لم يكن العاملون في حلقات «صناعة الدواجن» قبل ظهور مرض جنون البقر في أوروبا، يحتاجون لمناقشة أمر استخدامهم البروتين الحيواني في تغذية قطعان دواجنهم، لأن أعمالهم وفق نقيب الأطباء البيطريين الدكتور عبدالفتاح الكيلاني كانت تسير بسلاسة في هذا الشأن على أقل تقدير، ولكن الوضع تغير بعد ظهور مرض جنون البقر، وتبين أن للبروتين الحيواني الذي كان مربو الأبقار يضيفونه للعليقة علاقة بالمرض، سواء كان البروتين جاء من حيوانات كانت مصابة بمرض الرعاش وتطور إلى جنون البقر، أو من أصول أخرى.

ومع أن ما ترتب على انتشار مرض جنون البقر من إجراءات وتدابير احترازية، كالمنع الدولي لاستخدام أية أغذية من أصل حيواني في أعلاف الحيوانات النباتية الكبيرة كالأبقار والأغنام، لم يشمل الدجاج وطيورا أخرى، إلا أن «صناعة الدجاج» تأثرت بالأمر بشكل غير مباشر، لجهة أن الدول أصبحت أكثر حساسية في تعاملها مع البروتينات الحيوانية التي تدخل في أعلاف الدواجن، سواء كانت هذه البروتينات لها علاقة بالأبقار ومخلفاتها أو لا.

من المفارقات ذات الدلالات المهمة في شأن تربية وإنتاج الدجاج بأنواعه المختلفة اللاحم، البيَّاض، الأمهات، الجدات، إضافة إلى بيض المائدة، وبيض التفقيس، وفقاً لمدير عام الشركة العربية لتنمية الثروة الحيوانية ـ فرع الأردن م. سامي عمرو وهي شركة تابعة لجامعة الدول العربية، ان تكلفة طن العلف النباتي لا تختلف كثيراً عن تكلفة طن العلف الذي يحتوي نسبة من البروتين الحيواني، وفي أحيان كثيرة تكون التكلفتان متساويتين.

المستهلك وهو المعني في نهاية المطاف بماهية ما يشتري ويأكل، ظل وسيبقى الحلقة الأضعف في هذا الشأن، ولأسباب موضوعية مرتبطة بدرجة الوعي المجتمعي لعناصر الثقافة الاستهلاكية الصحيحة فإن المواطن حينما يشتري الدجاج، أو يشتري أية سلعة أخرى، فانه غالباً لا يولي ما تحتوي بطاقة بيان السلعة من مفردات مختلفة، وان اهتم بالأمر فإن اهتماماته لا تتجاوز تاريخ الإنتاج ومدة الصلاحية.

ما الدجاج النباتي؟

يسرا لم تقرأ يوماً قط محتويات بطاقات بيان الدجاج الذي تشتريه من المحال التجارية، وجل ما تهتم به هو العلامة التجارية والسعر، فهي مثلاً ظلت تفضل شراء الدجاج له علامة تجارية معينة حتى لو كان سعره أغلى من غيره، وذلك بعد أن جربت دجاج معظم العلامات التجارية الموجودة في الأسواق، واكتشفت أن هذا الدجاج يناسبها ويناسب أسرتها.

ومع أنها تعرف بان ما تشتريه دجاج نباتي لأن غلاف الدجاجة يحتوي على ذلك، إلا أنها لم تهتم بالأمر سابقاً، ولم تظل تشتريه لأنه نباتي، بل لأنها جربت غيره واكتشفت أنه الأفضل، ولكن موضوع الدجاج النباتي اخذ يثير فضولها منذ مدة بعدما أخذت معظم الشركات المنتجة للدجاج تكتب على الأغلفة ما يفيد بأنه دجاج نباتي، فمنها ـ أي من الشركات ـ ما تكتب «100% نباتي» وأخرى تكتب «دجاج مغذى نباتياً» وثالثة «دجاج الشركة الفلانية نباتي 100%»، وهكذا دواليك.

يسرا ظلت تشتري دجاجاً نباتياً على مدى سنوات من دون أن تشكل صفة «نباتي» أمراً حاسماً في اختيارها، وهي اليوم في حيرة من أمرها بعد أن أصبحت معظم الشركات المنتجة للدجاج اللاحم تكتب على منتجاتها «دجاج نباتي» ومع أنها على قناعة بأن اتجاه الشركات لإنتاج دجاج نباتي يصب في مصلحة المستهلك، لجهة أن المنافسة بين المنتجين تمنع الاحتكار، وتحسن في الإنتاج وقد تسهم في تخفيض الأسعار، إلا أن الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق: ما هو الدجاج النباتي؟

ما هي الضمانات بان المنتج نباتي؟ ما هي الجهة التي تؤكد أو تنفي ذلك؟ وما هي وسائلها في هذا الشأن؟ ما هي عناصر خلطة عليقة الدجاج النباتي؟ هل الدجاج المجمد المستورد يخضع لنفس المعايير؟ وأخيراً لم إذا استخدام البروتين الحيواني في عليقة الدجاج؟

تعليمات وزارة الزراعة

وزارة الزراعة تنبهت مؤخراً لهذا الأمر فأصدرت تعليمات أطلقت عليها «تعليمات ترخيص منتجات الدواجن التي تحمل صفة مميزة ـ دجاج نباتي وبيض نباتي» وهذه التعليمات صادرة بموجب مواد قانون الزراعة 2002 وتشير إلى تشكيل لجنة ترخيص المنتجات المميزة، بعضوية مندوبين عن وزارة الصناعة والتجارة، والمؤسسة العامة للغذاء والدواء، ومؤسسة المواصفات والمقاييس.

