عندما ألقت الأجهزة الأمنية الأردنية في العام 1972 على موظف متلبسا بمحاولة الحصول على رشوة سأل المحقق هذا الموظف فيما إذا كانت هذه المرة هي الأولى له أم أن هناك مرات سابقة. فكانت إجابة الموظف صاعقة للمحقق. قال: أمس كان هناك وصفي التل أما اليوم فراح وصفي التل. كان وصفي التل رئيسا للوزراء لخمس مرات بدأت في العام 1962م وانتهت في العام 1971م، وعرف بنزاهته الواسعة وقبضته الحديدية على الفساد والمفسدين.
يقول الدكتور خالد سمارة الزعبي في ورقة عمل قدمها قبل يومين بمناسبة الذكرى الأربعين لمقتل وصفي التل في القاهرة خلال انعقاد اجتماع وزراء الدفاع العرب في نوفمبر من العام 1971م: اشتهر وصفي التل بنظافة اليد وشفافية العمل والضرب بيد من حديد على الفساد والمحسوبية، كما انه لم يجمع بين السياسة والتجارة لتضارب المصالح الخاصة.
إجابة الموظف الفاسد للمحقق بُعيد مقتل وصفي التل، أشار إليها صالح العرموطي نقيب المحامين الأردني السابق أحد أبرز المراجع القانونية في المملكة عندما قال: إن أسباب الفساد تنبع من ضعف المؤسسية، ولكن ذلك لا يكفي وحده، بل هناك مناخات أخرى تساعد الفاسدين من بينها عدم احترام البعض للقوانين، وتدني الأجور مقارنة مع مستوى المعيشة.
يقول العرموطي إن تدني الدخل يغري بعض موظفي القطاع العام ممن يعانون من هشاشة في أخلاقهم بعقد مقارنات لرواتبهم بالنظر إلى رواتب موظفي القطاع الخاص وهو ما يقودهم في النهاية إلى تبرير الفساد بشتى صوره.
ويمضي العرموطي في التأكيد أن تعقيدات الإجراءات الحكومية والروتين في العمل وغياب أخلاقيات المهنة والمحسوبية والضغوط الاجتماعية وضعف دور مؤسسات المجتمع المدني وضعف دور وسائل الإعلام هي أيضاً من المناخات المؤهلة لإتاحة الفرصة أمام الفاسدين ليمارسوا فسادهم.
والفساد هو كل فعل يقوم على الإخلال بواجبات الوظيفة العامة كالرشوة والاختلاس واستثمار الوظيفة والتعدي على الحريات في تأدية الواجب للمواطن.هو ببساطة أي فعل أو امتناع عن فعل يمس بالمال العام كإساءة استخدام السلطة وقبول الواسطة، إضافة إلى انه أيضاً الإخلال بالثقة العامة مثل تقليد خاتم الدولة وتزوير البنكنوت وتزوير النقد وسندات الدين والأوراق المالية والطوابع والمسكوكات وإصدار مصدقات كاذبة وانتحال الهوية. والجرائم الاقتصادية التي تلحق الضرر بالاقتصاد الوطني كهدر المال العام.
بدوره قال رئيس لجنة الحريات النقابية المحامي فتحي أبو نصار لـ «البيان» إن للفساد أثارا خطيرة منها السياسية من قبيل فقدان ثقة المواطنين بالدولة وإضعاف سيادة القانون والمؤسسية والإضرار بمبادئ الإدارة الرشيدة. كما له آثار اقتصادية تتمثل في عدم القدرة على تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين، وهدر الموارد والإيرادات العامة وضعف الاستثمار الخارجي في الأردن وتراجع المعونات الخارجية وتهريب العملة الصعبة.
أما الآثار الاجتماعية ـ وفق أبو نصار فتتمثل بضعف القيم الأخلاقية وانتشار الجريمة والشعور بالظلم وتوليد الأحقاد. ومن أكثر أنواع الفساد انتشارا الفساد الإداري والذي له اثر كبير غير ظاهر. واعتبر العرموطي هذا الفساد الأخطر كونه يتمثل في الواسطة والمحسوبية ومخالفة القوانين والإهمال في الوظيفة وعدم العدالة في تقديم الخدمة والمزاجية في اتخاذ القرار والتفسير غير القانوني للنصوص القانونية لأغراض خاصة والتعقيدات الإدارية التي تسمح بتجاوزات وتعين شخصا غير مؤهل في مكان غير مؤهل.
وكانت منظمة النزاهة الدولية وصفت مكافحة الفساد في الأردن ب«الضعيفة» وأن هيئاتها «خائفة». وقالت المنظمة في تقرير أصدرته في النصف الأول من هذا العام أن إصلاح إطار مكافحة الفساد في الأردن، خلال السنوات القليلة الماضية، أنتج هيئات مراقبة خائفة، والقليل من النتائج.
واعتبرت المنظمة، في تقرير أصدرته أمس، العلامة التي حصل عليها الأردن في مجال مكافحة الفساد ضعيفة جدا، مبينة أن المملكة حصلت على درجة 55%، رغم حصول مؤشر قانون مكافحة الفساد على تقدير متقدم «فاق التسعين بالمئة».
وبين تقرير المنظمة أن الأردن حصل على علامة 64% في مجال الإطار القانوني، و44% في مجال التنفيذ الفعلي لمكافحة الفساد، لتكون الفجوة في التنفيذ متوسطة بمعدل 20%. وقال التقرير إن القضايا التي تبنتها هيئات مكافحة الفساد الرئيسية خلال السنوات القليلة الماضية، تقع على مستوى منخفض.
وكانت الحكومة الأردنية قد أنشأت هيئة مكافحة الفساد منذ سنوات قليلة. ولكن المنظمة قالت إن مسؤولي هذه الهيئة يخشون من التدخل السياسي في ضوء حق الحكومة بإقالة رئيس ديوان المحاسبة من منصبه، ولهذا فهي بطيئة في التصرف أو في إصدار التقارير.
عمان ـ لقمان اسكندر

