على خلاف الكتب التي تتعامل مع قضايا الإعلام في عصرنا من المنظور التقليدي، الذي يعكف على تحليل وسائل الإعلام وتقصّي تأثيراتها، فإن هذا الكتاب ينحو المنحى الأقرب إلى التحليل الفلسفي من ناحية والتحليل النفسي من ناحية أخرى.
حيث يركز الحديث على استجابات العقل البشري، ومن ثم خياراته وآليات تشغيله، عند التعرض للرسائل المختلفة كّما ونوعا، الصادرة عن مختلف وسائل الإعلام.من ناحية أخرى يتطرق الكتاب إلى الحديث عما يصفه المؤلف بأنه تبّدد ثقة الجمهور المتلقي للرسالة الإعلامية في تلك الصفوة من الخبراء والاختصاصين.وهي ظاهرة يرى المؤلف أن أصولها وأسبابها إنما تكمن في شريط الحوادث والوقائع التي شهدها النصف الأخير من القرن العشرين ما بين فضيحة ووترغيت، إلى ورطة فيتنام، إلى حرب العراق إلى فضائح الرشاوى والانحرافات الأخلاقية التي انكشفت في مؤسسة الاقتصاد بل في المؤسسة الكنسية الكاثوليكية على السواء.وأخيرا يتصور المؤلف أن الحل في إنقاذ الصحافة من عثراتها الراهنة قد يتمثل في تطوير سبل الإعلام التفاعلي الذي يستخدم أكثر من وسط إعلامي ويحقق نوعا من التواصل الديمقراطي بين وسائل الإعلام وبين جماهير مستقبلي أو مستهلكي رسالتها بعيدا عن تدخلات الوسطاء أو وصاية الصفوة من الخبراء.
في سنة 1921 كتب «والتر ليبمان»، رائد المهنة الصحافية في العصر الحديث يصف وظيفة الصحافة بأنها أقرب إلى «الضوء الكاشف الذي يتجول وسط الدياجير ثم لا يلبث أن يسلط أشعته على الحقيقة كي يستخرجها من بين طيات الظلام».
مع ذلك فقد شهدت الصحافة بوصفها مهنة وصناعة، ومع شمولها وسائل متعددة مطبوعة ومسموعة ومرئية، تغيرات جذرية مع نهاية القرن العشرين حتى ليأتي القرن الحادي والعشرون فإذا بالمصداقية، والرسالة والاستنارة التي سبق وتصورها والتر ليبمان، تفقد بريقها وتتبدد مصداقيتها بعد أن تجاوزت مهنة الصحافة ؟
وسائل الإعلام، الإعلام أسوار حيدتها فإذا بالعاملين فيها يتدخلون بآرائهم بل يفرضون تصوراتهم واتجاهاتهم إلى حيث تفقد الصحافة مصداقيتها بعد أن استسلمت إلى عناصر الإثارة والميلودراما بدعوى الجذب والتشويق، بهذه المقولات يفتتح مؤلف هذا الكتاب.
الصحافي الأميركي المخضرم «جاك فوللر» الفصول الثلاثة عشر من كتابه الذي يحاول أن يرصد عبر سطوره أزمة الصحافة في عصرنا حيث يشمل تعريفه في هذا السياق كلا من الصحافة المطبوعة إلى جانب المسموعة أو المرئية. أو فلنقل وسائل الإعلام بشكل عام.
بعد ظهور الانترنت
في السياق نفسه يستطرد مؤلف الكتاب ليقول: لقد جاهد بعض الصحافيين ؟ الإعلاميين كي يلتمسوا تفسيرا لهذه المتغيرات حيث توصلوا إلى إجابة أولية تقول: إنه صعود شبكة الانترنت.
وتقول أيضا: إنه الجيل الجديد الذي لم يعد يكترث لرصانة الخبر أو عمق التحقيق مكتوبا أو مذاعا، قدر اهتمامه بألعاب الفيديو ومغريات الصورة المزوقة بكل ألوان الطيف، وكل هذه المستجدات أدت إلى تقليل اهتمامات جماهير المستقبلين للرسالة الإعلامية على نحو ما تعّودْت عليها الأجيال السابقة خلال سنوات القرن العشرين.
