عندما تمر بشوارع القاهرة الواسعة الكبيرة والمعروفة تجد المصريين ليلا وكأنهم في أعياد شم النسيم وهم في رحاب حدائق الجزر والميادين المخضرة.. واسم «الجزر» مصطلح أطلقه المصريون على تلك المساحات التي تتوسط الشوارع الكبيرة وتفصل بين المسارين ـ اليمين والشمال ـ وتحيط بها جداول المياه التي تُشعر روادها وكأنهم يجلسون في جزيرة حقيقية، وهذه الجزر تنقسم إلى قسمين؛ الأول مزروع بالنجيل ومُسوَّرة بالجانبين ولها أبواب مفتوحة طوال اليوم وخالية من المقاعد ترتادها الأسر وهي تحمل المفارش لقضاء الأمسيات فيها. والأخرى مكسوة بالبلاط وتحيط بها المقاعد الطويلة ومفتوحة من كل جانب لعبور المشاة إلى الشوارع المتقاطعة، وهذه يرتادها المنتظرون أو العابرون أو الذين ليس معهم أسرهم.

نوعان من الجزر

في هذه المساحات تجد أغلب روادها من سكان المساكن المواجهة لهذه الجزر تجدهم يأتون إليها وهم يحملون حافظات المياه والشاي وكل وسائل التسلية من كوتشينة وضمنة وألعاب الأطفال، ويجلسون عليها من السابعة مساء حتى منتصف الليل خاصة في فصل الصيف، عكس المساحات من الجزر المكسوة بالبلاط وتحيط بها المقاعد فيعتمد روادها من العابرين والمنتظرين كأفراد أو أصدقاء على تناول المشروبات من بائعات الشاي والقهوة والبارد فتراهم جالسين يتأملون الشارع وطرائقه ولكثرة زياراتهم للمكان عرفوا الباعة ويمكنهم تناول مشروباتهم الساخنة والباردة والدفع يكون لاحقا بعد أن أصبحوا معروفين لهم.

أما الأسر التي تتردد على الجزر المخضرة فتجدهم من خلال اختلاط الأطفال من الأسر المختلفة ولعبهم الكرة مع بعضهم يتعرفون على بعضهم، حيث يبدأ الأمر بتعارف الأطفال ببعضهم ويجلسون مع أي من الأسر وكل منهم يحكي لأسرته التي تجلس في ركن من أركان الجزيرة عن صديقه وأسرته وكيف أكرموه، وتقوم أسرة الطفل الآخر قبل ذهابهم لوداعهم وتقديم الشكر لهم؛ وتبدأ من هنا المعرفة ويمكن في اليوم التالي تنضم الأسرتان لبعضهما في جلسات المساء كل يحمل ترمس الشاي وحافظات المياه، وتتوسع المعرفة إلى زيارات المنازل والتداخل الاجتماعي.

وخلافا لازدحامها مساء، فهذه الحدائق تكون طوال النهار خالية من روادها إلا من بعض الباعة المتجولين أو الغرباء يجلسون على ظل الأشجار المحيطة للراحة من هجير الشمس وفي الشتاء تظل خالية طوال اليوم.

متعة كبيرة دون مصاريف

هانم محمد الشاذلي تقول: نحن نتردد على هذه الجزر أغلب أيام الأسبوع ومعي أبنائي وأحيانا جيراني خاصة في فصل الصيف شديد الحرارة ونجد متعة كبيرة في الجلوس في هذا الشارع، وفي أحيان كثيرة نعد السندوتشات لنا والأبناء؛ لنأكل هنا ونشرب الشاي ونترك للأبناء حرية اللعب والحركة، وأشارت إلى أنهم يكثرون المجيء إلى هذه الجزر المخضرة خلال عطلات المدرسة؛ لأن الأولاد يكونون حريصين على الخروج بعيداً عن قيود المذاكرة ولكن نحن نستدرجهم إلى هذه الجزر الجميلة ليكونوا أمام أعيننا ونسمح لهم بدعوة أصدقائهم إن أرادوا.

وهناك كثيرون غير هؤلاء يستفيدون من تواجد هذه الحدائق المخضرة مثل أصحاب الأكشاك والباعة المتجولين مثل «الحاج فاضل» صاحب كشك مواجه لإحدى الجزر بشارع جامعة الدول العربية قال: إن محلى في الصيف ينتعش كثيراً عكس أيام الشتاء؛ لأن تواجد هذه الأعداد الهائلة من الناس في هذه الجزر يساهم بشكل كبير في الإقبال على الكشك الخاص بى، فكل طلباتهم من بسكويت وحلوى وسجائر ومشروبات باردة وغيرها موجودة لديّ، ويصل دخلي إلى 3 أضعاف أو أكثر عن فترة الشتاء، وهؤلاء يمتد تواجدهم حتى صلاة الفجر أحيانا.

فكرة رائدة

الفنان التشكيلي سالم محمد طاهر قال إن فكرة إنشاء هذه الجزر فكرة رائدة وعظيمة بكل المقاييس، خاصة أنها مزروعة بالنجيل وتحيط بها أشجار كثيفة تسمح للإنسان بالراحة فيها نهاراً وليلاً، وغير ذلك أنها أضافت إلى الشوارع الكبيرة والمهمة جمالا جذابا ومبهراً، وكذلك أتاحت للسكان المواجهين للشارع الاستمتاع بمناظر جميلة من شرفاتهم، وأغلب السكان أصبحوا يفضلون الجلوس على الشرفات للاستمتاع بمنظر حدائق الجزر، كما وفرت للأطفال والتلاميذ مكانا للعب واللهو أمام أعين أهلهم وهذا يساعدهم على عدم الذهاب بعيدا والاختلاط مع غير المرغوب فيهم.

وأثناء جولتنا التقينا «طه» بائع متجول يمر من أمام رواد الجزر وهو يحمل بضاعته وعندما سألناه عن عمله قال: أنا أبيع في هذه الجزر أكثر من أي مكان آخر؛ لأنني هنا أجد كثيرا من الأسر وعرفت احتياجاتهم وغيرت نشاطي من بيع الشاي والقهوة إلى بيع الخردوات مثل قصافات الأظافر والخيوط والإبر لضامة الإبرة والمشابك للغسيل واسفنجات مسح الأحذية والأمشاط والنظارات والفازلين والأقلام وغيرها من احتياجات الأسر اليومية.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية