صينية مزركشة بالأخضر والأحمر والأبيض والأصفر.. كرة محشوّة بأقراص اللحم والبطاطا المقلية، وقد سكِبت فوقها صلصات مختلفة الألوان والنكهات.. وما بين الطبقين لفافة هنا من «فيليه» السمك، وأخرى هناك من «الفيلاديلفيا».. إلى ما هنالك من مسميات ونكهات من مختلف المطابخ والجنسيات، يعتبرها شباب لبنان شهيّة، فيلهثون وراءها، وحجّتهم أنهم يعيشون حالة تسابق مع الزمن.
كثيرون منهم يلجأون إلى هذه المأكولات من دون حجّة مقنعة، اللهم إلا أنهم لا يحبون «طبْخ» البيت، لأن هذا النمط من الطعام بات بنظرهم «دقّة قديمة» ولا يتماشى مع أمزجتهم وأذواقهم.. هذا هو جيل الـ «فاست فود».. جيل يطلب المظهر في الغالب دون أدنى اهتمام بالجوهر، وربما يدرك أن ما يقوم به هو أشبه بالجريمة بحق صحته، وأيضاً بحق جيبه الذي ما يكاد أن يمتلئ حتى تفرغه صناديق المأكولات الجاهزة، لكن هذا لا يستوقفه ولا يدعوه إلى التفكير في الأمر مرة ثانية.
هي قائمة تطول، من المطاعم الأميركية والأوروبية والهندية والصينية وما إلى هنالك من مسميات وجنسيات، تنتشر وتتضاعف أعداداً على طول الأرض اللبنانية لتلبّي أذواق ورغبات الناس، ولاسيما منهم الشباب.. إذ يكفي طلب الأرقام الأربعة المسهّلة للاتصال الهاتفي، لتأتي «الطلبيّة» إلى خدمة طالبها أينما كان وفي أي ساعة شاء.
«لا يهمني إذا كان الفاست فود صحياً أو لا، المهم أنه لذيد وطيّب ويلبّي شهيّتي ساعة أشاء»، «أمي تلحّ وتتمنّى عليّ باستمرار أن تحضّر لي البيتزا في المنزل، لكنني لا أشعر حيال طبقها البيتي بأي انجذاب.. منظر البيتزا الجاهزة يهزّني من الداخل»، «بحكم عمل والدتي طوال النهار، اعتدت على تناول الطعام من السوق حتى أصبحت مدمناً عليه»، «الهمبرغر هو طبقي المفضّل، آكل منه مرتين أو ثلاثا في الأسبوع، تليه البيتزا ثم السندوتشات على اختلافها».
«بالرغم من أنني غالباً ما أستمع إلى خبراء التغذية يتحدّثون على شاشات التلفزيون عن مساوئ الفاست فود، إلا أنني فقدت المقاومة أمام مغريات الأطباق المزخرفة بألف حلّة ولون».. وتكرّ سبحة العبارات التي ترِد على لسان عشاق ال«فاست فود».
وربطاً بهذه العبارات، لا تستغرب خبيرة التغذية ميراي نادر أن يتجه الشباب في يومنا هذا إلى المأكولات الجاهزة، ذلك أن «التربية الغذائية البيتية ـ للأسف ـ مفقودة عند بعض عائلاتنا اللبنانية، لناحية المفاهيم الغذائية الصحيحة»، مشيرة إلى أن ما هو مؤسف أكثر أن البعض الآخر من العائلات لا يوجد الطبخ في قاموسها من الأساس، ما يضطرّ الأبناء للتوجّه إلى المطاعم، ف«تكبر الحلقة، وتضيق مساحة الأكل الصحي».
وعن الآثار الجانبية التي يمكن أن يتسبّب بها ال«فاست فود» على صحة الشباب المدمن عليه، تجيب نادر: «الدهون المشبّعة في هذه المأكولات تشكّل وحدها مسبّباً رئيسياً للعديد من الأمراض، مثل الكولسترول والتريغليسريد وهما عاملان أساسيان في مشكلة انسداد الشرايين، هذا إلى جانب الأمراض السرطانية وأمراض أخرى مزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم..
أما المشكلة الأبرز الناجمة عن الفاست فود، فهي البدانة المفرطة التي تنتشر كثيراً في يومنا هذا في صفوف الشباب ممن يعانون من تراكم الدهون خصوصاً عند منطقة البطن، فتنجم عن ذلك مشاكل صحية كثيرة، إذ إن هذه الأطعمة السريعة الجاهزة تحتوي على وحدات حرارية عالية وتخلو في الوقت نفسه من العناصر الغذائية الضرورية للجسم، ما يفسّر ارتفاع نسبة الوفيات الفجائية في عمر مبكر».
لكن كيف يمكن منع المراهقين والشباب من تناول ال«فاست فود»؟، تقول نادر: «قد يكون من المستحيل منع الشباب دفعة واحدة من اللجوء إلى الفاست فود، لذا لا بدّ من اعتماد سياسة الخطوة ـ خطوة» معهم.
من هنا نسمح، كخبراء تغذية، بتناول الطعام السريع مرّة في الأسبوع إذا لم تكن ثمّة مشكلة صحيّة، على أن يتم الاعتماد على الغذاء البيتي الصحّي في الأيام الأخرى»، لافتة إلى أهمية الناحية النفسيّة في هذا الشأن، إذ «لا ينبغي أن يشعر الإنسان، خصوصاً إذا كان في مرحلة المراهقة والشباب، أنه محروم مما ترغب به نفسه، كي لا تنتج عن الأمر ردّة فعل معاكسة».
وعن النصيحة التي تتوجّه بها إلى الفئة المدمِنة على المأكولات السريعة والجاهزة، تختصرها الخبيرة الغذائية بضرورة «توفير حملات توعية على شاشات التلفزيون وكافة وسائل الإعلام وفي المراكز والمؤسّسات التربوية.
بيروت ـ وفاء عواد
