استرعى أنظار المراقبين نبرة التصريحات التي أدلى بها الرئيس الصيني «هوجنتاو» مؤخراً إلى صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية، مستخدماً في ذلك لهجة أقرب إلى التطمينات الدبلوماسية، وداعياً إلى انتهاج سبل التعاون بين أطراف الشأن الاقتصادي في العالم، وخاصة خلال الأزمة المالية الراهنة، هذا رغم استمرار التوتر الذي ما زال يسود العلاقات بين واشنطن وبيجين.

حيث لم يعد الأمر محصورا في ارتفاع صادرات الصين بسبب انخفاض سعر صرف عملتها مما أضر بقوانين المنافسة في السوق العالمية.. بل تعدّى التوتر إلى مجالات لعلها لم تكن في حسبان صانع السياسة في أميركا والغرب، وفي مقدمتها مثلاً المجال العسكري..

وهنا يلاحظ المراقبون عكوف الصين على تطوير وتحديث آلتها الحربية، وخاصة سلاحها البحري الذي تأكد إمداده بالمزيد من السفن القتالية ومن الغواصات، فضلاً عما تردد من أن الصين بسبيل بناء أول حاملة طائرات تملكها دولة آسيوية على الإطلاق.

وفي مضمار رصد وتحليل الدور الصيني، يكتب محلل اقتصادي ضليع ومقيم في المقاطعة الصينية هونج كونج موضحا أن ثمة نظرة مستجدة بات ينطلق منها قادة القارة الآسيوية؛ وقوامها أنهم يتصورون أن النظرة إلى أميركا، بوصفها القوة العظمى الوحيدة في عالمنا، قد آذنت إلى نهايتها في القريب العاجل، وهو ما يفسر في رأي هذا الخبير حالة الاستقطاب السياسي الراهنة التي تسود علاقات الأطراف الفاعلة في العالم، ولاسيما خلال استمرار الأزمة المالية ؟

الاقتصادية الحالية.. وهي حالة تبّدت ولا تزال تتجلى حتى في المؤتمرات واجتماعات القمة التي التأم عقدها مؤخراً، وضمت أطرافاً من أهم القوى والفعاليات الاقتصادية في عالم اليوم.

لقد هلل العالم كله للتجربة الصينية التي انطلقت في مطلع الثمانينات من القرن الماضي بعد أن استطاعت واشنطن احتواء العملاق الصيني وعزله عن الساحة السياسية الدولية مقابل فتح الأسواق العالمية لمنتجاته، ووقع الصينيون في الفخ فاندفعوا بسرعة بعجلة إنتاجهم الصناعي الكبير، حتى أصبحوا الشركاء التجاريين الأوائل لأكثر من نصف دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا.

ولم تمض سنوات الثمانينات حتى منحت واشنطن الصين حق «الدولة الأكثر رعاية»، ومنحتها امتيازات تجارية واستثمارية غير عادية، ما زاد من عمق هوة الفخ الأميركي الذي أعدته واشنطن بإتقان في طريق العملاق الصيني، فقد أصبحت الصين مكبلة في الخارج بقيود الأسواق الأجنبية التي باتت تعوق أي دور سياسي للصين على الساحة الدولية.

ولقد بات العملاق الصيني مهدداً من الداخل والخارج في آن واحد، وكان واضحاً أن كل هذه الظواهر السلبية لم تكن تحظى باهتمام قيادات الحزب السابقة، ولم يشار إليها في المؤتمرين السابقين للحزب الشيوعي الصيني في العامين 2002 و1997، ولكن مع زيادة الضغوط والتهديدات الخارجية بات الأمر يستلزم وقفة للمراجعة وتصحيح المسار.

وهذا ما انعكس بوضوح في مؤتمر الحزب الأخير في أبريل 2007 الذي امتلأ بالانتقادات الحادة لواشنطن التي تعمدت أثناء انعقاد المؤتمر استقبال الزعيم الروحي لإقليم التبت المتمرد على النظام الصيني، «الدلاي لاما»، حيث أهداه الكونغرس الأميركي الوسام الذهبي لنضاله من أجل حقوق الإنسان في الصين.

كما صدر تقرير الكونغرس الذي تضمن اتهامات حادة للصين بقمع حقوق الإنسان والأقليات والديمقراطية، وبات واضحاً أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الصين كصديق وشريك تجاري كبير بعد التطورات التي حدثت في السياسة الخارجية الصينية في الأعوام الأربعة الماضية.

وتقاربها الواضح مع روسيا سياسياً وعسكرياً، ودعمها لموقف إيران في أزمتها المتصاعدة بشأن برنامجها النووي، ودورها مع روسيا في حث دول آسيا الوسطى على طرد القواعد العسكرية الأميركية من أراضيها، وهو ما فعلته أوزبكستان صيف العام 2005 وما تنوي قيرغيزيا فعله مع القاعدة الأميركية على أراضيها قريباً.