رغم الانشغال الشديد من جانب قادة وزعماء مجموعتي العشرين والثماني اللتين عقدتا مؤخرا في كل من سول الكورية، ويوكوهاما اليابانية بأجندة العلاقات الاقتصادية الدولية وخاصة ما أصبح يعرف في الأدبيات المعاصرة بأنه «حرب العملات» التي ما زال يثيرها ما تعمد إليه الصين من خفض سعر صرف «اليوان» ــ عملتها الوطنية بهدف خفض أسعار صادراتها وهو ما يؤرق مضاجع الاقتصاديين الأميركيين ــ رغم هذا كله فثمة بند أصبح في غاية الأهمية ويقتضي الأمر إدراجه على جدول أعمال قادة العالم.

ويتمثل هذا البند في الظاهرة المستجدة على المشهد الديموغرافي في عالمنا وتعرف بين المتخصصين بأنها «شيوخة السكان» وتجسدها تلك الزيادة التي باتت مشهودة بين الفئة العمرية المتقدمة وأحيانا الطاعنة في السن بين سكان العالم.

وهو ما يرادف مشكلة مزدوجة تتمثل أولا في زيادة التحميل على جوانب الخدمات المعاشية والصحية والاجتماعية الواجب تقديمها لجموع السكان المتقاعدين فيما تتمثل ثانيا في أن هذه الجموع المتزايدة من الفئة الرمادية بمعنى ذات الشعر الأشيب لم تعد لتشارك في زيادة الإنتاج أو الإسهام في قطاع الخدمات وهما أسس الاقتصاد في الدولة الحديثة.

وتعاني أوروبا بالذات (وربما اليابان) من مشكلة الشيخوخة رغم أن أوروبا شهدت مؤخرا شعارات مناهضة لاستقبال المهاجرين والانتفاع من خدماتهم وخاصة فئات الشباب العمرية، فيما ترجع نهضة بلد كبير مثل الولايات المتحدة إلى أنها في جوهر تكوينها تشكل «أمة من المهاجرين» بمعنى أنها أفادت في مسيرها من تدفقات الهجرة الوافدة التي أمدتها، وما زالت تمدها بعناصر فتية وإمكانات فنية تكفل لمسيرتها كل أسباب التجدد والابتكار وإدارة عجلة الإنتاج والخدمات.

هناك دول أخرى تعاني من نقص وعجز كبير في تعداد السكان، مثل روسيا التي يتناقص تعداد سكانها سنويا بشكل يهدد في رأي البعض بانقراض الأمة الروسية على مدى قرن قادم، ومن هذا المنطلق تسعى الحكومة الروسية إلى تشجيع العائلات على النسل وزيادة عدد الأبناء.

وقد قررت الحكومة منذ ثلاثة أعوام مضت منح مكافأة مالية عن الطفل الثاني الذي يولد في الأسرة تقدر بأكثر من عشرين ألف دولار، وتسعى روسيا لزيادة الهجرة إليها، إلا أنها تعاني من تدني مستوى المهاجرين إليها، حيث أن معظمهم يأتي من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق الذين يعانون من الفقر ويسعون لتحسين دخولهم، ومعظمهم من عديمي الخبرات الفنية والعلمية ويمارسون التجارة في الشوارع والأسواق، وكثير منهم يشكل خطورة على الأمن الداخلي.

في حين لا تعد روسيا من الدول الجاذبة للهجرة عالية الكفاءة والخبرة العلمية، ويشكل كبار السن في روسيا نسبة كبيرة بين السكان لا تقل عن ثلاثين في المائة من السكان، وتشكل هذه الفئة عبئا كبيرا على موازنات الدولة الروسية باعتبارها فئة غير منتجة في هذا العمر، وإن كانت الحكومة الروسية تحرص بشدة على تكريم هذه الفئة ومنحها امتيازات خاصة مقابل ما أفنت فيه عمرها من جهد كبير في بناء الدولة.

مشكلة الشيخوخة وكبار السن لا يجرؤ الكثيرون على طرحها للنقاش باعتبار أن طرحها أمر مخجل للمجتمع والدولة التي يجب عليها أن تتعامل مع فئة كبار السن باحترام واعتراف بالجميل، إلا أن الواقع العملي، وخاصة في ظل ظروف الأزمة يضع المشكلة الديمغرافية السكانية على قائمة مشكلات المجتمعات، لتصبح فئة كبار السن عبئا على ميزانيات الدولة، وربما لهذا طرحت الحكومة الفرنسية قانونها الأخير بمد سن التقاعد حتى تستطيع الدولة الاستفادة أكثر من كبار السن قبل تقاعدهم النهائي.

فئة كبار السن يجب تكريمها والتعامل معها باحترام وعرفان بالجميل، ولكن يجب أيضا الاستفادة من إمكانياتها وعدم التعامل معها على أنها فئة استنزفت قواها ولم تعد مجدية للمجتمع، خاصة وان الكثير من كبار السن أكثر خبرة بكثير من الشباب وربما أكثر قوة وقدرة على العمل.