على إسرائيل أن تعيد التعريف وبشكل واضح لخطوطها الحمراء، وألا تترك مجالا للشك بالنسبة لاستعدادها للإصرار على احد مبادئها الأساسية منذ قيامها وهو ـ السيادة في القدس.
فور نهاية حرب الاستقلال تعرض دافيد بن غوريون لجملة ضغوط حول مستقبل القدس. قبل ذلك، في 1947، تبنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرار 181 الشهير بـ «مشروع التقسيم». هذا المشروع، إضافة إلى دعوته إقامة دولتين في أراضي الانتداب البريطاني، أوصى أيضا بوضع القدس تحت سيطرة الأمم المتحدة كـ «كيان منفصل» (Corpos Seperatum).
القرار لم يكن ملزما من ناحية قانونية، ورفضته الدول العربية. الأمم المتحدة لم تنشئ أبدا نظاما خاصا في القدس ولكنها واصلت الإصرار على إقامته، وذلك، رغم أنها لم تبعث بالقوات لإنقاذ البلدة القديمة حين بدأت التقارير عن أن الكنس العتيقة تهدم بمنهاجية. في هذه المرحلة، أيدت حكومة الولايات المتحدة أيضا تدويل المدينة.
رفض بن جوريون
ومع ذلك، في خطاب في الكنيست في 5 يناير كانون الأول 1949، رفض بن غوريون اقتراح التدويل رفضا باتا. واستعرض الأحداث في أثناء حرب الاستقلال وشرح كيف أن الأمم المتحدة لم تحرك ساكنا عندما حاولت الجيوش العربية الغازية تدمير القدس. وكان هذا فقط بفضل جهود الجيش الإسرائيلي، الذي أقيم لتوه، أن ازيل الحصار عن القدس ونجا ما تبقى من السكان.
وأعلن بن غوريون بان إسرائيل لم تعد ترى في قرار 181 ساري المفعول أخلاقيا بالنسبة للقدس.
بعد أربعة أيام من ذلك ردت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بالإصرار على أن القدس يجب أن تكون تحت نظام دولي دائم. بن غوريون لم يخف وصرح في13 يناير كانون الأول 1949 بان الكنيست والحكومة ستنقلان مقريهما من تل أبيب إلى القدس. في منظور الستين سنة يمكن القول إن اقتراح التدويل فشل تماما. ومع ذلك، يبدو الآن أن الاقتراح مرة أخرى على الطاولة. الاقتراح العلني قبل أيام لرئيس الوزراء السابق، ايهود اولمرت، بالنسبة للبلدة القديمة، بما في ذلك منطقة الحرم والمبكى تضمن «وصاية دولية».
خطة أولمرت
حسب خطة اولمرت، التي لم تطرح على الإطلاق على البحث في الكنيست، فانه سيتعين على إسرائيل أن تتنازل عن سيادتها في الأماكن الأكثر قدسية للشعب اليهودي في المنطقة التي حظيت بقسم «الحوض المقدس» وتضمنت مناطق خارج البلدة القديمة، مثل المقبرة اليهودية العتيقة في جبل الزيتون. كيف يمكن أن تعود فجأة الفكرة التي أدت إلى مصيبة منذ الأيام الأولى للدولة إلى جدول الأعمال السياسي بل وان يؤخذ بها في صيغ مختلفة في دوائر أخرى؟ ماذا حصل؟
هل هذا الاستعداد ينبع من نتيجة الإحساس بأنه منذ حرب الأيام الستة وتوحيد المدينة باتت إسرائيل اقل ثقة بحقوقها مما كانت في 1949؟
ليس لهذا الإحساس أي مبرر على الإطلاق. الأغلبية اليهودية عادت إلى القدس منذ 1863، هكذا حسب القنصل البريطاني في القدس في تلك الأيام. بعد 1967 أشار رجال قانون دوليون كبار، مثل ستيفن شوفل، الذي عين لاحقا رئيس المحكمة الدولية في لاهاي، إلى حقيقة أنه بينما احتل الأردن واحتفظ بالقدس كنتيجة لعدوانه في 1948، فان إسرائيل احتلت تلك المناطق في حرب دفاعية، ولهذا فان حقها فيها اكبر من حق المطالبين الآخرين في تلك الفترة.
