كثيرا ما نسمع عن الوحدة العربية مقارنة باتحادات أخرى، وخاصة الاتحاد الأوروبي، وكثيرا ما يتساءل البعض: كيف تتحد دول أوروبا التي شهد تاريخها أبشع الحروب فيما بينها، والتي لا يربطها تاريخ واحد ولا لغة واحدة، ولا عادات وتقاليد واحدة، ولا حتى دين واحد، فقد شهدت الكنائس في أوروبا صراعات فيما بينها، وانقسمت إلى عدة كنائس، والغريب أنهم لم يتوحدوا في الكنيسة إلا عندما قرروا أن يهاجموا المسلمين في الحملة الصليبية، واقعيا أوروبا لا تملك أية مقومات للاتحاد فيما بينها.
بينما العرب يملكون من المقومات ما يؤهلهم ليس فقط لتأسيس اتحاد فيما بينهم، بل حتى لتأسيس دولة واحدة تضمهم جميعا، حيث التاريخ والدين واللغة والعادات والتقاليد والمصير الواحد والعدو الواحد والثروات المتكاملة من مصادر طاقة وثروات طبيعية وخبرات وعمالة رخيصة وأسواق، والغريب أيضا أن جميع العرب من المحيط إلى الخليج يسمون الوحدة العربية بالحلم، حتى ولو كانت بالنسبة للبعض منهم كابوسا، فإن هذا ليس لعقيدة منه ترفض الوحدة، بل ربما لمصالح خاصة لديه.
ولكن من المؤسف أننا نحن العرب كثيرا ما نوجه النقد الحاد لتجارب الوحدة التي وقعت على الساحة العربية على مدى العقود الستة الماضية ونسخر منها ونتعامل معها على أنها دليل على استحالة إقامة الوحدة العربية، ونتجاهل تماما أن هناك من يبذل قصارى جهده وحيله وخططه للحيلولة دون وقوع هذه الوحدة، العامل الخارجي يلعب بلا شك دورا كبيرا في إعاقة مشروع الوحدة العربية، هذا العامل الذي لم يكن له وجود عند تأسيس الاتحاد الأوروبي.
بل على العكس كانت القوى العظمى التي تعوق الوحدة العربية هي التي تؤيد وتدعم تأسيس الاتحاد الأوروبي، هذا على الرغم من أن أوروبا أقرب للولايات المتحدة جغرافيا من العرب، وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي ممكن أن يشكل قوة عالمية عظمى في مواجهة القوى العظمى الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، ولكن الواضح بعد نحو نصف قرن أن الولايات المتحدة استفادت من الاتحاد الأوروبي ومازالت تستفيد منه، ربما أكثر من الأوروبيين أنفسهم.
المقارنة صعبة بل تكاد تدعو إلى شعور من الإحباط بين أحوال الكيان العربي الذي يمتلك الأسباب الداعية إلى توحيد الخطى وتكامل المسيرة السياسية والاقتصادية بحكم وحدة اللغة والثقافة والخبرة التاريخية، وبين أوروبا التي استطاعت أن تجسّد كيانها تحت اسم «الاتحاد الأوروبي» الذي اتبعوا في تأسيسه وتفعيله خطوات بالغة التدريج ممعنة في الواقعية.. بعيدة عن الشعارات الملتهبة والدعوات المتحمسة التي قد تشعل المشاعر ولكنها لا تسفر عن واقع عملي ملموس.. وهكذا جاء الاتحاد الأوروبي محصلة واعية ومدروسة انطلقت من نظرة متأنية تتذرع بسياسة النَفَس الطويل منذ فاتح عقد الخمسينات من القرن الماضي.
ثم تطورت بشكل طبيعي إلى اتفاقات حول شراكة الموارد الخام ومنها نضجت إلى سوق أوروبية مشتركة ثم إلى جماعة أوروبية ما لبثوا أن ترجموا كيانها إلى مؤسسات تكفل الاستمرارية وتصون التجربة عن الرؤى الفردية أو الخلافات المرحلية. وجاء في مقدمة هذه المؤسسات البرلمان الأوروبي ومحكمة العدل الأوروبية..
والمهم أن استوى «الاتحاد الأوروبي» بعد طرح عملته الموحدة (اليورو) كيانا فاعلا على الساحة العالمية يستطيع المواجهة إلى حد الصمود أمام الهيمنة الأميركية وطموحات الصعود الصيني، وقد تجسدت جدوى وفعالية هذا الكيان الوحدوي في قراراته المتخذة في غمار الأزمة المالية ـ الحالية التي بدأت بإنقاذ الاقتصاد اليوناني ثم تطورت مؤخرا إلى تقديم حزمة إنقاذ بالغة السخاء (110 مليارات دولار) لإنقاذ أيرلندا.. وربما يتهيأ الاتحاد الأوروبي إلى محاولة إنقاذ بلد ثالث من أعضائه الجنوبيين هو البرتغال.