صحيح أنهم اجتمعوا وتحاوروا وتداولوا في كل، أو فلنقل في أغلب، القضايا التي تسبب صداعا اقتصاديا لعالم اليوم.. نتحدث عن أعضاء مجموعة العشرين التي اجتمعت في سول ــ عاصمة كوريا الجنوبية وقد ضمت كما هو معروف قادة أهم دول متقدمة ونامية وصاعدة في عالمنا. تتحدث أيضا عن أعضاء مجموعة الثمانية التي ما زالت تمسك بأهم مقاليد المال والاقتصاد في هذا العالم وقد حرص قادتها على التحول من «سول» الكورية إلى «يوكوهاما» في اليابان.
وصحيح أن ثمة قضايا محورية كانت قد طرحت نفسها، وبإلحاح شديد، ولعلها ما برحت تفعل ذلك بنفس الإصرار الملّح..على أجندات العشرين أو الثمانية ــ وفي مقدمتها ــ كما أصبح معروفا للكافة قضية العملات التي أصبحت في حالة صراع على ساحة السوق الدولية وخاصة فيما يتعلق بالموازين التجارية للدول ما بين الصادرات والواردات. ولعل أبرز نموذج ما زال يؤرق صناع القرار الأميركي بالذات هو ذلك الانخفاض الملحوظ، بل والمثير الذي تتسم به عملة الصين ــ اليوان وهو انخفاض تراه مؤسسة الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (البنك المركزي الأميركي) ظاهرة متعمدة، بل يرونها مصطنعة عمدت إليها بيجين من أجل طرح الصادرات الصينية في طول السوق العالمية وعرضها بأسعار منخفضة لدرجة بلغت حد الاستحواذ على مقاليد هذه السوق من جهة وبلوغ حالة الإغراق السلعي في السوق الأميركية من جهة أخرى.
وبديهي أن كانت النتيجة هي مزيد من اختلال الميزان التجاري بين واشنطن وبيجين ولصالح الطرف ــ الشريك الصيني بطبيعة الأحوال.
حول خصوم أوباما
ومن زمرة محللي السياسة والاقتصاد في أميركا ــ ونحن نكتب منها هذه السطور حاليا ــ من يذهب إلى أن الشأن الصيني أصبح يشكل هاجسا استبد بأركان الإدارة الأميركية الحالية خاصة بعد هزيمة الحزب الديمقراطي الحاكم في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة بالكونجرس. وانفتاح شهية المعارضة الجمهورية وبشكل بالغ التحفز للانقضاض على مقاليد الأمور.. وبما يكفل بالنسبة لهم الحيلولة دون حصول الرئيس أوباما على ولاية التجديد الثانية المرتقبة بحكم الدستور..
وبمعنى آخر.. التعامل على مدار العامين القادمين مع «بطة عرجاء في البيت الأميركي الأبيض».. لا تلبث أن تفسح المقر الرئاسي لمرشح جمهوري يتولى من جديد تكريس مصالح حيتان البيزنس وبارونات الموارد الطبيعية وهوامير المال والأعمال في بورصات وول ستريت.
ولقد بلغ أمر الهاجس الصيني إياه أن كتب واحد من أهم المحللين الأميركيين بعنوان رحلة الرئيس الأخيرة موضحا أنه رغم أنها حملت عنوان «الرحلة الآسيوية»..
ورغم أن جدولها أو خط سيرها حرص على أن يمر بعدة محطات ما بين الهند إلى باكستان ــ وما بين كوريا وإندونيسيا إلى اليابان، إلا أن الصين التي لم تكن على جدول الرحلة كانت هي المحطة الأخطر والنقطة الأصعب التي ظلت تلح على خاطر الرئيس أوباما أو هي الوسواس الذي ما برح يقض مضاجع الرئيس الأميركي ومعاونيه رغم أنه لم يطرح أمر هذا الهاجس الصيني لا في سول ولا في يوكوهاما (روبرت كابلان، نيويورك تايمز، عدد 12/11/2010).
