في ختام قمة لشبونة، أعلن حلف «ناتو» أنه توصل إلى اتفاق مع الحكومة الأفغانية يقضي باستمرار العمليات القتالية في أفغانستان لسنوات مقبلة، غير أنه أبعد ما يكون من الوضوح ما إذا كانت هذه الخطط، التي تتضمن تأجيل تسليم القوات الأفغانية المسؤوليات الأمنية حتى عام 2014، ستلقى الرضا والدعم من كابول.
فالرئيس الأفغاني حامد قرضاي رجل متقلب، ونظرته للعالم الآن مناوئة للغرب بشكل حاسم، وعندما تحدثت إليه، أخيراً، في القصر الرئاسي في كابول أخبرني بأن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق السلام في أفغانستان، وفي ضمان تعاون باكستان.
التي تعتبر ملاذا آمناً لطالبان، ونفى الانتقادات الأميركية لحكومته واتهامها إياها بالفساد وسوء الإدارة، وقال إن اللوم الأكبر في كل الأخطاء التي ترتكب في أفغانستان يتحمله الأميركيون.
مقابلتي معه التي دامت لساعتين تقريبا كانت حيوية، وفي أحيان كنت أعود إلى الماضي بقوة لأذكره بالتزامات سابقة له، ودعمه لقيم، مثل الديمقراطية الشفافة، خاصة أنه كان في مقابلات سابقة معي أو معي غيري يركز الحديث عليها.
غير أنه في هذه المقابلة تحديداً رفض الولوج إلى الأمر من أية زاوية كانت، وفي نهاية حديثنا، كان واضحاً لي أن وجهة نظره تجاه الأحداث العالمية، وزيادة الوجود العسكري لحلف «ناتو» في جنوبي أفغانستان.
وجهود إعادة الإعمار في بلاده قد تغيرت إلى حد كبير، فهدفه الحالي الذي يطغى على كل أمانيه الأخرى هو عقد اتفاق سلام مع طالبان، وإنهاء الحرب، وهو مقتنع بأن ذلك كفيل بحل كل المشكلات الأخرى التي يواجهها، مثل انتشار الفساد وسوء الحوكمة والافتقار إلى الإدارة.
هذه النظرة الجديدة من جانب قرضاي هي التحول السياسي الأكثر دراماتيكية الذي تعرض له خلال السنوات الست والعشرين الماضية التي عرفته فيها، وهذه النظرة، على الرغم من أنها تدفعها قدماً في أحد جوانبها نظريات المؤامرة، فهي تعتمد أيضاً على تسع سنوات من الإحباط المتزايد من الغرب.
وهو لم يعد أحد المؤيدين للحرب على الإرهاب، كما تعرفها واشنطن، ويقول إن زيادة نشاط «ناتو» وأميركا العسكري الحالي جنوبي أفغانستان لا تجدي نفعاً، لأنها تعتمد على حساب عدد القتلى من طالبان كمؤشر للتقدم والنجاح، وفي هذا عودة إلى ما سبق أن شهدته فيتنام.
كما أنه يتناقض بشكل صارخ مع سياسة ديفيد بترايوس الجديدة التي ترتكز على كسب ود الناس، ويسعى قرضاي تحديداً إلى وقف الغارات الليلية التي تشنها القوات الخاصة الأميركية، وهذا المطلب وضعه في صدام مباشر مع قائد القوات الأميركية ديفيد بترايوس.
وبحسب قرضاي، فإن تلك الغارات أدت في الأشهر الثلاثة الأخيرة إلى اعتقال ومقتل 368 قائداً من قواد طالبان متوسطي المستوى، وكذلك مقتل 968 جندي مشاة، لهذا فإنه يرى أن تلك الغارات تأتي دوماً بنتائج عكسية، لأنها تجلب عداء المدنيين الأفغان، وفي حقيقة الأمر فلا أحد يعلم على وجه اليقين عدد المدنيين المندرجين في أرقام الخسائر التي يقدمها الجيش الأميركي.
في قمة لشبونة، التي عقدت أخيراً، نحا الرئيس الأميركي باراك أوباما جانباً مخاوف قرضاي من الغارات الليلية، وقال «نحن ننفق مليارات الدولارات لضمان استمرار الرئيس قرضاي في بناء بلده وتطويره، لهذا عليه أن يراعي مخاوفنا نحن أيضاً».
وكذلك فإن قرضاي يذهب إلى القول إن هناك بديلاً أساسياً غير حلف «ناتو»، إذ يمكن أن تتحمل المسؤولية الدول المجاورة، مثل باكستان، لإنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية مع طالبان، وباكستان.
التي تتمركز فيها معظم قيادات طالبان، تسعى من ناحيتها لأن يكون لها دور رئيسي في أية مباحثات بين حلف «ناتو» أو قرضاي وطالبان، غير أن قرضاي أخبرني أن باكستان لم تقدم أي دعم حقيقي خلال الأشهر الستة الماضية لتسهيل عملية السلام.
ويشعر قرضاي بالتعب والغضب على نحو يائس من كم الرسائل الهائلة والمختلطة التي وصلته في السنوات التسع الماضية، في البداية من واشنطن، والآن من حلف «ناتو» ولا يزال يشعر بالاستياء من حقيقة أن الرئيس الأميركي جورج بوش رفض تأمين القوات أو الموارد الكافية لضمان أمن أفغانستان وسلامتها للسنوات الأربع التي تلت عام 2001.
مما لا شك فيه أن أفغانستان لن تنهي علاقتها بالولايات المتحدة، غير أن من الواضح أن هناك شرخاً عميقاً في العلاقة بينهما لا يبشر بخير لكلا البلدين.
بقلم ـ أحمد رشيد
ترجمة ـ يوسف جباعته
