على المرء ألا يحكم مسبقا على الكوب إن كان نصفه مملوء أم فارغا، إذا كان الكوب لا يزال يصب فيه الماء. مراجعة مدى التقدم في العملية العسكرية الأميركية في أفغانستان يحل موعدها في ديسمبر المقبل، وهي من دون شك عملية تقييم سابقة لأوانها للوضع هناك، ولا يمكنها إلا تقديم صورة محدودة وغير كاملة عما إذا كانت الإستراتيجية الجديدة التي طرحها الرئيس الأميركي باراك أوباما في ديسمبر الماضي تؤدي مهمتها أم لا.
ستكون هناك مؤشرات إيجابية. وسيكون من المدهش إذا لم تكن الزيادة الكبيرة في عدد القوات وفي النفقات الأميركية قد أحدثت تلك الآثار الإيجابية على المستوى المحلي. وقد ظهر تقدم واضح في بعض الأقاليم مثل هلمند، وفي تشكيل الحملة لإحكام السيطرة على قندهار. وقد تزايد بشدة عدد المتدربين العسكريين ومنشآت الجيش الأفغاني، وحدثت زيادات في عدد أفراد القوات الخاصة، وفي مخصصات الاستخبارات، والأسلحة.
مؤشرات دالة
وقد أدى استخدام الأسلحة الحديثة إلى إلحاق أضرار كبيرة في جانب طالبان وشبكة حقاني على المستوى القيادي. وبدأ التنسيق العسكري المدني يأخذ شكلا واقعيا أخيرا، وهناك جهود حقيقية لتصحيح عمليات التعاقدات التي أدت إلى فساد واسع النطاق وإهدار للأموال في الجانب الأفغاني.
مثل هذه المؤشرات تعطي إشارات مبدئية مهمة عن التقدم تشابه تلك التي تحققت في عملية مشابهة في حرب العراق. ولا يمكن تجاهل تلك المؤشرات حتى وإن كانت تعكس حتى الآن تقدما محدودا وسريع الزوال.
في الوقت نفسه، أظهرت تجارب التعامل مع حركات تمرد سابقة أن المكاسب قصيرة الأجل، والانتصارات التكتيكية إلى حد كبير، لا تعني شيئا إذا لم يمكن تصعيدها لكسب الصراع بأكمله، وتم الاحتفاظ بمنجزاتها بمضي الوقت، بحيث تقدم في النهاية مرحلة انتقالية مستمرة بدرجة معقولة من الأمن والاستقرار. ومن مفارقات حرب فيتنام أنها حققت كل الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة الآن لتحقيقها في العراق وأفغانستان وباكستان.
وعندما غادرت أميركا فيتنام كان لديها ما يمكن تسميته «وضعا جيدا بدرجة كافية»، حيث تمت هزيمة المقاومة، وإجبار العدو الخارجي على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، كما تم التوصل إلى اتفاقية رسمية بشأن الترتيبات السياسية. كما كان هناك جيش قوي للجمهورية الفيتنامية، وحكومة ديمقراطية، ومستوى معقول من احترام حقوق الإنسان.
لكن شيئا من ذلك لم يُجد نفعا عندما تضافرت عوامل الضعف الداخلي ومنع المعونات الأميركية، لتؤدي في النهاية إلى إصابة حكومة جنوب فيتنام وقوات الأمن بالشلل. علاوة على ذلك، فقد أثبتت فيتنام الشمالية وفلول قوات «فيتكونغ» أنهما أكثر قدرة على التواؤم مع الظروف مما توقعه الأميركيون.
وكنتيجة لذلك فقد ثبت أن الانتصار الأميركي في فيتنام كان خاويا مثل انتصارات كاسترو على متمردي «باتيستا»، أو مثل سلسلة الهزائم التي ألحقها اليابانيون والصينيون الوطنيون بالصين الشيوعية. وكما كان الوضع في العراق، الذي ربما لا يزال قائما، فقد افتقرت واشنطن إلى التحلي بصبر استراتيجي وتأييد سياسي محلي، لتحويل نصر ظاهري إلى مكاسب دائمة.
