قال محمد الصغير باباس رئيس المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي في الجزائر إن الاستثمارات التي ترغب فيها بلاده هي تلك التي تخلق الثروة وتساهم في الحد من التبعية لعائدات قطاع المحروقات. وأكد أن الاستثمار أكان جزائريا أو أجنبيا لابد أن يبنى على اختيارات ويوافق سياسات محددة تصب في هذا الغرض.


وقال باباس وهو من أهم الشخصيات الاقتصادية في الجزائر حاليا ويشغل منصب رئيس «فريق الشخصيات البارزة للآلية الافريقية للتقييم من قبل النظراء»، إن الفرص كبيرة جدا في قطاعات مثل الزراعة والصناعة والسياحة والتكنولوجيا والطاقات المتجددة وهي كلها قطاعات بإمكانها استيعاب استثمارات ضخمة كما هي في الوقت نفسه تشكل أولوية في التنمية الاقتصادية.

استباق الأزمة

أكد باباس أن الجزائر استبقت الأزمة واتخذت إجراءات وقائية من بينها مثلا الإحجام عن خصخصة القرض الشعبي الجزائري (أحد اكبر البنوك الحكومية في البلاد ـ المحرر) الذي كان على وشك التحول إلى مؤسسات أجنبية، بالإضافة إلى ترشيد الإنفاق العام. وواصلت بالمقابل برنامج تحسين ظروف معيشة الجزائريين من خلال رفع الأجور وإطلاق برامج رعاية اجتماعية كبيرة والاستمرار في بناء المساكن وتوفير فرص الشغل وبناء المنشآت التعليمية والصحية وغيرها.

وقال «لم يتوقف أي مشروع اجتماعي أو اقتصادي بسبب تأثير الأزمة»، وحتى المشاريع التي يشهد انجازها تأخرا كبيرا مثل المترو والتراموي وبعض مشاريع البنية التحتية، لم يكن أبدا بفعل الأزمة بل لظروف أخرى وكانت هذه المشاريع ستتأخر حتى لو لم يحدث للاقتصاد العالمي ما حدث.

استثمار الكثير

وبخصوص المشاريع الكبرى التي أطلقتها البلاد قال باباس «استثمرنا الكثير خلال مخططين سابقين (الإنعاش الاقتصادي 2002 ـ 2004 ودعم النمو 2005 ـ 2009 ـ المحرر) لتحديث البنية التحتية والآلة الاقتصادية وأطلقت مشاريع كبرى اقتصادية واجتماعية وخدمية في مختلف القطاعات. وخصصت الدولة 286 مليار دولار من الاستثمارات العمومية في مخطط جديد يغطي الفترة بين 2010 و2014 والغرض هو تنويع مصادر الثروة وإحداث طفرة في عديد القطاعات الحيوية، فضلا عن إعطاء دفع اكبر لتحسين حياة المواطن. وهو استكمال لما بدأ قبل سبع سنوات من انجازات متصلة.

وخلال هذه الفترة استثمرنا كثيرا في تحقيق التنمية البشرية وتحققت نتائج هامة من بينها انخفاض نسبة الأمية إلى مستويات قياسية وارتفاع معدل الحياة وتقلص عدد وفيات الأطفال عند الولادة وغير ذلك.. نحن فعلا نشعر بأن الأمور تغيرت كثيرا، وسيكون حصادنا اكبر في السنوات المقبلة بهذا المجال».

انخفاض البطالة

وفيما يخص امتصاص البطالة قال رئيس المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي الجزائري «إن البطالة انخفضت من أكثر من 30 بالمئة قبل ثماني سنوات إلى اقل من 12 بالمئة العام 2009، وسيعطي المخطط الإنمائي الجديد بعدا أقوى للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تستقطب أعدادا هائلة من اليد العاملة للاندماج في خدمة الاقتصاد.

وقد بات هذا القطاع حيويا ومن مصادر الثروة والإبداع ويمكن اعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد القادر على المساهمة بقسط كبير في توفير البدائل خارج قطاع المحروقات، فهو يمكن أن يقود إلى تطوير تكنولوجيا الإعلام والاتصال بقدر كبير وهذه التكنولوجيا كما يعلم الجميع تعد اليوم من أهم مفاتيح الاقتصاديات الصاعدة، وتوفر القدرة على الابتكار وتقوي اتجاه الاقتصاد المبني على المعرفة».