مع هذا كله.. ورغم الأهمية الفائقة لقضية سعر صرف العملات وما يترتب عليها من اختلال أو اعتدال الموازين التجارية في وقت أزمة اقتصادية ــ مالية طاحنة ما زالت تجتاح العالم ــ إلا أن القادة العشرين والزعماء الثماني في المدينتين الآسيويتين كان عليهم أن يتطرقوا إلى قضية بدأت تشق طريقها ــ على استحياء في البداية ثم ما لبثت أن شرعت تفرض نفسها بإلحاح على معسكر «الشمال» من عالمنا على وجه الخصوص: صحيح أن ثمة قضايا غير اقتصادية في الأساس ما زالت تتسم بنفس الإلحاح..
وفي مقدمتها مثلا قضية تغير المناخ بكل ما يرتبط به من أخطار وما يصدر بشأنها من تحزيرات لكن القضية الجديدة التي ما زالوا يحيطونها بقدر ملحوظ من التعتيم جاءت لتحمل العنوان التالي:
شيخوخة السكان
وهي القضية التي أفردت لها مجلة «فورين بوليسي» ملفا كاملا في أحدث أعدادها الصادرة (عدد تشرين الثاني/نوفمبر 2010) واختارت له العنوان التالي:
الشيخوخة العولمية
ثم عمدت المجلة الأميركية إلى تفسير هذا العنوان مستخدمة عبارات تقول:
ر إن ثمة موجة تسونامي رمادية اللون (يقصد وهن المشيب) باتت تجتاح (تكتسح) كوكبنا.. لدرجة تدفع إلى طرح السؤال:
ر كيف أصبح العالم عند هذه الدرجة من الشيخوخة.. وبهذه السرعة ــ
وتلك مشكلة بالغة التعقيد وهي بلا شك أعقد في تناولها والتماس حلولها من مشكلة المناخ.. لماذا ــ لأن قضية المناخ لا يماري فيها أحد وقد انعقد على مقاربتها إجماع عولمي أو كوكبي أو ما يشبه الإجمال.
لكن قضية شيخوخة العالم وبلوغه مرحلة يبلغ فيها من الكِبر عِتيا.. ما زالت تجد من يرفضها أو ينكرها أو يتجاهلها أو حتى يسكت عنها.
أسباب الظاهرة
وفي تصورنا أن في مقدمة هذه الأسباب أنها أصابت بالدرجة الأولى دول الشمال في العالم ولا تزال ــ منها إيطاليا ومنها ألمانيا ومنها انجلترا ومنها أيضا اليابان. في هذه الدول بلغت نسبة الشيخوخة أرقاما متصاعدة.. وبديهي أن يرجع السبب أساسا إلى تحسن صحة السكان بفضل تقدم أسباب العلاج وسجل الرعاية الصحية فكان ذلك الارتفاع القياسي..
مع سنوات القرن العشرين فيما يصفه المصطلح الديموغرافي العربي بأنه «الأجل المتوقع للحياة (جينم ٍِّمكُّفَك ــ ) وبهذا المعنى يطول العمر ويزيد عدد المتقاعدين وتطول سنوات تقاعدهم بمعنى انقطاعهم عن العمل ومن ثم تزيد مطالبهم التقاعدية صحية كانت أو مالية أو اجتماعية.. هذا في حين تنكمش باطراد المجموعات الشبابية وما قبلها وما فوقها ضمن الكتلة السكانية المؤهلة لدولاب العمل ودوران عجلة الإنتاج.
ومن عجب أن نفس الأقطار التي أصبحت تشهد ــ كي لا نقول تعاني هذه الظاهرة ــ الرمادية كما تسميها «فورين بوليسي» ــ ومنها ألمانيا مثلا باتت في الآونة الأخيرة تعرب عن عدم ترحيبها بالمهاجرين القادمين من أقطار جنوبية ــ أفريقية ــ آسيوية أو شرق أوسطية لديها فوائض من القوى الشبابية القادرة على العمل والإنتاج.
ألمانيا أيضا باتت تعلن عن سياسات مناهضة للهجرة أو الترحيب بالمهاجرين ولدرجة أن تعرب الزعامة الألمانية مؤخرا عن نوع من التنديد بالمهاجرين بدعوى أنهم عجزوا عن الذوبان أو الاندماج في أوساط المجتمع الألماني..
