أكثر ما أثار القلق الضمني في واشنطن، بعد التصعيد الأمني الأخير لكوريا الشمالية؛ أن بكين باتت الممر الإجباري، لضبط بيونغ يانغ. عملياً، تكاد تبدو الخيار الوحيد المتاح. والصين لها شروطها ولا تتهاون فيها. كلفة وساطتها عالية، على المديين القريب والبعيد.
اللجوء إليها، يكشف مدى القيود المانعة المختلفة؛ التي تكبّل الولايات المتحدة وتحول دون أي تعامل مباشر وفعّال مع التحديات الكورية. ومن جهة ثانية، من شأنه أن يفاقم الخلل المتزايد في المعادلتين؛ الإقليمية والإستراتيجية، لصالح دور الصين الصاعد. أمور وحسابات عكسها الارتباك في ردود الأوساط الأميركية المعنية، على عملية قصف الشمال لإحدى جزر كوريا الجنوبية وتفسيراتها المختلفة للخطوة وغاياتها وحدودها.
التوقيت فاجأ واشنطن، بقدر ما جعلها تتلمس محدودية خياراتها؛ تجاه كوريا. ولو أن التفجير الشمالي صار لغة مألوفة. اللائحة طويلة، كان في نهايتها إغراق البارجة الحربية الجنوبية، التي قضى معها 46 من جنود البحرية الذين كانوا على متنها. وكان سبقها تفجير نووي تحت الأرض. لكن عملية القصف لإحدى جزر الجنوب، جاءت قبل أيام في لحظة تعثر وتراجعات واجهتها إدارة أوباما في سياستها الخارجية. أضافت إلى قائمة تحدياتها بنداً آخر. ولعلّه من أشدها استعصاء.
سبق وفشلت كافة المعالجات مع مثل هذا التصعيد. لا العقوبات الدولية ردعت كوريا الشمالية. ولا المناورات العسكرية نفعت. ولا طريق المباحثات، أدت إلى شيء، غير عودتها بين الفينة والأخرى إلى نغمة التسخين والتهديد. الخيار العسكري الأميركي، ليس وارداً سوى في إطار إشعال حرب شاملة وواسعة؛ لا تقوى واشنطن، في الظروف الراهنة؛ حتى على التهويل بها. الإمكانية النارية الأميركية المتوفرة، لا تكفي لوحدها.
ليس بالإمكان فتح ثلاث جبهات في آن، من هنا كان من الطبيعي أن تتقاطع كافة الردود الأميركية، على مختلف تلاوينها؛ عند ضرورة مطالبة الصين بالتوسط، لكبح جماح الشمال،؛ باعتبارها البلد الوحيد في العالم الذي له مونة على هذا الأخير. تعرف أن لا سبيل غيره، في ظلّ المعطيات الراهنة. لكن بكين، التي تعرف ذلك أكثر من غيرها؛ ترفع سقف فاتورتها.
وكان ذلك واضحاً في تأكيدها على ضرورة طلب «الإذن» المسبق منها، قبل أن تقوم البحرية الأميركية بمناورات مشتركة مع كوريا الجنوبية؛ ولو على بعد 200 ميل من شواطئها. فهذه المسافة، التي تشكل مداها الاقتصادي المائي، تصرّ الصين على وجوب اعتبارها بمثابة مياهها الإقليمية، التي تمتد إلى 12 ميلاً فقط؛ حسب القانون الدولي. إصرار يعكس إلحاح الدولة الزاحفة بسرعة فائقة إلى الواجهة، على تكريس امتيازات خاصة بالكبار، لها.
هذا التوجّه، يدور جدل في واشنطن حول كيفية التعاطي معه. الدوائر المحافظة، تدعو إلى اعتماد مزيج من الاحتواء والضغوط مع بكين. العارفون بواقع الأمور وحقائقها العنيدة على الأرض يدعون، في المقابل، إلى «العمل» معها؛ لأنه «ليس بالإمكان احتواؤها»؛ كما يقول وزير الخارجية الأميركي الأسبق، الجنرال كولن باول.
الرئيس الأسبق جيمي كارتر، يذهب إلى أبعد من ذلك؛ حين يوصي بضرورة «الإصغاء» حتى لكوريا الشمالية والاهتمام بمطالبها وعدم تجاهلها؛ بغية التفاهم معها مباشرة. البديل عن ذلك، ليس سوى المزيد من المتاعب ووجع الرأس الذي لا يتوفر له علاج حالي. لاسيما وأن الصين ليست على استعداد، حسبما تؤكد السوابق؛ للذهاب مع جارها الكوري الشمالي إلى أبعد من تطويق كل حادثة على حدة وبثمن.
القراءات الأميركية لدوافع التفجير الأخير، بقيت في حدود التكهن. منها ما يرى أن الشمال أراد بذلك التذكير بوجوده؛ او بدوره كلاعب؛ ولو سلبي، في المنطقة. خاصة بعد ما تبيّن أنه بات يملك منشأة نووية جديدة من آخر طراز؛ وفق تقرير ميداني لأحد العلماء الأميركيين الذي قام بزيارة الموقع بدعوة رسمية. وثمة من يربط التصعيد بالفترة الانتقالية الجارية، بهدف تعزيز وضع الابن الوريث وتمرير رسالة للتوكيد على استمرارية النهج.
التوقعات أن الصين، لن تترك الأمور تفلت من تحت السيطرة، بالرغم من نبرة التهديد الشمالي بإشعال نار الحرب. الرئيس الصيني قادم بعد نيّف وشهر إلى واشنطن، بزيارة رسمية. جدول أعماله حافل بالمواضيع المتصلة بالعلاقات الاقتصادية الواسعة التي توليها بكين الأولوية. تنفيسها للأزمة، يعزز رصيدها مرة أخرى ويرفد موقفها التفاوضي مع واشنطن بالمزيد من عوامل القوة. يبقى السؤال: متى تقدم بيونغ يانغ على التأزيم التالي؟.
واشنطن ـ فكتور شلهوب