وأيا كانت المبررات، فالمؤلف لا يفوته أن يسوق أسبابا إضافية يأتي في مقدمتها تطور التكنولوجيا من جهة وعوامل الأزمات الاقتصادية التي باتت تواجه وسائل الإعلام كما عهدناها من جهة أخرى.وهو يضيف بغير مواربة قائلا: إن الصحافة عانت دمارا اقتصاديا كارثيا بسبب ثورة الإعلام.
وهذا لم يحدث أساسا لأن عناصر الانترنت (أجهزة الحاسوب) جاءت لتسحب قراء الصحيفة بعيدا عن صفحاتها، بقدر ما أن ثورة تكنولوجيا الإعلام سحبت في الأساس عنصر الإعلانات التي كانت (في السياق الأميركي بالذات) تشكل ثلاثة أرباع الإيرادات التي كانت تمول الصحيفة (المطبوعة) وبالتالي شكلت أكبر نسبة من أرباحها.
ومن عجب أن باتت الأنباء السيئة تزاحم الأنباء الطيبة، وأصبحت الإثارة تزاحم الرصانة وأخبار الصراعات والحروب لم تعد تترك حيزا مذكورا لأخبار التوافق أو التواؤم أو الصفح أو السلام.
البناء أفضل من الهدم
هنالك من يقول إن العقل البشري تحدوه دوافع أقوى أو انحياز أوضح نحو الجوانب السلبية بدلا الايجابية.في المقابل هناك من يقول أنه حتى مع صحة مثل هذا الافتراض الذي سبق وتدارسته مدرسة الصحافة الشهيرة في جامعة كولومبيا الأميركية.
فإن العاملين في سلك المهنة الصحافية لابد وأن ينطلقوا من رسالة تقول بتفضيل البناء على الهدم، وتفضيل السلام على الحرب، شريطة أن يقدروا هذا كله، وأن يؤدوا هذه الرسالة بصورة تجمع بين العمق والتشويق، وبحيث تحقق كما يعرف كل الأكاديميين الاختصاصيين المهام المتكاملة الثلاث للرسالة الإعلامية وهي:
(1)المعلومات (بما في ذلك الأخبار).
(2)التوعية (بما في ذلك التثقيف والتعليم)
(3)الترفيه (بمعنى التشويق بعيدا عن الخطابية والإملال).
يكاد مؤلف الكتاب يتحدى قارئيه حين يذهب إلى أن هذه الوظائف الجوهرية الثلاث لوسائل الإعلام كانت تتجسد وتتجلى بكل امتياز واقتدار خلال الظروف التي ظلت سائدة ربما حتى الثلث الأخير من القرن العشرين.
لكن الدنيا تغيرت. وكان تغيرها سريعا، مذهلا بل صاعقا إلى حد ليس بالهيّن ولا بالقليل.القصف الإعلامي المتواصل عند هذا المنعطف من تحليلات الكتاب يقف المؤلف مليّا عند ظاهرة التشتت التي تنتاب عقل جمهور عصرنا الحالي، لدرجة يقول معها الكاتب «جاك فوللر» أن الفرد إنما يستقبل رسالة الإعلام الراهنة بربع مخ أو فلنقل نصف أو ثلث وجدان في غمار ذلك التوزع الشديد البالغ القسوة من المشاكل والاهتمامات و..الهموم أيضا.
عند الجانب الآخر من المعادلة، زادت وسائل الإعلام من حيث العدد وساعات البث وكثافة المواد التي تقدمها، ولدرجة يطلق عليها الكتاب الوصف التالي: إنها درجة القصف المتواصل بغير هوادة.
هنا يصاب العقل البشري بنوع من الإجهاد، إذ يتعين على المرء أن يفّكر ويستوعب وأن يهضم ويفهم، وأن يتعاطف بالرفض أو بالقبول، وعندما يصاب الجهاز العقلي بالإجهاد- يتحول المرء ؟ كما يفترض المؤلف ؟
إلى استخدام الجهاز العاطفي، وبحيث يصبح الحكم على المادة الإعلامية، بكل ما تعرضه أو تحلله أو تناقشه من ظواهر ومشاكل وقضايا، حكما مشوبا بالعواطف، متباعدا عن الرشد، ومن ثم تأتي الأحكام وقد جانبت الموضوعية أو الإنصاف.