وتنسى هذه الزعامة أن ألمانيا الجديدة ــ بمعنى تلك التي أعيد بناؤها كي تنهض أطلالها من دمار الحرب العالمية الثانية ــ وكان ذلك في عقدي الخمسينات والستينات بالذات ــ قامت بكل موضوعية على أكتاف وكواهل المهاجرين من العمال المسلمين من تركيا على وجه الخصوص. والمشكلة أن أوروبا تجتاحها في الوقت الراهن موجة يمكن تسميتها بأنها «فوبيا المهاجرين».
وفي غمار هذه الموجة من الحض على كراهية تدفقات الهجرة من أفريقيا وآسيا وأحيانا من أوروبا الشرقية ــ الشيوعية سابقا ــ يحذر عقلاء السياسة والاقتصاد من تنامي هذه الموجات غير العقلانية فيما يعمدون للتنبيه إلى أن معظم دول أوروبا ما زالت بحاجة أكثر من ماسة إلى الشباب والأيدي العاملة والقوى البشرية الوافدة عبر الحدود..
وهؤلاء العقلاء هم أول من يتفقون على أهمية ترشيد تدفق الهجرات على أساس انتقاء العناصر الأفضل من حيث القدرة والصحة والمهارة ومستوى التعليم وما إلى ذلك من العوامل المساعدة في عمليات التنمية وفي جهود البحث والتطوير على نحو ما يصفون به جهود الدرس والابتكار العلمي.
نموذج أميركا
لكن هذا الترشيد شيء.. في حين أن نشر الكراهية على طول الخط، دعك من نشرها في ميديا الإعلام الشعبي أمر مختلف تماما ــ إن لم يكن ضارا بالمصالح القومية في التحليل الأخير. نفس العقلاء الأوروبيين يشيرون إلى تجربة الولايات المتحدة الأميركية: هي في المحل الأول كيان أطلسي إن شئت التعبير، وبمعنى أنه معرض شأن أنداده شرقي الأطلسي إلى ظاهرة الشيخوخة الرمادية والاكتهال الواسع النطاق.
لكن المجتمع الأميركي ظل عبر تاريخه يتمتع بقدر من رونق الصحة وعافية الشباب على نحو أو آخر. ويرجع الفضل في ذلك، ولعله لا يزال إلى أن أميركا أمة من المهاجرين بالدرجة الأولى.. تكونت كما يقول تاريخها القصير على يد العناصر الوافدة من أوروبا عبر المحيط وقد خلع عليها مؤرخو الشأن الأميركي وصف «الحُجّاج» ثم نعمت وما زالت تنعم بموجات من الهجرة التي جاءتها عبر القرن العشرين بالذات من كل فجاج الأرض..
فما بالك عندما عمدت أميركا إلى تفعيل ما يمكن أن نصفه بأنه «عملية استيراد، ومن ثم استنبات بشري» للمواهب والقدرات النابغة التي استقدمتها أميركا أو فلنقل ورثتها عن حقبة النازي في ألمانيا حيث جاءتها طيلة هذه الحقبة وما في أعقابها كفاءات فتية وإمكانات بشرية لامعة وطاقات ومواهب مارست كل صنوف الابتكار العلمي والإبداع التكنولوجي .
خاصة حين رفدتها المصالح الأميركية المتوطنة بالإمكانات المالية فكان أن تفتحت أمام أميركا عوالم جديدة أتاحت لها أن تتبوأ مكانة فريدة ولا سيما في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وهي مكانة لم تتحقق في تصورنا لأن أميركا استحوذت على قوة حرب جبارة بقدر ما تحققت لأن أميركا ارتفعت إلى مستوى التنافس العلمي والبحثي والاستكشافي والإبداعي ضد غريمها الاتحاد السوفيتي فكان أن قدمت أميركا لعالمها إنجازات الصعود إلى القمر وإطلاق التوابع (الأقمار) الاصطناعية لتحقيق قفزة جبارة في دنيا الاتصال الكوكبي وصولا إلى ثورة الحواسيب الإلكترونية التي توجتها، ولا غرو شبكة المعلومات الكوكبية ــ الإنترنت.