وقال باباس «اعتقد أن أهم ما يجب أن يفكر فيه بلد مثلنا هو الطريقة التي يمكن أن يحول بها موارده غير المتجددة إلى مخزون من المواد القابلة للتجدد باعتماد سياسة استثمارية قوية في التنمية البشرية وتطوير التكنولوجيا ومن دون ذلك فلا سبيل آخر لتحقيق التنمية المستدامة. وهو ما تضمنه تقرير التنمية البشرية الذي أعده المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي وعرض على الحكومة».

تجاوز الرهان

وبخصوص الطريق إلى التكنولوجيا، يرى محمد الصغير باباس انه لابد من الجرأة لاقتحام هذا العالم بقوة وبسياسات مدروسة مبنية على أهداف وواقع، وتجاوز الرهان على حسابات لا تحقق شيئا، وقال «إن نقل التكنولوجيا وهم سكن العقول، إذ يعتقد البعض أن هذه الدول الكبرى التي تمتلك التكنولوجيا ستكون سخية وتقدم الخبرة للدول التي تعاني النقص وتحمل لها أسباب التقدم والرخاء.. نقل التكنولوجيا هذا كلام يتردد على ألسنة مسؤولين وموظفين وحتى خبراء وأخصائيين، ويقصد به عادة التزام الدول التي تملك هذا التفوق بتمكين دول أخرى مستواها ادنى من اللحاق بها، اعتقد أن هذا الطرح سذاجة ما بعده سذاجة.

فما ينبغي فهمه أن تلك الدول الكبرى تسير وفق أجنداتها الخاصة التي أعدتها لنفسها ونحن كدول نامية لسنا محسوبين في تلك الأجندات، أؤكد بأن الدول الكبرى لن تمنح لنا التكنولوجيا أبدا، يمكن أن تبيعنا معدات لأنها تنتجها للبيع لكن لن تنقل إلينا التكنولوجيا. حين أقول هذا الكلام أنا لا ألوم تلك الدول لأنها تنفذ سياستها، ولا أعني أيضا أن الدول النامية محكوم عليها أن تبقى في أسفل السلم، أقول اننا تأخرنا في فعل ما يجب فعله ومع ذلك يمكن التدارك..

هناك تجارب قوية ناجحة لدول استطاعت أن تتقدم وهي ما نطلق عليها اليوم الاقتصادات الصاعدة، بدأت بإعادة إنتاج ما أنتج في جهات أخرى وطورته وكيفته.. هنا أود أن أقول ان ثمة تكنولوجيا صارت بفعل الانتشار ملكا عاما يمكن التعامل معه بجرأة ومن خلال الكفاءات المحلية لتكون قاعدة بحث للتطوير والإبداع.. هكذا بدأت دول عديدة استطاعت أن تتجاوز وضعها السابق وتألقت وصارت صناعية بامتياز.. بهذه الصيغة، نعم يمكن نقل التكنولوجيا نقلا ذاتيا، يعني دون استشارة احد ودون طلبها من احد».

وتحدث أيضا عن النزاعات الاجتماعية التي تشهدها الجزائر حاليا في عديد القطاعات والجهات وقال «دواعي الاحتجاجات التي نشهدها في البلاد اليوم متعددة ولا يمكن حصرها. كما لا يمكن حصر الاحتجاجات على فئة أو مجموعة سكانية معينة. هناك حراك واسع لتنظيم سبل المطالبة. أود أن أشير هنا إلى أن الحكومة استحدثت قبل نحو 15 عاما بعد التشاور مع شركائها الاجتماعيين آلية للتعامل مع الوضع. وهذه الآلية صارت هيكلا دائما باسم الثلاثية، ويضم الحكومة ونقابات العمال ومنظمات أرباب العمل، تجتمع دوريا وتقرر السياسات الاجتماعية بالنسبة للعاملين، وتراقب معا خطوات تنفيذ القرارات المتفق عليها.

وفي العام 2006 توصلت الآلية إلى توقيع العقد الاقتصادي ـ الاجتماعي، الذي قبل به الجميع كمرجع للعمل المشترك، وهو أمر هام ينبغي ـ في تقديري أن يستمر لأنه كان ثمرة تفكير وجهد كبير. لكن ثمة نزاعات غير منظمة تندلع هنا وهناك لأسباب مختلفة، وهي على العموم ذات أبعاد محلية في القرية أو البلدية أو الحي وليس لها طابع وطني وتتصل بالحياة اليومية للناس، يجري حلها محليا وعلى المسؤولين مواجهة ظروف سكان مناطقهم وحل مشاكلهم وإدراجها ضمن الاهتمامات اليومية للمجالس المنتخبة والإدارات المحلية».

الجزائر ـ مراد الطرابلسي