ليس صدفة إذن أن تكون الإثارة هي المادة المفضلة وأن تكون الدراما هي الأولى باهتمام المشاهدين من نشرة الأخبار وأن تكون صفحة الحوادث هي الأقرب إلى قارئي الجريدة من صفحة التحليلات السياسية مهما بلغت رصانتها، فما بالك عندما تجمع صفحة الحوادث بين عناصر الإثارة والخطر والدم وانحراف السلوك إلى حد الإجرام !
أزمة الصحافة المطبوعة
هذا هو الفكر الجديد الذي يأتي به مؤلف هذا الكتاب، إنه يربط بين الظروف التي استجدّت على إنسان هذا العصر وبين الطرائق التي يعمل بها العقل البشري منذ بدء الخليقة، ثم يربط بين هذا كله وبين مستجدات تكنولوجيا الحواسيب ونتائج ثورة الإعلام.
لا عجب إذن أن تؤدي هذه المستجدات، وفي مقدمتها، كما المحنا، ثورة التكنولوجيا التي تجسدها شبكة الانترنت إلى ظاهرة يمكن أن نطلق عليها ؟ مع مؤلفنا ؟ الوصف التالي: غروب شمس الصحافة المطبوعة.
لقد تبدل الشكل الذي اعتادت عليه جموع القارئين منذ أيام الصحافة الحديثةـ أي إصدار الصحف الدورية ؟ وكانت قد بزغت خيوط شمسها في مواقع شتى من عالمنا ما بين «ويكلي نيوز» في بريطانيا عام 1622 إلى «منيرفا» أولى صحف نيويورك وقد صدرت عام 1793.
نعم، إن هذه الأصناف من الإصدارات الورقية المطبوعة، محكوم عليها ؟ كما يتصور المؤلف ؟ بأن تتحول إلى إصدارات الكترونية على الشبكة العنكبوتية كما يسمونها إذا لم تبادر إلى تعديل مسارها واستكشاف سبل جديدة للتوافق والتواؤم مع ظروف ومتطلبات النسق العولمي الجديد.
مع هذا كله فالمؤلف لا يضع كل اللوم على حكاية هذا الظروف المستجدة الكترونيا في حياتنا: إنه ينحو بقدر من اللائمة على أرباب مهنة الصحافة والإعلام أنفسهم، لقد تصرفوا في رأيه بمزيج من الاستهانة بالقارئ أو الجمهور المتلقي، بل ومن الغرور والاستعلاء على هذا الجمهور.
ليس صدفة إذن أن ينخفض ترمومتر ثقة الجمهور في وسائل الإعلام ؟ في أميركا على أقل تقدير.وفي الفصل الثامن من كتابنا يقول المؤلف: لقد انخفضت ثقة الجمهور العام في الصحافة على نحو ما عبّرت عنه قياسات المركز القومي الأميركي لبحوث الرأي العام من نسبة 85 في المائة عام 1973 إلى حيث تدّنت إلى نسبة 56 في المائة عام 2004.
وقد حدث معظم هذا التدهور في عام 1991 حين جاء متزامنا بشكل عام مع ظهور شبكة الانترنت حيث شهدت ساحة الإعلام الأميركي أعدادا متزايدة باطراد من أفراد جمهور الإعلام، وخاصة من الشباب، وهي تتجه نحو المواقع الإعلامية غير التقليدية من أجل الحصول على الأخبار والمعلومات.
مع ذلك، يرتاد المؤلف سبيلا جديدا عندما يحاول تحليل جذور أو أسباب هذه الظاهرة فيقول (ص87): إن هذا الفقدان للثقة في ميديا الإعلام التقليدية جاء بوصفة جزءً من تدهور أوسع وأشمل في ثقة الجمهور في الخبراء من كل نوع وصنف.وتلك ظاهرة مستجدة بدورها كانت خيوطها تتجمع عبر سنوات مضت ونتصور أنها ستبقى في حياتنا لفترة أطول كذلك،
عندما ضاعت الثقة
وعلى سبيل الإيضاح يمضي المؤلف مستطردا على النحو التالي: عندما كنت صبيا، كان أبي الذي لم يلتحق بالجامعة قط لا ينفّك يلفت انتباهي إلى هذا المتحدث أو ذاك على شاشة التلفاز قائلا: خذ بالك، هذا شخص محترم وعلى أعلى مستوى من التعليم، لقد تخرّج في جامعة يال أوحصّل درجة الدكتوراه من هارفارد أو تعلّم الاقتصاد في جامعة شيكاغو.. الخ.