الوصاية الدولية
إسرائيل دافعت عن حرية العبادة للأديان الثلاثة في القدس، في خلاف واضح مع حكامها السابقين، وعززت بذلك حقها الأخلاقي في السيادة على الأماكن المقدسة وعلى المدينة الموحدة. وحتى وان كان بعض من النخب السياسية في إسرائيل نسيت ما كان واضحا من تلقاء نفسه بالنسبة لابا ايبان وحاييم هيرتسوغ فليس في ذلك ما يمس بالحقوق التاريخية لإسرائيل.
لا يوجد أي أساس في الواقع لفرضية من هذا النوع. في العشرين سنة الأخيرة الرقابة الدولية في مناطق النزاع انتهت غير مرة بمصيبة.
في 1994 قوة دولية في رواندا تشكلت أساسا من المظليين البلجيكيين الذين رابطوا للتأكد من تطبيق اتفاق السلام، انسحبت وتركت قبيلة التوتسي لأفعال قتل الشعب. مجلس الأمن في الأمم المتحدة عرقل كل محاولة لخطوة فاعلة كان يمكنها أن توقف القتل. بعد سنة من ذلك، قوات السلام التابعة للأمم المتحدة في البوسنة هجرت السكان المسلمين الذين كان يفترض بها أن تحميهم وكنتيجة لذلك ذبح الجيش البوسني ـ الصربي 7 آلاف بريء.
منذ 2003 لا تنجح الأمم المتحدة في وضع حد لقتل الشعب الجاري في دارفور على يد النظام السوداني كنتيجة لمصالح الدول العربية والصين. لا يوجد أي تطور جديد في الساحة الدولية يمكن أن يؤدي إلى الاستنتاج بان «الوصاية الدولية» يمكنها حقا أن تنجح في حماية القدس بدلا من إسرائيل.
كيف يمكن جسر الهوة بين بن غوريون والاقتراحات التي تبرز اليوم في صالح التدويل داخل القدس. دولة إسرائيل في زمن بن غوريون كانت اضعف بكثير من دولة إسرائيل اليوم.إسرائيل اليوم - دوري غولد
الخطوط الحمراء
عدد سكان إسرائيل في العام 1948 بلغ أكثر بقليل من 800 ألف نسمة فقط، ولكن كان لها شيء لشدة الأسف ينقص في أوساط أولئك المستعدين للتنازل عن السيادة الإسرائيلية في البلدة القديمة: لإسرائيل 48 كان إيمان قوي بعدالة طريقها ـ وهي بضاعة نادرة جدا في دوائر النفوذ في إسرائيل. ومع ذلك، فان استطلاعا إثر استطلاع في العقد الأخير تشير إلى أن شعب إسرائيل بالعموم غير مستعد لتنازلات في القدس وفي الخصوص في الأماكن المقدسة للشعب اليهودي.
مشكلة إسرائيل هي انه عندما يطرح احد زعمائها نظاما دوليا، فإن الأسرة الدبلوماسية تفترض بان إسرائيل ستوافق على مثل هذه المخططات في المستقبل أيضا. بن غوريون نجح في أن يقف متينا في وجه الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 1949، لان العالم فهم بان القدس تشكل خطا أحمر لن توافق على الانسحاب منه.
أما اليوم فعلى إسرائيل أن تعيد التعريف وبشكل واضح لخطوطها الحمراء، وألا تترك مجالا للشك بالنسبة لاستعدادها للإصرار على احد مبادئها الأساسية منذ قيامها.
