في الصفحات الأخيرة من كتاب «نقاط اتخاذ القرار» يصور الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بمزيد من الدقة والتفصيل وقائع اليوم الأخير في ولايته الرئاسية الثانية، أي العشرين من يناير 2008، ابتداء من تسجيل تقاليد الوداع وانتهاء بالتأملات التي يحاول من خلالها تصور كيف سيسجل التاريخ وقائع السنوات الثماني التي قضاها في البيت الأبيض.




ويلفت نظرنا أن بوش يشدد على أنه بعد ثماني سنوات أمضاها في اتخاذ القرارات المصيرية فإن أفكاره لم تتغير وقناعاته لم تتبدل، بما في ذلك الأفكار والقناعات المتعلقة بقرارات ينعقد إجماع العالم على أنها خاطئة وكارثية حتى بالنسبة للولايات المتحدة نفسها وفي مقدمتها غزو العراق.

وتبرز بصفة خاصة مجموعة الأفكار التي تتعلق بالاهتمام الاستحواذي من جانب بوش بصورته كرجل قائد، يتمتع بالقول الفصل، فهو يروي بالتفصيل قصة تفكيره في تنحية ديك تشيني من منصب نائب الرئيس ويقول إنه لم يعدل عن تنفيذ هذه الفكرة إلا لأن تشيني كان مجرد مساعد له وهو الذي اختاره لمنصبه، كما أنه يستطيع تنحيته، برغم أن الصورة التي رسمها الكثيرون للبيت الأبيض في عهد بوش تؤكد أن تشيني كان صانع القرارات الحقيقي خلال سنوات بوش الرئاسية الثماني.

يصور الرئيس الأميركي السابق جورج بوش اليوم الأخير في ولايته الثانية 20 يناير 2008، بكل تفاصيله الدقيقة، حيث بدأ صباحه كالمعتاد بقراءة الكتاب المقدس قبل الساعة السابعة صباحا، ثم هبوطه بالمصعد من الدور الثاني بالبيت الأبيض إلى قاعة كولونيد بالدور الأول، وقيامه بفتح الباب الزجاجي المؤدي إلى المكتب البيضاوي للمرة الأخيرة في حياته الرئاسية. ويحرص بوش على الإشارة إلى ما قرأه في الكتاب المقدس في ذلك الصباح، وهي أي تشير إلى أن الله تعالى هو حصن المؤمن، وإليه يكون الملاذ الأخير.

تقاليد الوداع

ويشرح بوش التقاليد التي حافظ كل الرؤساء الأميركيين على اتباعها عند تسليم السلطة إلى الرئيس الجديد، فقد ترك خطاباً موجهاً إلى خلفه باراك أوباما الرئيس رقم 44 للولايات المتحدة يقول فيه: «إنه لشرف عظيم أن تأتي إلى هذا المكتب لتعمل منه كل صباح» واتجه بعد ذلك إلى القاعة الشرقية من البيت الأبيض، وعلى طريقة الأفلام الميلودرامية يقارن بوش بين الصمت المطبق في أرجاء المكان في ذلك اليوم، وبين الحركة الدؤوب ورنين الهاتف وقنوات التلفاز والمساعدين وأفراد المكتب الذين عملوا معه طوال السنوات الثماني الماضية. ويداعب بوش طباخيه قائلاً لهم أنه سيفتقد طعامهم وأطباق الحلوى التي كانوا يعدونها.

يقول الرئيس السابق في نهاية مذكراته: «وقبل الساعة العاشرة صباحاً بقليل وصل أوباما وعائلته:» ودعوتهم لشرب فنجان من الشاي في القاعة الخضراء، وتذكرت ساعتها كيف تمر الأيام سريعا، فمنذ ثماني سنوات كنت هنا مع الرئيس السابق بيل كلينتون، وأنا أتسلم منه مقاليد الأمور. وفي غرفة العمليات سجل فريقا المخابرات التابع لي ولأوباما تقارير عن وجود تهديدات إرهابية يمكن أن تقع خلال مراسم افتتاح ولاية أوباما، وهو ما يعني أن الإرهابيين سيواصلون طريقهم بغض النظر عن اسم الرئيس الذي سيقود الولايات المتحدة.