بعد جنون البقر والحمى القلاعية والتسمم بال «ديو كسين» نبه مربو الدواجن إلى ما يمكن أن تحمله الأعلاف المحتوية على بروتينات حيوانية من أخطار على الصحة، خاصة إذا لم تعالج المواد المستخدمة للحصول على البروتين الحيواني حرارياً بشكل مناسب، ولعل قصة «الشاورما» التي تسببت بإصابة أكثر من ألف مواطن العام الماضي بالتسمم، وفقاً للكيلاني خير دليل على المحاذير التي يبديها البعض بشأن استخدام بروتينات من أصل حيواني في تغذية الدواجن.

مشكلات القطاع

مستثمر كبير في قطاع صناعة الدواجن تحدث مطولاً عن القطاع وعن مشكلاته، اعتبر أن قضية الدجاج النباتي ليست المشكلة الأبرز في القطاع فمعظم كبار مربي الدواجن لا يستخدمون الآن سوى أعلاف تحتوي على بروتينات نباتية، وذلك أفضل لهم وللمستهلكين على السواء، ولكن مشكلات القطاع الأخرى هي ما تستحق التناول والاهتمام، فعندما تكون ما نسبته 90% من غذاء الدجاج مستوردة من الخارج، ما يعني أن قطاع صناعة الدواجن الذي يجري الحديث عن نموه وتطوره، مرهون بالكامل لمنتجي مكونات الأعلاف في العالم، إضافة إلى الأدوية وعدد من التجهيزات الأخرى.

وإذا ما كان ما يربو على 60% من تكلفة الدجاج هو غذاء، فيصبح الحديث عن نسبة القيمة المضافة المرتفعة في هذا السياق أمرا مشكوكا فيه، فما يزيد على 50% من تكلفة تربية الدواجن تستورد كغذاء من الخارج، وعند إضافة تكلفة الأدوية والتجهيزات الأخرى ما يدفع إلى إعادة النظر في المنهجية المتبعة في تغذية الدواجن، فالدول الأخرى تستخدم ما يتوفر لديها لصناعة خلطات خاصة للدواجن.

خاصة المتبقيات ـ المخلفات ـ وراء الصناعات الغذائية، مثل «كُسب» الصويا، وهو ما يتبقى من المخلفات بعد عصر نبات الصويا واخذ الزيت منه، ويمكن في هذا السياق استخدام «كُسْب» السمسم أو الزيتون، أو أية متبقيات متوفرة.

الخلاصة

الدجاج الذي يتغذى على عليقة لا تحتوي على بروتين حيواني أفضل لصحة الإنسان، ولكن هذا لا يعني أن الدجاج الذي يتغذى على عليقة ببروتين حيواني يضر بصحة الإنسان، إذا ما كان منتجو الأعلاف قد استخدموا مواد من أصول حيوانية سليمة، وعالجوها بالحرارة بطريقة صحيحة.

ووفقا ليسرا في معرض تعليقها على صدور تعليمات وزارة الزراعة الخاصة بالدجاج النباتي، فعلت خيراً وزارة الزراعة بإلزام مربي الدواجن بمتطلبات خاصة لإنتاج الدجاج النباتي، وذلك حماية للمستهلك ولمنتجي الدجاج النباتي على السواء، ومنعا لقيام مربين بطرح دواجن في الأسواق لا تتغذى على عليقة نباتية 100 والكتابة عليها بأنها نباتية.

بيانات

تشير البيانات الإحصائية الرسمية أن حجم الاستثمارات في قطاع الدواجن يزيد على مليار دينار أردني ويعمل فيه حوالي 25 ألف مواطن ويبلغ متوسط استهلاك المواطن الأردني من لحوم الدواجن 5 .27 كغم و153 بيضة في العام، وتفيد البيانات أن القطاع قادر على تغطية حاجة السوق المحلية ويزيد، وتقدر إنتاجية قطاع الثروة الحيوانية ب376 مليون دينار، يساهم قطاع الدواجن بحوالي 192 مليونا أي 52% منه وفقا لإحصاءات عام 2007 علما بان هذه النسبة كانت أعلى في السابق.

وبرغم أن قطاع الدواجن تمكن بفعالية عالية من تلبية الاحتياجات المحلية وبعض احتياجات أسواق مجاورة، إلا أنه لا يعمل إلا بطاقة لا تتجاوز 80% من قدرته الإنتاجية الكلية، ويمكن لهذا القطاع التوسع في الإنتاج عند اللزوم، وهو القطاع الإنتاجي الأول الذي حقق الاكتفاء الذاتي في السوق المحلية.

بلغ عدد مزارع الدجاج اللاحم أكثر من ألفي مزرعة، بسعة إجمالية تفوق 27 مليون طير في الدورة الواحدة، بطاقة إنتاجية تصل إلى 170 ألف طن من لحم الدواجن سنوياً، وبلغ عدد مزارع البيض أكثر من 290 مزرعة بسعة تصل إلى 7 ملايين طير، وطاقة إنتاجية تصل إلى 2 .1 مليار بيضة في العام

عمّان ـ لقمان اسكندر