يواجه العالم اليوم الكثير من التحديات التي تضع القيادة الأميركية موضع الاختبار، بدءاً من المشكلات العالمية ، مروراً بأعمال التطرف والعنف، والتغيرات المناخية، وانتهاء بالركود الاقتصادي والفقر، وهذه كلها مشكلات تتطلب حلولاً جماعية، خاصة أن القوة أصبحت أكثر انتشاراً على امتداد العالم، وتتطلب تعاوناً دولياً فعالاً، ودولة تقرع الجرس، وتقبل تحمل مسؤولية المبادرة إلى الفعل، وهذه الدولة هي الولايات المتحدة الأميركية.
بعد أن توليت مهام منصبي وزيرة للخارجية الأميركية كان أول ما بدأت به هو التركيز على الحاجة لتعزيز الدبلوماسية والتنمية جنباً إلى جنب مع القدرات العسكرية، وهذه سياسة قوة ذكية لحل المشكلات العالمية، ولأجل تحقيق هذا المنهج، ينبغي تعزيز القوة المدنية وتوسعتها، ويجب جعلها في ميزان واحد مع القوة العسكرية.
كما قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، وهذا هو ما تسعى إليه الولايات المتحدة في الوقت الراهن، فقد وافق الكونغرس على قرار تمويل تكاليف تعيين 1108 موظفين في الخدمة الخارجية والخدمة المدنية مهمتهم دعم قدرة وزارة الخارجية الأميركية على رعاية المصالح الأميركية في الخارج، وتعزيز القيم الأميركية، كما تخطط الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لمضاعفة عدد موظفي التنمية لديها.
عن طريق تعيين 1200 موظف جديد في قطاع الخدمة الأجنبية من المؤهلين وأصحاب الكفاءات القادرين على مواجهة تحديات التنمية وتعيين موظفين محليين من الدول المختلفة ممن لديهم معرفة عميقة ببلدانهم. وتعكف إدارة أوباما على إعادة بناء وكالة التنمية الدولية الأميركية لتكون من أكبر وكالات التنمية في العالم، من أجل دعم مشروعات التنمية طويلة الأمد والحكومات الديمقراطية. غير أنه ينبغي علينا فعل ما هو أكثر من هذا، ينبغي أن لا نكتفي بإعادة البناء، بل علينا إعادة التفكير والإصلاح وإعادة وزن الأمور.
الخدمة المدنية العالمية
كانت الدبلوماسية، ولا تزال، تشكل العمود الفقري للولايات المتحدة، ومعظم عملي في وزارة الخارجية يركز على هذا الجانب، سعياً لحل المشكلات الدولية والإقليمية، مثل تسهيل عمليات المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتعزيز الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، والتعاون مع الحكومات الأخرى لتقديم الإعانات الطارئة لشعب هاييتي.
في اللقاءات السنوية التي تجمع الولايات المتحدة بشركائها الرئيسيين، مثل الصين والهند وإندونيسيا ونيجيريا وباكستان وروسيا وجنوب أفريقيا، تسعى الولايات المتحدة لتعميق العلاقات وبناء أساس أقوى، من أجل حل المشكلات المشتركة، وتعزيز القيم المشتركة وحل الخلافات، وتعمل الولايات المتحدة جاهدة على تعزيز دور الهيئات العالمية، مثل «جي 20» والمؤسسات الإقليمية، مثل «منظمة الولايات المتحدة» ورابطة «آسيان»، ويعتبر هذا جزءاً من الالتزام الأميركي حيال بناء هيكل تعاوني عالمي، لا يضم الشرق والغرب فحسب، بل الشمال والجنوب أيضاً.
الدبلوماسية الشعبية
ورغم أن الدبلوماسية التقليدية ضرورية جداً لتطوير الولايات المتحدة وتقدمها، إلا أنها ليست كافية، فعلى وزارة الخارجية أن تطور علاقاتها وارتباطاتها من أجل الوصول إلى مجموعات أكثر تنوعاً والتأثير فيها عن طريق استخدام مهارات واستراتيجيات وأدوات جديدة، ومن أجل هذا فإن وزارة الخارجية تسعى لتوسيع نطاق مفهوم الدبلوماسية، وتوسعة مهام العاملين في مجال الدبلوماسية ومسؤولياتهم.
