في آداب العربية تردد الأجيال القول المنظوم والمأثور: جزى الله الشدائد كل خير.. عرفت بها عدوي من صديقي. وهو قول لا يكاد يفترق عما يردده الإنجليز بشأن تميز الصديق الحقيقي الذي يعرفه المرء، أو هو يعرف المرء وقت الحاجة على وجه الخصوص. تلك أفكار كان لا بد وأن تراود الخاطر في سياق معالجة من ثم مقارنة بين ما يجري حاليا على صعيد العالم العربي وما يتم على مستوى الاتحاد الأوروبي ولاسيما في ساحة الاقتصاد ـ أو أزمة الاقتصاد على وجه الخصوص.
للوهلة الأولى يكاد المحلل السياسي في دنيا العرب يشعر بنوع غريب من الغيرة أو حتى الحسد إزاء تطورات الموقف الذي ما زالت تتكشف أبعاده في الفترة الأخيرة بالنسبة لأيرلندا. لقد وصلت أيرلندا ـ على نحو ما تم إعلانه في الآونة الأخيرة ـ إلى حافة خطيرة من التأزم الاقتصادي ولدرجة كانت تهددها، أو كادت تهددها.. بالإفلاس!.. وقبل أن تصل أمورها إلى شفا الانهيار.. امتدت إليها اليد الجماعية، بطوق الإنقاذ.. وحملت اليد بداهة اسمها المعروف: الاتحاد الأوروبي وبهذا يعود الشعور (العروبي) بالغيرة أو حتى.. الحسد.. إلى منظور المقارنة بين ما يجري في الربوع اليعربية وما يجري في الساحات الأوروبية.
الاتحاد هو السبيل
وإذا كان المنقذ من تدهور أيرلندا يحمل اسم «الاتحاد الأوروبي» فإن طوق الإنقاذ حمل بدوره عنوانا لا تخطئه عين ولا فهم سليم وهو: وشيجة الوحدة.. ورابطة الاتحاد.. ومن عجب أن الجانب العربي سبق نظيره الأوروبي إلى التعاطي مع قضايا الوحدة والاتحاد،.. ولكن على مستوى الشعار والكلمة والأمنيات الطيبات العِذاب.
أن الجامعة التي انضوت تحت لوائها الدول العربية يرجع عمرها إلى ما قبل منتصف الأربعينات.. وإذا كانت الجامعة العربية كمنظمة إقليمية رائدة في منطقتها ـ قد ضمت دولا تقوم على أمورها بداهة أنظمة سياسية قد تتذرع بما هو مفروض عليها بحكم التعريف من لوائح وقواعد أو حتى قيود الأوضاع القطرية، فقد ظل الشارع العربي منذ الأربعينات يموج بشعارات الدعوة إلى التوحد والتكامل: ما بين طروحات الأحزاب القومية في المشرق التي انتشرت دعواها مجسدة في «أمة عربية واحدة..
ذات رسالة خالدة» إلى شعارات وطروحات الحقبة الناصرية التي أضافت حتى مغيب الستينات اجتهادات تمحورت حول ضرورات التكامل الاقتصادي.. وتحقيق الأبعاد الاجتماعية للوحدة العربية.. إلى ما شهدته السبعينات من جهود حاولت وضع استراتيجيات للوحدة الاقتصادية العربية طموحا إلى تفعيل هذا التكامل أو تجسيد هذا التوحد في شكل مهما كان تواضعه من أشكال التوحد بين أطراف ومكونات جماعة إنسانية تمتع بكل ما تطمح إليه أي جماعة مناظرة على ظهر هذا الكوكب من أسباب التجمع بدل التفرق وليس أقلها ـ كما أصبح بديهيا ـ وحدة اللغة ومن ثم شراكة الثقافة والتراث والتاريخ ثم وحدة الأمل والطموح النابعة من وحدة المصير.
البداية عام 1950
ومع ذلك فلم يشفع هذا كله.. لا الخبرة السياسية الطويلة في الحاضر (أكثر من ستة عقود) ولا مراحل الجيشان والعنفوان القومي خلال عقدي الخمسينات والستينات.. ولا الإنجاز العربي المرموق على جبهات السويس والجولان في أكتوبر 1973 ولا عقد مؤتمرات القمة ولا اجتماعات الخبرة التقنية، في أن تضع أمة العرب ولو على أولى مراحل الطريق المفضية يوما إلى نوع، أي نوع من التوحد أو التكامل، لا من قريب ولا من بعيد.