وجرت مراسم الافتتاح، وكانت بالنسبة لأوباما وعائلته أمراً مثيراً، بينما كانت بالنسبة لي ستار النهاية. وأصبحت بعدها مستعدا للعودة إلى بيتي. وركبت طائرة عسكرية أنا وزوجتي لورا، والتي رمقتني بنظرة حادة ثم قالت: الآن سيكون لديك وقت كاف تغسل فيه الصحون في البيت.

فقلت لها مبتسما: لا تنسي انك تتحدثين الآن مع الرئيس السابق للولايات المتحدة، فردت قائلة: حسنا يمكنك أن تجعل الصحون على أجندة أعمالك الداخلية. وهبطت الطائرة في ميدلاند غرب تكساس واتجهنا إلى فندق كونتيننتال بلازا لحضور احتفال أقامه الأصدقاء لي ولزوجتي. كانت الوجوه نفسها التي شهدتها قبل 8 سنوات. فالأصدقاء هم قبل السياسة وخلال السياسة وبعد السياسة.

ثم عدنا بعد ذلك إلى البيت. وتذكرت أنني عندما تركت البيت الأبيض في ذلك الصباح تركته وأنا أحمل القيم نفسها التي ظلت معي منذ 8 سنوات. إنني غير نادم على أي شيء قمت به، ولم يتغير شيء في رأسي سوى ظهور الشعر الأبيض. وفي اليوم التالي مباشرة شرعت في كتابة هذه المذكرات. وكانت الكتابة فرصة كبيرة لي للتأمل.

وعندما انتهيت من العمود الفقري لها، عرفت أن هناك بعض الجوانب من رئاستي، لم أتحدث عنها. فأنا لم أغط كل الإنجازات التي تمت في رئاستي مثل الاتفاق النووي التاريخي الذي وقعته مع الهند، أو مبادرة ميريدا لمكافحة المخدرات مع المكسيك، كما أنني لم أتحدث عن قراري الخاص بإنشاء أكبر محمية بحرية في العالم».

إقالة تشيني

وهكذا يمكنك-عزيزي القارئ ؟أن تلحظ الروح الاستعلائية والغرور الذي منعه حتى هذه اللحظة وحتى الصفحة الأخيرة من كتابه، من الاعتراف بالقرارات الخاطئة التي اتخذها خلال فترة رئاسته وتسببت في مقتل وتشريد مئات الآلاف حول العالم في العراق وأفغانستان والمساندة غير المحدودة لإسرائيل في أعمالها العدوانية ضد الفلسطينيين في غزة، واعتداءاتها المتواصلة على الشعب اللبناني.

بل إن الرئيس السابق كان على استعداد للإطاحة برجاله من أجل تأكيد حقيقة أنه الشخص القائد ولا أحد غيره داخل البيت الأبيض. ويكتب بوش أنه فكر: «بالفعل في إقالة نائبه ديك تشيني في عام 2004 لتبديد الخرافات حول دوره في البيت الأبيض وإثبات أنني الشخص الذي أقود. وأمضيت عدة أسابيع أفكر في الشخص البديل وفكرت في السيناتور بيل فريست زعيم الأغلبية، خاصة بعد تزايد الانتقادات الموجهة إلى ديك تشيني في وسائل الإعلام».

ويقول بوش أنه شعر بالانزعاج لتصوير تشيني في رسم كارتوني على أنه قلب الظلام، وكان استبداله ضرورة لمواجهة هذه الحملة المشتعلة ضده. لكن بوش يكتب: «وفي النهاية أدركت أنني أنا الذي اخترته بغرض مساعدتي في أداء وظيفتي، وهو ما قام به على أكمل وجه. وشعرت بقوة أنه من الضروري أن يبقي. ودعوته لكي يتناول الغذاء معي وأخبرته بقراري بعدم تغييره واستمراره في العمل معي، ووافق» .