مساهمات الهسبان
ويكاد ينعقد الإجماع في أميركا على أن أول عناصر هذا الاستحواذ الأميركاني يتمثل في ترجمة العبارة أو الظاهرة التي ما برحت تصف أميركا بأنها أمة المهاجرين.. ألا ترى مثلا إلى قطاع الخدمات وهو عصب الاقتصاد الأميركي إلى جانب قطاع الإنتاج، حيث تقوم الخدمات أساسا على عناصر «الهسبان» وهم المهاجرون القادمون من قارة أميركا اللاتينية ــ المكسيك المجاورة بالذات ــ وهي القارة التي يصفونها أحيانا في الأدبيات التاريخية والسياسية في أميركا بأنها «الردهة الجنوبية أو الفناء الخلفي للولايات المتحدة» ــ
مرة أخرى لم تعد ظاهرة الشيخوخة الديمغرافية هذه مقصورة على أوروبا وأميركا.. بل هناك من بات يحذر من انتشارها حول العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه.
ومنذ أكثر من 42 عاما أصدر المفكر «بول أرليش» كتابه الذي استأثر وقتها باهتمام العالم وجاء الكتاب تحت العنوان التالي:
القنبلة السكانية
كان ذلك في عام 1968 على وجه التحديد وحفل الكتاب بنبوءات بالغة التشاؤم تتبع ولا شك من تشاؤم نظرية «مالتوس» الشهيرة بشأن عدم الاتساق بين تزايد السكان بشكل مطرد وتزايد الموارد بشكل محدود. يومها قال الكتاب أن عقدي السبعينات والثمانينات قد يشهدان ملايين من البشر وهم يتضورون جوعا.. حتى الموت في بعض الأحيان.
ونحمد الله إن لم تتحقق تلك النبوءة.
ببساطة لأنها قامت على أساس اطراد زيادة البشر في العالم.. والذي حدث أن تناقص عدد سكان العالم نظرا لتناقص عدد المواليد ومن ثم هبطت نسبة زيادة سكان العالم من 2 في المائة خلال عقد الستينات إلى نسبة 1 في المائة مع حلول التسعينات بل بات العالم يشهد تناقصا في المواليد ولكن مع تزايد في كبار السن.
الظاهرة.. بالأرقام
دعا فريق المهتمين بظاهرة تناقص المواليد وزيادة كبار السن إلى طرح آرائهم أو تحذيراتهم على النحو التالي:
ــ منذ 4 عقود كان التحذير مما كان يوصف بأنه «قنبلة السكان» لكن آن الأوان لتحذير جديد مما يمكن أن نطلق عليه وصفا جديدا هو:
ــ قنبلة الشيخوخة:
وبالأرقام تشهد أحدث الإحصاءات العالمية بما يلي:
ــ على مدار العقود الأربعة المقبلة، من المقرر أن يزيد مجموع سكان العالم بمقدار الثلث تقريبا أي من 9 .6 مليارات نسمة إلى 1 .9 إنسان من أهل كوكبنا الأرضي الكلي الاحترام. (إسقاطات شعبة السكان بالأمم المتحدة).
ــ لكن هذه الزيادة لن تتأتى في معظمها من واقع زيادة المواليد بقدر ما تحدث بسبب طول أجل الحياة وزيادة عدد المسنين بل والطاعنين في السن. ومرة أخيرة.. تشهد الأرقام بما يلي:
** من المتوقع أن تنخفض النسبة العالمية للمواليد وللأطفال دون الخامسة من العمر بمقدار 49 مليون نسمة مع انتصاف القرن الحالي.
ــ وبالمقابل من المتوقع زيادة عدد آبائهم بل أجدادهم من كبار السن ــ المتقاعدين ممن تجاوزوا سن الستين إلى حد يصل بغير مبالغة إلى 2 .1 مليار إنسان ممن اشتعلت رؤوسهم بالمشيب.
ــ ترى كيف ولماذا وصل العالم إلى هذا الوضع المنذر بالخطر ــ
والسؤال لا يزال مطروحا.
محمد الخولي

