كان المنتظر، حسب الموعود، أن يطلع حلف شمال الأطلسي من قمة ليشبونة، الأسبوع الماضي، ب«خريطة طريق» جديدة وواضحة لمسيرته في القرن الجاري. لكن ما كشف عنه اجتماعه، أنه ما زال كمن يبحث عن «بدل عن ضائع». وقد لا يعثر عليه بسهولة. جديده، في أحسن الأحوال، غير مكتمل المعالم.

مقاييس ومواصفات حالته أيام الحرب الباردة، لم تعد صالحة. «ناتو» تلك المرحلة انتهى، بنهاية المسوّغ الأساسي لقيامه عام 1949. وحدته كانت وليدة الإجماع، حول المبرر والخصم والهدف.

كانت هذه صمغ تماسكه. عناصر غير متوفرة اليوم، سوى في إطار العموميات المطاطة. الأمر الذي عكسته حصيلة القمة. وبالتحديد لجهة تعذّر تحديد الدور الراهن للحلف بصورة حاسمة، حيث بقي في دائرة الالتباس المفتوح على الاجتهاد والتباين.

التأخير الذي استمر أكثر من عشر سنوات، في تحديد مهمة «الناتو» لمرحلة ما بعد الحرب الباردة يؤشر بحدّ ذاته إلى غياب التوافق الملزم، كما كان في الماضي. غياب خصم بحجم الاتحاد السوفياتي السابق، أربك المعادلة. والإبقاء على منظومة أمنية بهذه الضخامة، مرهون بوجود عدو من هذا الوزن.

فكان الحديث عن جملة مخاطر، من هذا العيار، شكّلت المهام الجديدة للحلف تحت عنوان «تحديات القرن الجديد». وهي تتراوح بين «محاربة الإرهاب» والتصدي لانتشار أسلحة الدمار «والسلاح الصاروخي» وبين «تمديد دور الناتو إلى ما وراء الحدود».

كما شملت أيضاً التأكيد على ضرورة «خفض نفقاته» وتطوير «التعاون بين دوله». اعتراف صريح بوجود خلل في العلاقات. وهذا يعود إلى خلافات غير قليلة بين أطرافه حول قضايا وملفات ساخنة سبق وطلعت إلى العلن، قبل أن تظهر من جديد على شاشة القمة.

وبالذات ملفات أفغانستان واتفاقية ستارت 2 والدرع الصاروخية في أوروبا، التي خطفت الأضواء في ليشبونة. إدارة أوباما بذلت جهوداً ملحوظة، إذا لم يكن لطمس الخلافات، حول هذه القضايا فعلى الأقل للتخفيف من درجتها. كان المهم بالنسبة لها، أن تخرج من قمة «الناتو» بصورة الرابح. فالرئيس أوباما ما عاد يكفيه اجتناب الخسائر فقط.

هو بحاجة إلى تسجيل انجازات. ومن هنا حرصه في نهاية القمة على التأكيد بأن ما تمّ اتخاذه خلالها من قرارات يعكس «نجاح» إدارته في العمل مع الحلفاء الأوروبيين كما مع روسيا. ولم يكن حرصه أقل على إضفاء طابع الوحدة، على مواقف الدول الأعضاء.

غير أن ما حملته تقارير أميركية من داخل المؤتمر، يقدم صورة أخرى. على الأقل ليست بهذا النقاء من التضامن بين الحلفاء. ناهيك بين واشنطن وموسكو. فعلى صعيد أفغانستان، بقي التكافل في حدوده الدنيا. التشخيص الأميركي للوضع واحتمالاته، كان موضع تشكيك من قبل الأوروبيين.

إدارة أوباما قدّمت سيناريوات، تحتمل أكثر من تأويل، بخصوص المرحلة الانتقالية حتى عام 2014 كما بخصوص الفترة التي تليها. الرئيس وأركان إدارته تحدثوا عن انسحاب، آت لكنه «مرهون بالوضع على الأرض» في حينه. صورة مشوشة، طرحت أكثر من علامة استفهام، حتى لدى أوساط كثيرة في واشنطن. وهكذا كانت الحال بشأن الدرع الصاروخية.

الإدارة أوحت بأن التعاون الروسي في هذا المجال بات في حكم تحصيل الحاصل. مع أن الرئيس الروسي، ربطه بشروط غير متوفرة بعد وما زالت قيد البحث مثل مطلب أن تكون الشراكة استراتيجية شاملة وأن يصادق مجلس الشيوخ الأميركي على معاهدة ستارت 2. وكلا الشرطين ما زال، في أحسن الأحوال، في حالة تعليق.

قمة «الناتو» كانت أفغانية روسية، أكثر مما كانت أي شيء آخر. نسخته الحالية التي أعلنت مواصفاتها، دخلت طور التجربة المحفوفة بالمخاطر التي تهدّد تماسكها. الظروف الآن مختلفة. وظيفة الحلف رمادية. المقاربات الأمنية متباينة. والموازنات مضغوطة. التعامل مع سائر الملفات الساخنة، يعكس ذلك. من الملف الإيراني إلى الأفغاني مرورا بالأسلحة والمظلات الصاروخية وانتهاء بموضوع الإرهاب والحروب خارج حدود «الناتو». واشنطن سعت إلى ضمان الحد الأدنى.

وهي مدركة للصعوبات القائمة والمحتملة. «هناك حاجة لوحدة التحالف. وهذه أكثر الأمور أهمية الآن»، يقول السفير الأميركي لدى الناتو، إيفو دالدار، في ندوة أقامها القسم الأميركي - الأوروبي في مؤسسة بروكينغز للدراسات والأبحاث بواشنطن بعد يومين من نهاية القمة. عبارة تلخّص وضع الحلف الجديد.

واشنطن ـ فكتور شلهوب