هنا يمضي المؤلف إلى حيث يحاول متابعة وتعداد الأحداث والتطورات التي كان من شأنها تجريف الثقة في هؤلاء الكبار من المتعلمين والأكاديميين والاختصاصيين والمهنيين، ومن ثم المسئولين، ومن هذه الأحداث والتطورات يأتي في فصول الكتاب على ذكر فضيحة ووترغيت وسلبيات وجراحات الحرب في فيتنام وحرب العراق وانكشاف صورة المخابرات الأميركية وأسرار انحرافات كبار المسئولين في سلك الإدارة والحكم في أميركا ما بين التربح بالرشا أو العلاقات الجنسية غير المشروعة.
فضلا عن الفضائح التي تكشفت في سلك الكنيسة الكاثوليكية، دعك من فضائح ترّبح رؤساء مجالس إدارة الشركات والاحتكارات الكبرى، ثم ما شهدته أميركا من جرائم الاغتيال والانحراف والاستغلال إلى حيث وصل المجتمع إلى هاوية الأزمة المالية ؟ الاقتصادية الطاحنة.
هنا يعود المؤلف من جديد إلى المقولة التي شاعت عن الرائد الإعلامي «والتر ليبمان» بشأن كيمياء الحداثة التي كان ليبمان يتصور أنها بمثابة عناصر سحرية من المعرفة والأفكار التي سوف تتبلور مع تطورات القرن العشرين إلى حيث تجسد مع التفاؤل شكلا أقرب إلى الواحة الفكرية التي يأوى الناس إليها.
لكن مؤلف الكتاب يرد على ذلك قائلا (ص89): مع نهاية القرن العشرين، بدأ يتبدد ذلك التفاؤل الذي كان قد شاع وساد منذ نحو 100 سنة سبقت بشأن قدرة العقل البشري على السيطرة على عالمه بما يطلق العنان لتيار بالغ العنفوان من الأفكار.
وربما الذي بقي ليس الأفكار والتأملات، بل العواطف والانفعالات وهو ما وصفه المؤرخ الإعلامي الأميركي «مارك فيشر» في تعليقه على ما طرأ من تغيير على تحرير وإخراج جريدة شيكاغو تريبون حين قال: لقد أرادوا أن تكون الصحف شيئا يحبه الناس.والمعنى كما يعلق مؤلف هذا الكتاب هو أنهم استعاضوا بذلك عن أن تكون الصحف أداة من أجل توعية الناس وتثقيف الناس.
من هذا كله يخلص المؤلف إلى أن إعلام المستقبل لابد وأن يكون إعلاما تفاعليا، بمعنى أن تسهر وسائل الإعلام على إدامة التواصل بين المُرِسل والمستقبل بحيث لا تظل الرسالة مقدمة من طرف واحد. وهو يرى أن في هذا أيضا تحقيقا للمبادئ الديمقراطية التي ترفض الوصاية، حتى لو كانت من وسائل الإعلام، على عقول وأفئدة المتلقين.
ومع هذا كله يظل الأساس هو عنصر الجذب والتشويق، وهو ما قد يكفله تطوير وسائل الإعلام من أجل أن تستثمر كل الطاقات المتاحة في عصرنا ابتداء من عدسة الكاميرا إلى شاشة الحاسوب دون إغفال الدور الأساسي الذي ظلت تضطلع به الكلمة بوصفها وسيلة المعرفة التي ظل الإنسان يعتمدها منذ بدء الخليقة وحتى تحرير فصول الكتاب وكتابة هذه السطور.
الكتاب: ماذا يجري للأخبار؟
عدد الصفحات: 224
تأليف: جاك فوللر
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: مطبعة جامعة شيكاغو- شيكاغو- 2010

