يكفي أن يمر أسبوع أو أسبوعان دون أن يسفك الأتراك دم إسرائيل في إحدى الساحات الدولية، حتى يحيكوا عندنا الأحلام عن استعادة المجد واستئناف قصة الغرام الاستراتيجية بين إسرائيل وتركيا. وعليه فقبل أن نتلقى صفعة تركية أخرى تعيدنا إلى الواقع، ينبغي أن نعود لنكرر لأنفسنا: في تركيا قام نظام مناهض لليهود، مناهض لإسرائيل وبالطبع مناهض للصهيونية، قدماه مغروستان في أيديولوجيا إسلامية متطرفة.
أعضاء النواة التأسيسية لمنظمة الـ IHH التي وقفت خلف الأسطول العنيف، وقادة النظام الحالي في تركيا، بمن فيهم رئيس الوزراء اردوغان، نشأوا كلهم من ذات التيار الإسلامي ـ الصوفي، «النقشبندية»، تعلموا ذات النصوص الصوفية، زاروا ذات المدارس واكتسبوا ذات الايديولوجيا التي تروج، ضمن أمور أخرى، إلى الجهاد ضد إسرائيل. وقد حصل هذا قبل وقت طويل من غدو اردوغان رئيسا للوزراء وقبل زمن طويل من اكتشافهم عندنا فجأة بأن الـ IHH ليست بالضبط منظمة خيرية.
الاعتراف بالقصور
اليوم فقط، بعد حدث الأسطول، يفهمون في أجهزة الاستخبارات في إسرائيل بأن العلاقة بين اردوغان ومنظمة IHH يست مجرد مسألة دعم، عطف وعزة تركية. ومع ألف فارق، هذا بالضبط وكأن الاستخبارات التركية كانت ستكتشف فجأة بأن العلاقة بين الوزير ايلي يشاي وتيار التعليم «ال همعيان» (النبع) تمر عبر حركة شاس.
بتعبير آخر، بعد الأسطول التركي، حين جلس قادة جهاز الأمن أمام الصحفيين وادعوا بتصميم بأن تركيا ليست هدفا لجمع المعلومات الاستخبارية، وبالتالي لم تكن لديهم معلومات ذات صلة عن الـ IHH ، فقد كان هذا صراحة اعتراف بالقصور. القاضي تركل يمكنه ان يوقف التحقيق منذ اليوم. فقد اعترف قادة جهاز الأمن والاستخبارات بالذنب.
يحتمل جدا ألا يكون لمحافل الاستخبارات في دولة إسرائيل اهتمام في الـ IHH . ولكن لا يحتمل ألا يكون لها اهتمام بالنظام التركي ومن يقف على رأسه: ما هي خلفيتهم، لأي تنظيمات يمكنهم أن يرتبطوا وما شابه. إذ يدور الحديث عن قادة الدولة التي هي حليف استراتيجي مركزي في المنطقة. وهذه معلومات استخبارية أساسية، أولية.
حدث في ألمانيا
يوجد هنا قصور، كله جهل وسطحية من الأجهزة السياسية والاستخبارية. والذي هو أكثر إثارة للغضب: هذه المادة كانت موجودة لدى محافل استخبارية صديقة في أوروبا. الألمان، مثلا، يحققون في الـ IHH منذ زمن بعيد. ومنذ العام 1992 أجروا حملة تنظيف اسطبلات في فروع المنظمة في ألمانيا بسبب علاقاتها مع نشاطات الجهاد العالمي.
المنظمة تحتفظ في ألمانيا بنحو 700 مسجد، وابتداء من 1990 يعمل في هذه المساجد رجال حماس في جمع المال لنشاطهم في المناطق. وفي منتصف التسعينات توجه الألمان إلى حكومة تركيا وطلبوا منها تعطيل النشاط الجهادي لمنظمة الـ IHH والجيش التركي بالفعل دخل فروع الحركة، ووجد هناك سلاحا ومواد دعائية وأُخرجت الحركة على القانون.
التقدير هو انه في التيار الصوفي في تركيا يوجد اليوم نحو 7 .2 مليون عضو، وفي أوروبا ـ في ألمانيا أساسا ـ نحو نصف مليون مؤمن. ما لا يقل عن خمسة وزراء في الحكومة التركية، بمن فيهم رئيس الوزراء، نشأوا من هذا التيار. الـ IHH وحزب السلطة في تركيا هما عمليا ذات الشيء.
ضمن أمور أخرى يوجد لهما أيضا بنك مشترك، هو قناة نقل الأموال الدائمة لحماس. وليس صدفة، قبل بضعة أشهر من الأسطول اعتقلت المخابرات الإسرائيلية عضوا في منظمة الIHH ، عمل هنا على نقل الأموال لحماس (وحرر بضغط من الحكومة التركية).
أما الآن، وحين تبدأ محافل الاستخبار في إسرائيل دراسة الموضوع التركي بعمق، لعلّه ينطفئ صوت أولئك الذين يواصلون الادعاء بأن تركيا هي دولة هامة جدا في الشرق الأوسط، ولهذا فان إسرائيل ملزمة بأن تفعل كل شيء كي تحافظ على العلاقة معها. وكأن هذا الأمر منوط بنا. يديعوت ـ اليكس فيشمان
الحزب الإسلامي
أقيم في تركيا حزب الرفاه الإسلامي بقيادة نجم الدين اربكان، الذي في أساس قوته هو التيار الصوفي «النقشبندية». رجب طيب اردوغان، كعضو كبير في التيار الصوفي الملتزم بالمبادئ النقشبندية، كان أيضا عضوا كبيرا في الحركة السياسية الجديدة التي صعدت إلى الحكم في 1997.
وكان الجيش أبعدهم عن الحكم نظرا لتطرفهم الفكري وخطورتهم على مبادئ الدولة التركية العلمانية، ولكن الحزب أقيم من جديد مع ذات أساس التأييد في 2002، كحزب العدالة والتنمية، فاز في الانتخابات وهو يسيطر على تركيا حتى يومنا هذا، ويحظى بشعبية كبيرة تشجعه على إجراء تغييرات جذرية في بنية المجتمع والدولة التركية.