أما عن الاتحاد الأوروبي ـ حدث في هذا المجال إلى حيث يستطيل ويعمق هذا الحديث: في عام 1950 بدأت الدعوة إليه وسط أطلال الدمار المتخلف يومها عن صراع الحرب العالمية الثانية.. وربما لم يلتفت أحد كثيرا إلى الإعلان الصادر عن دوائر الخارجية الفرنسية (كي دورسيه) داعيا أوروبا الغربية إلى أن تستعد لخطوات تتخذها على طريق يفضي في نهاية المطاف إلى وحدة أقطارها.
ولما ينته العقد الخمسيني حتى كانت أطراف فاعلة في أوروبا قد وقّعت على اتفاقيات تختص بتوحيد التعامل مع أهم الموارد الاقتصادية وفي مقدمتها الفحم والحديد: بهذا كان القوم يأخذون بأسباب التدرج ويتبعون نهج الترشيد (العقلنة إن شئت) ويحرصون على الموازنة بين المصالح الوطنية التي يختص بها هذا القطر الأوروبي أو ذاك، وبين السوبر ـ مصالح الجديرة بالتحقق من خلال قيام الكيان المأمول الأكبر والأوسع والأشمل ـ مجسدا في أوروبا الموحدة التي كان لا بد وأن تواصل مسيرتها العملية ـ المصلحية ـ البرغماتية.
كما نسميها ـ فإذا بها تبدأ مع عقد الستينات بالسوق الأوروبية المشتركة التي ما لبثت أن تطورت، أو فلنقل نضجت وأثمرت الكيان اللاحق الذي حمل بدوره اسم الجماعة الأوروبية التي دخلت بها أوروبا، أو دخلت هي بأوروبا الغربية إلى عقد التسعينات من القرن العشرين بعد أن أدت دورها المرحلي وخاصة من حيث مجابهة الخصم الآخر الذي كان متمترسا في أوروبا الشرقية، رافعا رايات الشيوعية.. ومترجما كيانه الاقتصادي تحت شعارات السوق الشريكة الشيوعية المشتركة (الكوميكون).. ومهددا بمنظومته العسكرية تحت عنوان حلف وارسو.. ومنضويا في هذا كله تحت سطوة وزعامة الكرملين الروسي في الاتحاد السوفييتي.
ربيع التسعينات
سنوات التسعينات هي في تصورنا ربيع فكرة ودعوة الوحدة الأوروبية: عقد القوم في أوروبا الغربية معاهدة «ماستريخت» التي كرست قيام الكيان المستجد باقتدار تحت اسم الاتحاد الأوروبي: لم يركنوا إلى آمال الشعوب وهي مشروعة ولا إلى نوايا الزعامات مهما تكن مخلصة ولكنهم عمدوا في الأساس إلى اتباع نهج مؤسسي بالدرجة الأولى.. فكان أن ترجموا به الاتحاد الأوروبي إلى مؤسسات سياسية ونيابية واقتصادية وثقافية عمدوا بدورهم إلى توزيعها عبر حواضر وعواصم غربي أوروبا ومن ثم تفعيلها وإمدادها بما تحتاجه من إمكانات جاء في مقدمتها بداهة الكوادر والكفاءات البشرية.
وربما كانت ذروة هذا العمل المؤسسي هي طرح «اليورو» عملة أوروبية موحدة ما زال العالم يعمل لها كل حساب في أسواق المال والاقتصاد.. كل هذا وأوروبا الموحدة أو هي «الاتحاد الأوروبي»: كما يؤكد اسمها الرسمي.. نضجت بوصفها كيانا مستجدا وفاعلا مع فاتح الألفية الجديدة وبينما هي تفتقر إلى وحدة في اللغة أو شراكة الثقافة ولكن يجمع بينها الوعي العميق بشعار أن مصلحة الطرف الواحد لا سبيل إلى تحقيقها، ناهيك بصونها وتطويرها الا من خلال الانتماء إلى الكيان الأوسع أو أن الخلافات إذا ما ثارت، أو حتى اشتجرت، بين الفرقاء.
