منذ خمس سنوات تقريبا ،دخلت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيز التنفيذ،وسارعت جميع الدول العربية بالانضمام للاتفاقية باعتبارها أداة قانونية دولية ملزمة ترمي لمحاربة الفساد في القطاعات الحكومية والخاصة حول العالم. حتى السلطة الفلسطينية التي لا يجوز قانونا إلزامها بالاتفاقية نظرا لأنها لم ترتق بعد إلى مرتبة دولة في الأمم المتحدة، بادرت من تلقاء نفسها بالإعلان بالتزامها ببنود الاتفاقية من جانب واحد، وأرسلت خطابا للأمين العام للأمم المتحدة بهذا المعنى. فماذا حدث بعد خمس سنوات؟
منظمة الشفافية الدولية أصدرت مؤخرا تقريرها السنوي حول مؤشرات الفساد في 178 دولة حول العالم.ووفقا لمؤشر مكونات الفساد،فإن أكثر من نصف الدول العربية جاءت علي رأس أكبر الدول الفاسدة في العالم.واحتلت الصومال المرتبة الأولى على مستوى العالم تليها أفغانستان وميانمار.
وحصلت أكثر من 12 دولة عربية على أقل من خمس نقاط،وهو ما يعني طبقا للمؤشر أنها تندرج في قائمة البلدان الأكثر فسادا على مستوى العالم.وجاءت الدنمارك ونيوزيلاند وسنغافورة في مقدمة دول العالم ألأقل فسادا.وسوف تحتفل البلدان العربية مع بقية الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، في التاسع من ديسمبر المقبل باليوم العالمي لمكافحة الفساد.
هوغيت لابيل رئيسة منظمة الشفافية الدولية تؤكد أن رفع مستويات المعيشة يمثل أحد العوامل المهمة في محاربة الفساد،مشيرة في نفس الوقت إلى أهمية قيام حكومات الدول بترجمة أقوالها حول القضايا المتعلقة بالتزامها بمكافحة الفساد والشفافية والمساءلة إلى أفعال، ويعتبر الحكم الرشيد جزءا أساسيا من جهود مكافحة الفساد.
دكتور يوري فيدوتوف مدير مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات قال إنه لا توجد دولة واحدة في العالم بمعزل عن خطر الفساد،لكن هناك تباين كبير بين الدول الأعضاء في مستويات الفساد ومدى تغلغله في المصالح والمؤسسات الحكومية والخاصة.
وحذر المسؤول الأممي في تصريحات خاصة لجريدة البيان من تداعيات الفساد على المؤسسات الديمقراطية في البلدان العربية وغيرها من دول العالم، وذلك من خلال العمليات الانتخابية المشوهة ،وقال إن الفساد يبطئ معدلات التنمية الاقتصادية ويخلق المزيد من مستنقعات البيروقراطية.
وأكد المسؤول الأممي أن الفساد ينتشر عادة في البلدان التي تسجل معدلات ضعيفة للنمو الاقتصادي، بمعنى أنه كلما قلت معدلات النمو،وارتفعت معدلات الفقر، كلما زادت معدلات الفساد والجريمة في المجتمعات البشرية. ونوه إلى أن الدول الأفريقية على سبيل المثال التي تواجه معدلات عالية للفقر، والجريمة، هي نفسها أكبر دول العالم من حيث حجم الفساد المستشري في أجهزتها العامة والخاصة.
لكن ما هي أسباب انتشار الفساد في المجتمعات العربية؟ كاثرين بيستمان أستاذ الإنسانيات بجامعة كولب الأميركية والمتخصصة في الصراعات الأفريقية وشؤون محاربة الفقر قالت إن السبب الرئيسي لانتشار معدلات الفساد في البلدان العربية يعود إلى تدني رواتب موظفي الخدمة المدنية، والتي تدفع نسبة كبيرة من العاملين إلى قبول تلقي الرشاوى لتلبية «الاحتياجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة».
وتعترف الدكتورة كاثرين بيستمان بأن الأجور المنخفضة ليست سببا وجيها لتبرير الفساد،لولا وجود ثقافة عامة متجزرة مع العادات والتقاليد السائدة مثل فكرة ضرورة دفع مكافآت أو تقديم هدايا صغيرة مقابل الخدمة المقدمة،وهي في هذا الإطار تعتبر مقبولة و«طبيعية» خاصة لرجال السياسة والعاملين في المصالح الاقتصادية والاستثمارية.
نيويورك ـ طارق فتحي