هذه المشكلات في أفغانستان وباكستان لا تعني إلا بالكاد أن على الولايات المتحدة أن تعيد تجربتها في فيتنام. ولكن هذه المشكلات تعني، رغم ذلك، أن على الولايات المتحدة أن تتحلى بأكبر قدر من الإلحاح والواقعية في تقييمها لما يمكن أن تسفر عنه مراجعة ديسمبر المقبل.
وكجزء من تلك الواقعية المطلوبة تحتاج إدارة الرئيس أوباما إلى الاعتراف بأن «الموعد النهائي المشروط» لبدء العملية الانتقالية في أفغانستان وتسليم مؤسساتها المسؤولية لم يكن واقعيا على الإطلاق، وأنه يسبب أضرارا أكثر مما يحقق فوائد. وعلى الإدارة الأميركية أن تبدأ بالتصرف بصدق وأمانة مع الشعب الأميركي، ومع حلفائها، والأفغان والباكستانيين، بحيث تقدم خططا معقولة وجداول زمنية لتنفيذ العمل المطلوب.
تغييرات مطلوبة
ويتطلب ذلك حدوث تغيير جذري في الموقف الراهن للبيت الأبيض، وإلى حد ما الذي تتخذه قوات المساعدة الأمنية الدولية في أفغانستان (إيساف). فقد عرقل البيت الأبيض محاولات إيساف إصدار تقارير شهرية وربع سنوية غير سرية عن الوضع، وأعطاها تعليمات بأن تبقيها سرية وتحظر توزيعها. وربما يكون البيت الأبيض مسؤولا أيضا عن عمليات التأجيل الغريبة التي عرقلت وصول تقرير وزارة الدفاع نصف السنوي عن الحرب إلى الكونغرس، وهو ما أدى إلى ظهور تقريرين متضاربين عن فترتين تفصلهما ستة أشهر، في غضون أسبوعين.
وإذا كانت إدارة الرئيس السابق جورج بوش قد أصدرت تقارير مبالغا فيها أو «متلاعبا بها» عن التقدم في الحرب، فإن إدارة أوباما حجبت المعلومات. ومنذ يونيو الماضي، عملت «إيساف» بشكل منتظم على حظر توزيع المواد غير السرية الصادرة عن القيادة بخصوص الوضع في أفغانستان، متبنية مرة أخرى سياسة «تقييد الرسائل» التي اتبعتها في تقاريرها حتى حدوث المراجعات التي أسفرت عن الإستراتيجية الجديدة.
التأثير النهائي لما يحدث هو أنه ليس هناك أي رسالة رسمية، أو أن هناك رسالة تبدو بشكل متزايد مثل الأكاذيب والحماقات التي كانت تتوالى كل صباح خلال حرب فيتنام. وفي الوقت ذاته، فإن الرسالة التي تصل إلى معظم الناس هي ما تبثه وسائل الإعلام، التي غالبا ما تصف المشكلات التي تواجهها الحرب في منطقة تكتيكية معينة لكنها تفتقر إلى إعطاء صورة شاملة للوضع.
وعلى المسؤولين الأميركيين في واشنطن وفريق الولايات المتحدة في أفغانستان وقوات «إيساف» استغلال تقرير ديسمبر المقبل، الذي سيصدر لمناسبة المراجعة الشاملة المنتظرة، في بدء صفحة جديدة أمينة فيما يتعلق بالإفادات التي يصدرونها عما يحدث في الحرب حتى الآن، وأن يبدؤوا أيضا إعداد توقعات موضوعية أكثر بكثير عن المستقبل.
