قبيل اجتماعه مع الرئيس الفرنسي «ساركوزي» في باريس، حرص «هوجنتاو» رئيس الصين على أن يخاطب العالم بلهجة استخدم فيها المزيج التقليدي من الأدب الآسيوي ومن الحذر الصيني.

الرئيس الزائر القادم إلى باريس من بيجين، أدلى بحديث مهم إلى صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية معربا عن استعداد بلاده للتعاون مع سائر دول العالم من أجل ما وصفه هو «هوجنتاو» بأنه «تحقيق نمو اقتصادي متوازن على مستوى العالم».

عند هذه النقطة كان لابد من التطرق إلى النقطة الحساسة التي لا تفتأ تثيرها دول أخرى، ومنها أميركا على وجه الخصوص. تلك هي نقطة أسعار العملة.. بالتحديد مطالبة واشنطن المعروفة بالعمل على زيادة سعر صرف «اليوان» الصيني الذي ما زال سعره المنخفض سبباً في رخص أسعار الصادرات الصينية في أسواق العالم، وهو ما يسبب ما يعرفه أهل السوق بأنه «تحطيم الأسعار».. أو «حرق الأسعار»، وتلك تعابير ومصطلحات لا يتم استخدامها إلا في مناسبات التنزيلات أو الحسومات الموسمية التي تعرف في بعض أقطارنا اليعربية باسم «الأوكازيون».

بين التطمينات والصادرات

ورغم التطمينات التي وردت في حديث الرئيس الصيني إلى الجريدة الفرنسية، إلا أن أحدث أرقام الصادرات الصينية مازالت تقّض مضاجع المنافسين الغربيين على جانبي المحيط الأطلسي.. وخاصة الجانب الغربي ــ الأميركاني على نحو ما أسلفنا.. لماذا ــ لأن أحدث إحصاءات صادرات الصين، وقد عبرت عنها مؤخرا أرقام صادراتها في شهر سبتمبر الماضي تؤكد، بالفم المليان كما يقولون، أن الصادرات الصينية ما زالت في حال من التزايد المطرد، ومن ثم فإن الاحتياطيات من النقد الأجنبي في حسابات الصين المصرفية ما برحت بدورها في حال من الارتفاع المتواصل إن لم يكن المندلع المشبوب.

هكذا جاءت بيانات الحكومة في بيجين لتؤكد ما يلي:

أن الفائض التجاري الشهري وصل إلى مبلغ 9 .16 مليار دولار في شهر سبتمبر بفضل ما شهدته الصادرات الصينية من زيادة بنسبة 25 في المئة.

صحيح أن زيادة الاحتياطيات السبتمبرية جاءت أقل من نظيرتها التي تحققت في أغسطس حين بلغت نحو 20 مليار دولار.. إلا أن رقم سبتمبر ما زال جسيما ويستدعي القلق العميق من جانب المنافسين في أسواق العولمة، على نحو ما يذهب إليه الخبراء الاختصاصيون.

نفس هؤلاء الخبراء المتضلعين في قضايا ومستجدات الاقتصاد العالمي يرصدون المبلغ الهائل.. هل نقول المخيف، الذي وصل إليه المجموع الإجمالي لاحتياطيات بيجين من القطع الأجنبي، فإذا بالمبلغ المذكور هو 65 .2 تريليون دولار، وهو ما تجاوز نبوءات أشد المحللين الاقتصاديين تفاؤلاً.

الدهاء الصيني

لعل هذه الظروف المتجمعة هي الدافع وراء التطمينات، بالغة التهذيب، التي حرص رئيس الصين على التعبير عنها خلال زيارته الأخيرة إلى فرنسا في مطالع نوفمبر، مستخدماً في ذلك، وفي دهاء ملحوظ.. تعبيرات من قبيل أن بلاده ستواصل تحسين وتطوير نظامها الاقتصادي على أساس سياسة تجمع بين «الترشيد والمسؤولية» في مجال تحديد سعر صرف عملة «اليوان»، متبعة في ذلك ـ كما أضاف هوجنتاو- سبيل المرونة من حيث الاستجابة لقوانين العرض والطلب في السوق العالمية.