فلا سبيل إلى معالجتها أو حلها إلا من خلال مؤسسات هذا الكيان الوحدوي، سواء كان البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ أو كان محكمة العدل الأوروبية أو رئاسة الاتحاد في بروكسل أو ما في حكمها من كيانات ومؤسسات الاتحاد المذكور الذي قام واستمر وازدهر بين أطراف لا ننسى من جانبنا أنها خاضت فيما بينها حروبا تركت ولا شك ثارات وجراحات وندوبا ما كان لها أن تندمل إلا بفعل ما حققته تجربتها الاتحادية من منجزات، سواء بالحفاظ ولو نسبيا على استقلالية الكيان الاقتصادي الأوروبي بوجه السطوة الأميركية في فترات قريبة مضت أو بوجه التحدي الصيني الصاعد في الفترة الصعبة الراهنة.
3 بلدان مريضة
مرة أخرى كان الاتحاد هو المنقذ. وكان الانتماء الوحدوي هو سترة النجاة من الغرق وسط أمواج التضخم الجامح والمديونية المدمرة والعواقب الوخيمة التي كان يمكن أن يؤول إليها مآل الاقتصاد، ومن ثم الأحوال المعيشية لمواطني أقطار ثلاثة بالذات من أعضاء الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة.
نتحدث بالترتيب عن كل من اليونان وأيرلندا والبرتغال. وليس صدفة أن يكون كل من هذه الأقطار من الأعضاء الأضعف نسبيا ـ ولو من ناحية التقدم التكنولوجي أو مستوى الرفاه الاقتصادي الاجتماعي في إطار الاتحاد الأوروبي. ولكن ليس صدفة عند الطرف الآخر من المعادلة أن كلاّ من هذه الأقطار ما برح يشغل مكانةً خاصة أو شبة خاصة في الوجدان الأوروبي وفي العقلية الجمعية لأوروبا الغربية بالذات.
كيف؟
عن اليونان لا يوجد مثقف أوروبي إلا وقد بدأ مسيرته في التحصيل الفكري والبنيان المعرفي من واقع تراث الإغريق ـ أهل اليونان القديمة القديمة: هو الميراث الكلاسيكي الذي قامت على أسسه العريقة صروح النهضة الأوروبية (الرينسانس) جنبا إلى جنب مع التراث اللاتيني في إيطاليا القديمة: ثقافة اليونان قدمت لأوروبا ومن ثم للعالم إبداعات هوميروس في الشعر، ومنجزات سوفوكليس وأنداده في دراما المسرح ثم طروحات سقراط وأفلاطون وأرسطو في الفلسفة بوصفها أم العلوم وأصل الإنسانيات.
عن البرتغال انفتحت أوروبا الغربية إيجابا بالاستكشاف وسلبا بالاستعمار على عوالم أفريقيا وآسيا وبالذات بفضل رحلات اثنين من رواد الكشف الجغرافي في تاريخ عالمنا المعاصر. أولهما ـ كما هو معروف ـ هو «هنري الملاح» (1394-1460) الذي اكتشف سواحل غرب أفريقيا، ومن بعده كان «فاسكو دي جاما» (1469-1524) الذي وصلت عمارته البحرية إلى سواحل الهند وجنوب شرقي آسيا. صحيح أن كان رائده ودليله في غياهب المحيط هو «ابن ماجد» لكن الملاح العربي المسلم كان يصول ويجول في إطار مناطق ولد بين ربوعها وعرفها وخبر مسالكها ما بين سواحل الجنوب من شبه الجزيرة العربية في عمان واليمن إلى سواحل شرقي أفريقيا، فيما جاءت رحلة البرتغالي دي جاما أقرب إلى الفتح الجغرافي حين اكتشف طريق رأس الرجاء الصالح.
إنقاذ إيرلندا
أما عن أيرلندا.. وهي محور أحاديث الساعة في الفترة الراهنة.. فأمرها يتصل أولا بالتراث الإبداعي في آداب الإنجليزية، فيما يتعلق ثانيا بنوعية الشخصية الأيرلندية (وتراثها الوطني ـ السلتي كما يحب أهلها أن يسموه) وهي شخصية تصدر عن موقف الاعتزاز بالكرامة الوطنية والاستقلال القومي وخاصة بوجه الهيمنة التي مارست بريطانيا العظمى سطوتها على مقاليد أيرلندا على مدار عقود طويلة من الزمن.