وتتكون فكرة «الخدمة الخارجية»، كما يوحي بذلك اسمها، من أفراد مدربين على تنظيم علاقات الولايات المتحدة بالدول الأجنبية وإدارتها، خاصة من خلال المشاورات مع النظراء في تلك الحكومات، وهذه الوظيفة كانت منوطة بالسفراء والسفارات وموظفي وزارة الخارجية، غير أن ازدياد الترابط العالمي جعل من الضروري السعي للوصول إلى ما هو أبعد من الحكومات، ألا وهم الأفراد مباشرة.
وكذلك توسعة حقيبة السياسة الخارجية لتضم مسائل كانت، في السابق، حكراً على النطاق المحلي، مثل عمليات التنظيم البيئي والاقتصادي والمخدرات والدواء والجريمة المنظمة والجوع. لهذا فقد أصبحت مهمات السفير الأميركي في عام 2010 الإشراف على أحوال المدنيين الأميركيين في الخارج ووكالة التنمية الأميركية، بل تتعدى مهامه ليكون بمثابة الرئيس التنفيذي لمهمة متعددة الوكالات، كما أن من مهامه أن يختلط بالمجتمعات المحلية خارج نطاق الحكومة، مثل مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
وعلى الدبلوماسية الشعبية أن تنطلق من الأعلى، ففي إندونيسيا وتركيا، أجريت لقاءات ثنائية مع المسؤولين الحكوميين، وقابلت أيضاً مسؤولي مؤسسات المجتمع المدني، وظهرت ضيفة في لقاءات حوارية تلفزيونية شعبية، كما التقيت بالعديد من المواطنين في جميع الدول التي زرتها، لأن مهمات من هذا النوع لا تقل أهمية عن زياراتي الدبلوماسية الرسمية ومقابلاتي لوزراء الخارجية الأجانب، فقدرة الشراكات الأميركية الخارجية على الصمود والانتشار تعتمد اعتماداً كبيراً على توجهات الناس على امتداد العالم ونظرتهم للولايات المتحدة ولسياسات حكوماتهم.
الأثر الكبير للتنمية
أحياناً يسألني الآخرون عن أهمية التنمية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولم تنفق الولايات المتحدة المال في الخارج بينما تعاني من أزمات اقتصادية في الداخل؟ والإجابة عن هذا هو أن التنمية الخارجية، إذا تم تطبيقها بفعالية وبالشكل الصحيح، فإنها ستحقق للولايات المتحدة الاستقرار والرخاء، وستدعم الأنظمة الخارجية الهشة والآيلة للسقوط، وتعزز قدرات الشركاء المرشحين للمساهمة في حل المشكلات العالمية، وتدعم مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وفي الوقت نفسه، فإن علينا إدراك أنه على الرغم من أن مشكلات العالم كثيرة، إلا أن مصادر الولايات المتحدة ليست كذلك، لهذا ينبغي على ممثلي دافعي الضرائب في الولايات المتحدة وفي كل مكان في العالم، أن يركزوا على المسائل الأكثر حساسية، واتخاذ القرارات المالية بناء على وجود أدلة قوية، من أجل ضمان أن تؤتي هذه القرارات ثمارها.
كما ينبغي علينا التركيز على الأهداف بعيدة المدى، لا مجرد الاكتفاء بحل احتياجات الناس الآنية من أجل التأسيس لمستقبل مزدهر، لهذا فقد صدر قرار رئاسي أميركي في سبتمبر الماضي، وهو الأول من نوعه الذي يصدره رئيس أميركي في التاريخ، يتعلق بالتنمية، ويركز على أهمية استهداف الدول والحكومات التي تتمتع بالمسؤولية والأهلية، في ظل الظروف الملائمة، من أجل تنفيذ مشروعات تنموية ضمن قطاعات أقل عدداً في كل دولة بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة المرجوة.
ويؤكد القرار على ضرورة التنسيق والتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتمويل والسياسات الاقتصادية الأخرى، من أجل تعزيز الأسواق الناشئة، ودعم النمو الاقتصادي المستدام، فالنمو الاقتصادي هو السبيل الأنجع للقضاء على الفقر، ودعم الطبقة المتوسطة على امتداد العالم، تمهيداً لقيام نظام عالمي عادل ومستدام.
بقلم: هيلاري كلينتون - ترجمة: يوسف جباعته