ومن الضروري الإشارة إلى أن الحروب تنطوي على مخاطر وعدم يقين. وأن النصر غالبا ما يكون من نصيب الطرف الذي يبلي البلاء الأكبر في مواجهة تلك الحقائق ويتكيف معها. والقول بالحاجة إلى إصدار إفادات افضل وأدق عن الحرب، تراعي مشكلات الماضي، وأهداف المستقبل الإستراتيجية الكبرى، لا يعني معارضة الإستراتيجية الجديدة أو التخلي عن الحرب.
احتمالات النصر
ولا يعني أن صياغة التقارير المستقبلية عن الحرب يتطلب من القائمين عليها التحلي بالشفافية والأمانة، وهو ما يعني أن تكون هناك أخبار سيئة، كما ستكون هناك أخبار سارة، لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد فشلوا أو سيفشلون في أفغانستان أو باكستان. ومرة أخرى أقول إن الماء لا يزال يسكب في الكوب. وهناك تقدم حقيقي، مثلما هناك مشكلات حقيقية، ومن المبكر للغاية إدانة الإستراتيجية الجديدة أو السعي إلى ترتيبات سياسية من النوع الذي يوفر قناعا للانسحاب والهزيمة.
ومن الحقائق التي يتعين الانتباه إليها أن عملية الولايات المتحدة و«إيساف» في أفغانستان وباكستان لا يمكن تركها لكي تتحول إلى مستنقع، يتم تمويله بشيك على بياض. وعند نقطة معينة في نهاية العام 2011، سيكون على الولايات المتحدة التعامل مع حرب مشابهة تماما للحرب في العراق، من حيث أن الكثير من حلفائها، سيكونون قد انسحبوا أو في طريقهم للانسحاب.
وسيكون على واشنطن ومن تبقى من حلفائها في ذلك الوقت، أن يقرروا ما إذا كانت هناك فرصة حقيقية للتغلب على ما يكفي من المشكلات لتحقيق النصر، وسيكون قد انقضى عام كامل يمكنها فيه أن تقرر ما إذا كان الأمر يستحق الاستمرار في الحرب لتحقيق نتيجة إستراتيجية معقولة، تضمن أن تكون الأحداث المستقبلية تحت السيطرة.
ويمكن أن يكون تقرير ديسمبر المقبل نقطة انطلاق، لكن التقرير الذي يليه يجب أن يكون حاسما، نحو تأييد قرار نهائي بالبقاء في المدى البعيد أو الرحيل. لكن هذا يقودنا إلى التنبيه إلى محظورين:
الأول، أن الذين يطالبون بالبقاء يجب أن يكونوا مستعدين لمواجهة ما يتطلبه ذلك من قوات حتى العام 2015، إلا إذا انهار التمرد بأسرع مما يتوقع. وسيعني ذلك مواصلة تقديم مساعدات كبيرة حتى العام 2020 على الأقل.
ثانيا، على الذين يطالبون بالرحيل أن يواجهوا بصدق الاحتمال الكبير بأن تنهار كل الجهود من أجل تشجيع الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية، بغض النظر عن موقف طالبان وأي حركة تمرد أخرى. فالحرب لا يمكن كسبها بالوسائل العسكرية فقط. وينطبق ذلك بالقدر نفسه على التسوية السياسية، خاصة في وقت يعتقد التمرد أنه هو الطرف المنتصر، وينحدر مستوى نظامي الحكم في أفغانستان وباكستان، ولم تظهر قوات أي من البلدين القدرة الكافية على تحويل الانتصارات التكتيكية إلى مكاسب ونجاحات مدنية وعسكرية.
وفوق ذلك كله، فإن الكثير ممن يتحدثون عن استراتيجيات الخروج من الحرب ينسون أن كل إستراتيجية للخروج تتضمن الانتقال إلى جهة جديدة ما تنطوي على مشكلات أمنية ومخاطر جديدة. والهروب من المشكلة قد يكون إستراتيجية جيدة عندما يكون هناك مكان آخر أفضل وأكثر أمنا نذهب إليه.
بقلم: أنتوني كوردسمان - ترجمة: عصام بيومي