هنا لا يمكن أن يغفل المحلل السياسي عن مدى المفارقة حينما يتكلم المسؤول رقم واحد في أكبر دولة مازالت تتمسك بالمذهب الشيوعي والإيديولوجية الماركسية.. فإذا به لا يتورع عن اللجوء إلى قوانين العرض والطلب وهي أسّ المذهب الرأسمالي.. وربما كان ينقص هذا الحديث الدبلوماسي أن يتحول الرفيق رئيس الصين إلى الحديث عن «اليد غير المنظورة» التي تتدخل لضبط أحوال السوق، على نحو ما سبق إلى التبشير به الجدّ الأعلى للمذهب الرأسمالي وقوانين السوق، وهو المفكر الإنجليزي آدم سميث منذ أكثر من 250 عاماً من عمر العصر الحديث.

وبديهي أن الرئيس الصيني.. كان يمهد بمثل هذه الأحاديث الباريسية إلى طمأنة مضيفه الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي ما فتئ يعرب عن حرصه على إشراك الصين في معالجة الاختلالات الاقتصادية التي ألمت بالاقتصاد العالمي، خاصة في ضوء رئاسة فرنسا لاجتماع سول الأخير في كوريا الجنوبية الذي اتخذ شكل القمة الاقتصادية لمجموعة العشرين.

وزير يتوعد

بيد أن مشكلة الرئيس الفرنسي إنما تتمثل في أن الحليف الأميركي مازال على موقفه البالغ التصلب إزاء الصين.. بل تجاوزت ظاهرة هذا التصلب الأميركي ساحة الاقتصاد رغم أهميتها البالغة.. ورغم ما شهدته من تصريحات متشددة..

وأحيانا متوعدة صدرت عن تيموثي جيثنر وزير خزانة الولايات المتحدة واتهم فيها الصين بالتلاعب بسوق العملات الدولية، بل تزامنت معها تصريحات السناتور الأميركي تشارلس شومر التي ضمت عباراته في جلسة استماع بمجلس الشيوخ في واشنطون، وقال فيها:

- إن هذا التلاعب الصيني بأسعار العملة أشبه بحذاء ضخم يضغط على عنق مسيرة التعافي التي يطمح إليها اقتصادنا.

مع هذا كله، فلا يمكن قراءة هذه الاندفاعات والايجابيات الصينية في مجال التطور الاقتصادي.. إلا بقراءة أخرى في مجال التطور العسكري هذه المرة. وبديهي أن هذا الجانب ما كان ليفوت على رصد وملاحظة، وبالطبع قلق، الأوساط الأميركية.

هكذا يكتب الصحافي «مايكل واينز»، مراسل النيويورك تايمز من العاصمة بيجين (التايمز، عدد 11/10) موضحا كيف أن أوساط البنتاجون ووزارة الدفاع في واشنطن باتت «تشعر بالجزع الشديد»، على حد تعبيره، إزاء خشونة اللهجة التي استخدمتها مؤخرا أركان العسكرية الصينية، وخاصة في أوساط السلاح البحري الذي استطلع مواقف الأجيال الشابة من ضباطه، ليجدوا أنهم لا يزالون يعتبرون أميركا عدوا متربصا بالصين وحائلا يعوق صعودها في مراقي السياسة والقوة في العالم.

تطوير الجيش

ويمضي تحليل «التايمز» موضحا ما طرأ من توسع في سلك الأسطول الصيني متمثلا في إضافة العشرات من السفن القتالية ومن الغواصات.. فما بالك بأنباء أو معلومات ترددت حول بناء الصين أول حاملة طائرات خاصة بها، فضلا عن اتساع ساحات المناورات التي تقوم بها البحرية الصينية انطلاقا من قوتها الصاعدة، سواء بالمشاركة مع الأسطول الاسترالي في البحر الأصفر، أو بالرحلات والزيارات التي قامت بها مؤخرا قطع البحرية الصينية إلى موانئ أقطار متعددة ما بين نيوزيلندا إلى استراليا وما بين اسبانيا إلى بريطانيا.

