو للحصول على مزيد من التنازلات مقابل ملفه النووي، وهذا ما تنادي به الحكمة المتعارف عليها في شبه الجزيرة الكورية، لكن من يدري فربما تكون هذه الحكمة، هذه المرة، خاطئة.

أندرو غيليغان