مع هذا فما زال الأدب الإنجليزي.. بل ما برح الميراث الثقافي العالمي، يعتز بأعمال مبدعين كبار يأتي في مقدمتهم مثلا الساخر جورج برنارد شو في دنيا المسرح وكذلك ويليام بتلر ييتس في عالم الشعر ثم جيمس جويس في عوالم القصص والرواية بشكل خاص.
يحرص الكاتب ماركوس ووكر محلل الوول ستريت على تبيان أن طوق الإنقاذ المذكور الذي امتدت إليه يد أيرلندا (بعد شيء من التمنع كما قد نقول) لم يقدمه الاتحاد الأوروبي تبرعا ولا بدافع الشهامة أو دواعي المروءة.. بل كان الدافع الأول والجوهري هو الحفاظ على قيمة عملة اليورو الأوروبية الموحدة من مغبة التخبط أو الاستضعاف أو عدوى المضاربات المؤدية إلى التدهور في الأسواق العالمية.
والحق أن حكاية التمنع أو التردد الأيرلندي جاءت لتشكل ظاهرة.. استدعت بدورها متابعة متأنية أو حثيثة من جانبنا بعد أن سبق مبلغ الإنقاذ الباهظ.. أسبوع من الشد والجذب شهدته ـ كما تابعنا ـ رئاسة الاتحاد الأوروبي في بروكسل البلجيكية حيث التأم عقد وزراء مالية الاتحاد، فيما ظلت الحكومة الأيرلندية «تسوق الدلال» ـ إذا ما أجزنا التعبير إزاء قبول المبلغ المذكور بل وصرح وزير ماليتها السيد «بريان لينيهان» أن حكومته ما زالت (وقتها) مصرة على أن ليس بها حاجة إلى مبلغ الإنقاذ وأن بوسعها طرح ميزانية تقشف قبل نهاية العام الحالي بحيث يطمئن المستثمرون (والدائنون) على أموالهم.. وأيرلندا تمتلك من رصيد الأموال ما يمكنّها من تمويل عملياتها ومشاريعها مع مطالع العام الجديد.
الدور على البرتغال
الموقف نفسه اتخذته، أو كادت تتخذه جريدة نيويورك تايمز (عدد 22/11) بكل رصانتها حين نشرت الخبر تحت عنوان:
أيرلندا ترضخ (أو تستسلم) ـ (أو تسلّم أمرها إلى الله) وتطلب من أوروبا مدّ يد العون ولنا أن نلاحظ من جانبنا أن الفرق بين التمّنع وبين القبول الأيرلندي لم يكن ليستغرق أسبوعا واحدا من النصف الثاني من شهر تشرين الثاني/نوفمبر وأن الطرف الذي كان يصر على ممارسة الإلحاح بقبول المليارات الطائلة كان الاتحاد الأوروبي.. حرصا من جانبه كما أسلفنا على إبقاء منطقة اليورو بمنأى عن أنواء التقلبات التي يمكن أن تعصف بالكل إذا ما تركوا الجزء نهبا لإعصار يواجهه دون أن تمتد إليه يد الإنقاذ..
مع الأيام الختامية من تشرين الثاني/نوفمبر ووسط ذيول الأزمة في أيرلندا.. أطلت أزمة الديون والعملات والعجز عن الوفاء بالمتطلبات اللازمة للسكان من طرف أوروبي ثالث بعد اليونان وأيرلندا وهذا الطرف هو البرتغال.
وأيا كانت نوعية المشاكل في هذه الأقطار المأزومة الثلاثة.. فالدرس المستفاد هو أن الانتماء الوحدوي ـ أو الشراكة الاتحادية أو جماعية الجهود المبذولة في ساحة السياسة والاقتصاد.. من شأنه أن يزود كل طرف من الأطراف ذات الصلة بأسباب المَنَعة أو شعور الاطمئنان إزاء عالم مائج بالمشاكل والتحديات..
وهو درس يحتاج العرب إلى استيعابه.. رغم أن حصائلهم غاصّة بترسانات القوانين والدراسات والاستراتيجيات التي تحض على الأخذ بأسباب الوحدة والتكامل والاستجابة إلى دعاوى الاتحاد استعدادا لمجابهة تحديات المستقبل.
محمد الخولي