صحيح أن هذه القوة الصينية، برية كانت أو بحرية، لا تستطيع الآن أن تنافس منعة الطرف الأميركي.. ولكن الأصح أن الصين تعودت عبر السنوات الثلاثين الأخيرة أن تبعث الدهشة في نفوس مراقبي أحوال منطقة الشرق الأقصى من الكرة الأرضية، يستوي في ذلك أهل الاقتصاد الذين مازالت تروُعهم ــ كما ألمحنا ــ أرقام الصادرات وأحجام الاحتياطيات.. أو أهل السياسة الذين يرمقون بإعجاب أسلوب المرونة في إدارة الشأن العام في العاصمة بيجين.. بعد أن حطمت شرنقة الجمود الفكري أو الدوغما المذهبية على يد زعيمها البرغماتي دنج ساو بنج الذي تسّلم ــ كما هو معروف ــ تركة الزعيم المؤسس ماو تسي تونغ..

فاستطاع على مدار حقبة السبعينات ــ الثمانينات أن يضع الصين على أعتاب عصر انفتاحي قادر وصلب، واثق ومستنير.. دعك من مراقبي الشأن العسكريين الذين يتهيؤون ولا شك في أن يشرعوا أسلحة رصدهم وتحليلاتهم لتلك المستجدات التي دعت روبرت جيتس، وزير الدفاع الأميركي للمبادرة إلى دعوة كل من أميركا والصين إلى الأخذ بأسباب التعاون بما يحول ــ بنص كلمات المسؤول الأميركي الكبير دون حدوث «فقدان للثقة، ومن ثم أخطاء في الحساب».

ترميم العلاقات

في نفس السياق، وعلى نحو ما يكتب صحافي أميركي آخر هو «ثوم شانكر» من العاصمة الفيتنامية هانوي، اتخذ وزير الدفاع الأميركي موقفا ينطوي على اهتمام عميق بلغ درجة ملحوظة من الإصرار، ويدعو إلى استعادة العلاقات العسكرية بين الصين وأميركا، أو بالأدق «ترميم» هيكل هذه العلاقات على نحو ما يعبّر الكاتب الأميركي بعد أن تصدعت، بل قطعتها بيجين على سبيل الرد الانتقامي من جانبها على ما قامت به واشنطون من تزويد تايوان بالأسلحة الأميركية.

صحيح أن تايوان دفعت الثمن مقابل هذه الأسلحة، وبمعنى أن المسألة لم تكن تطوعا ولا هبة من جانب واشنطن.. ولكن الأصح أن الصين تصف تايوان رسمياً بأنها المقاطعة الصينية (التابعة للصين الأم) بعد أن جردها المجتمع الدولي من عضوية الأمم المتحدة، ومن ثم فالتعامل معها ــ ناهيك أن يكون عسكريا وتزويدا بأسلحة أجنبية ــ يوازي في التحليل الأخير خطوة معادية للبر الصيني ــ للصين الأم. وهو ما دعا الناطق باسم وزارة الدفاع الصينية أن يعلن بعد اجتماع تم بين وزيري دفاع أميركا والصين أن ثمة عقبة مازالت باقية في علاقات الجانبين، وأن هذه العقبة اسمها.. تايوان.

وبصرف النظر عن تصريحات الكونجرس المتشددة أو تخوفات البنتاجون من تصاعد القوى العسكرية الصينية.. أو استياء أرباب الخزانة والاقتصاد والتمويل الأميركيين من حكاية انخفاض سعر اليوان واستمرار شلالات الصادرات الصينية.. فقد كان طبيعيا أن يخف عقلاء السياسة في أميركا قائلين على سبيل المثال:

- أيها السادة: لا جدوى من أسلوب المواجهة أو ممارسة الضغوط أو تعبئة القوى المناوئة ضد الصين.. والأهم هو فسح المجال أمام الصين كي تلعب دورها بوصفها قوة صاعدة وفاعلة، ويُعّتد بها كثيرا على ساحة السياسة والاقتصاد الدولي، بمعنى أن تكون شريكا يتحمل جانبا من مسؤولية حل الأزمات الدولية، وليس منافسا مزاحما أو خصما لدودا. يمكن أن يشق طريقه الخاص دون أن يتحمل بالضرورة أية مسؤوليات في هذا الخصوص.