وفي الصفحتين الأخيرتين من مذكراته، لا ينسي الرئيس الأميركي السابق أن يرصد لنا العديد مما يصفه بالإنجازات التي حققها خلال السنوات الثمانية في فترة رئاسته، ولم يرد لها ذكر في الكتاب. ويسوق بوش مبرراته قائلاً: «لقد حاولت أن أعطي القارئ لمحة عن أكثر القرارات من حيث التداعيات المصاحبة لها والتي وصلت إلى مكتبي خلال فترة الرئاسة. واعتقد أنني أصبت في بعضها وأخطأت في البعض الآخر. لكن في كل قرار اتخذته، كنت أعتقد أنني أقوم بما يحقق الفائدة الأكبر لبلادي. وأياً سيكون الحكم على فترة رئاستي، سأكون راضيا بحقيقة أنني لن أكون موجوداً لسماعه لأن التاريخ هو الذي سيكتب هذا القرار».

خطأ «كاترينا»

وقبل هذه النهاية التراجيدية لمذكراته ولحياته الثمانية في البيت الأبيض، يقدم الرئيس السابق جورج بوش اعتذاره إلى الشعب الأميركي فقط، حين يعترف بتقصيره واستجابته البطيئة لإعصار كاترينا عام 2005. ويقول إن خطأه الأساس كان في تأخر تحركه إزاء إنقاذ ضحايا الإعصار، وكثير منهم من الأميركيين السود. «وأخطأت مرة ثانية خطأ فادحاً عندما استقل طائرة لتفقد مكان الإعصار بينما كانت مدينة نيو أورليانز جميعها غارقة تحت المياه الفيضان».

وكانت وسائل الإعلام قد التقطت صوراً له، وهو يطل من نافذة الطائرة على المناطق التي اجتاحها الإعصار، وبرر بوش عدم نزله على الأرض وتفقد الضحايا بأنه خشي وجوده بين الضحايا يمكن أن يشتت جهود رجال الشرطة والإنقاذ ويصرفهم إلى تأمينه بدلاً من مساعدة الضحايا.

وقد تلقي الرئيس الأميركي السابق اتهامات وانتقادات عنيفة من قبل العديد من الأميركيين بالعنصرية، لكنه يقول في مذكراته: «كانت أسوأ لحظة طوال فترة رئاستي. وما زلت أشعر بها وكأنها حدثت اليوم». ويتذكر بوش تعليقات المطرب الأسود كاني ويست التي أطلقها في حفل خيري أقيم لصالح عائلات ضحايا الإعصار، ونعت فيها بوش بأنه لم يهتم بالضحايا لأنهم من السود، وهو ما يعني أنه عنصري. ويصف بوش تلك اللحظات بأنها من أكثر اللحظات إثارة للاشمئزاز في حياته كلها.

الفائض الغائب

كما يرفض بوش أيضاً الاتهامات التي كالها له الديمقراطيون والجمهوريون على السواء بتبديد الفائض في الميزانية التي تلقاها من سلفه بيل كلينتون عندما تولي مهام منصبه في يناير 2001. يقول بوش: «كل ما يقولونه حول وجود فائض في الميزانية هو مجرد وهم لأنهم بنوه على أساس افتراض خاطئ بأن الطفرة التي حدثت في التسعينات ستستمر، و بمجرد دخول الاقتصاد في الركود وحدوث هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، لم يتبق من الفائض سوي القليل».

كما يدافع أيضاً عن برنامج الإنقاذ المصرفي الذي بدأه في العام الأخير من ولايته، واستمر خلفه الرئيس باراك أوباما في تنفيذه بالرغم من اعتبار كثير من المحافظين له بأنه مضيعة للموارد المالية، ولأموال دافعي الضرائب. ويستمر بوش في الدفاع عن سياساته المالية التي أدت إلى اندلاع الأزمة المالية العالمية، بل إنه لا يتورع عن تقديم نصائحه إلى الإدارة الحالية بقوله: «لا ينبغي أن تكون الأزمة المالية مبرراً لفرض مزيد من الضرائب لأن ذلك من شأنه أن يقوض النمو المطلوب لاستعادة النشاط والحيوية للاقتصاد».