في هذا السياق أيضا، يكتب «اناتولي كالتسكي» وهو كبير الاقتصاديين في مؤسسة للاستشارات المالية في هونج كونج محذرا من عدم الانسياق في توجيه اللوم إلى الصين، ومؤكدا أن لومها لن يساعد ــ كما يقول ــ على إصلاح الاقتصاد أو اكتمال التعافي من الأزمة المالية.

قناعات آسيوية

يلفت أنظارنا في تحليل هذا الخبير أنه يطل على دور الصين من منظور أوسع، سواء من حيث المساحة ــ وهو منظور قارة آسيا بشكل عام ــ أو من منظور مختلف هو زاوية التصورات التي باتت تراود ساسة آسيا.. في شرقها الأقصى بالذات إزاء أميركا ودورها الحالي والمرتقب في العالم.. يقول كالتسكي بالحرف:

- إن اهتمام دول آسيا بالسياسة الأميركية لا ينبع فقط من واقع مكانة أميركا الحالية بوصفها القوة العظمى الوحيدة في مجتمع العولمة، ولكنه يصدر أيضا عن اعتقاد يسري بصورة متزايدة بين صفوف زعماء آسيا، ومفاده أن حقبة الهيمنة التي ظلت تتمتع بها الولايات المتحدة سوف تؤذن إلى نهايتها في القريب العاجل، وأن حالة الاستقطاب السياسي الراهنة في عالمنا ما هي سوى رمز يجسّد عجز أميركا عن التكيف مع الطابع المتغير الذي باتت تتسم به الرأسمالية العالمية، وخاصة بعد وقوع الأزمة المالية.

و.. هكذا تحدث خبير في الاقتصاد مقيم في المقاطعة الصينية ذات الاستقلال النسبي.. الرأسمالي كما نسميه وهي هونج كونج.

وأيا كان مبلغ الاتفاق أو الاختلاف مع ما يذهب إليه، فنحن نذهب من جانبنا إلى أن الصين ماضية في مسيرتها بعد أن استرعى أنظارنا آخر تصريحات رئيسها إلى الصحيفة الفرنسية التي أومأنا إليها في صدر هذا المبحث، وخاصة حين دعا كل الأطراف الفاعلة في عالمنا إلى أن تعمد إلى تغيير الأنماط التي تتبعها في مجال التنمية، وإلى إعادة هيكلة اقتصاداتها، وإلى التصدي للنزعات الحمائية (التي تعوق حرية المنافسة) وبما يفضي في رأي «هوجنتاو» إلى تجارة نزيهة ومتوازنة على مستوى العالم الذي نعيش فيه.

مصدر خطر

لم تعد المسألة مجرد نجاحات خارقة وغير مسبوقة يحققها الاقتصاد الصيني، بقدر ما تجاوزت هذا المضمار إلى حيث باتت هذه النجاحات تشكل، أو تكاد تشكل، مصدر خطر للقوى الأخرى باعتبارها تكاد تقطع الطريق على إمكانات تعافي سائر الاقتصاديات العالمية، حتى الكبرى منها ــ

من عقابيل الأزمة المالية ــ الاقتصادية الطاحنة التي ما برحت تأخذ بخناق معظم أقطار العالم.. هذا في ما يحذر الخبراء من أن هذه الانطلاقة الصاعقة في خطوات الصين.. يمكن بدورها أن تقطع الطريق على جهود الاقتصادات الصاعدة التي مازالت تناضل جاهدة كي تجد لنفسها موطئ قدم في ساحة السوق العالمية في المرحلة الراهنة.

محمد الخولي