يتسم القراصنة الصوماليون بروح القرصنة الصرفة، يطلقون على أنفسهم ألقابا مميزة تدل على مهنتهم، منها «صاحب الفم الكبير»، و»صاحب السن الفضي»، و«صاحب الأسنان الحمراء»، و«عبدي الكذاب»، وهكذا.
وهم متهورون وصرحاء، وللغرابة تجدهم في أي وقت. والغريب أن معظم عصابات القرصنة الصومالية لها ناطق رسمي باسمها. وباعترافهم الذاتي فان المحرك الأساسي والوحيد لهم هو المال. غير أن المؤسسة الإجرامية المزدهرة التي أسسها هؤلاء القراصنة حول عدد من أكثر خطوط الملاحة العالمية ازدحاما، باتت لها تأثيرات أكثر اتساعا. لم تنجح المجاعات المتواصلة في الصومال، ولا الحروب الأهلية التي لا تهدأ، في أن تجذب انتباه العالم وتركزه على المسألة الصومالية مثلما نجحت في ذلك، في السنوات الأخيرة، القصص الواقعية لقراصنة القرن الحادي والعشرين الذين يقذفون بخطافاتهم فوق جوانب السفن الكبيرة في البحر، ثم يتسلقونها ويصلون إلى متنها وهم يقطرون ماء ومسلحون تسليحا ثقيلا، ليأخذوا أطقمها رهائن لشهور عدة، حتى يتم إسقاط فدية بملايين الدولارات من الجو.
على مدى العشرين عاما الماضية، منذ سقطت حكومته المركزية أصبح الصومال واحدا من النماذج الواضحة في العصر الحديث لدولة من دون حكومة.
ولا يبدو أن أي شيء يجدي، لا الجنود الأميركيون الذين اقتحموا شواطئ الصومال في العام 1992، للتعامل مع زعماء الحرب (وقد غادروا بعد ذلك بعامين يكللهم الخزي بسبب اسقاط مروحية «البلاك هوك» وسحل الطيار الأميركي بعد حرقه) ولا السبعة آلاف جندي إفريقي التابعين للاتحاد الإفريقي الذين يشاركون في عملية حفظ السلام، الذين يقاتلون في الشوارع المدمرة في مقديشو اليوم.
لقد فقدت عشرات الألوف من الأرواح بسبب المجاعة والحرب. والعنف يواصل التصاعد، وآخر حلقاته يتمثل في حرب واضحة بين حكومة معتدلة تتلقى ملايين الدولارات في شكل مساعدات غربية، لكنها لا تسيطر على أي مساحة حقيقية من الأرض، وحركة تمرد متشددة فرّختها حركة «القاعدة».
ويغذي نزيف الدم في هذا البلد بشدة صراعات عشائرية متأصلة ومتربحين من الحرب. وفي ضوء ذلك تتوفر كل الظروف المناسبة لنمو القرصنة وهي الفوضى وميراث الحرب الباردة الذي ترك الصومال مدججة بالسلاح، علاوة على سواحل بطول 1900 ميل، تحتضن خليج عدن، الذي تمر به 20 ألف سفينة كل عام.
اختلاف مهم
لا شك في أنه كانت هناك دول أخرى ضعيفة أو ضعيفة نسبيا ولها سواحل إستراتيجية، مثل نيجيريا وإندونيسيا، حيث أدى انعدام القانون إلى نشوء ظاهرة القرصنة. غير أن الصومال مختلف لسبب مهم جدا، يفسر سر نجاح زعماء عصابات القرصنة الذين يقف أبشير بوياه نموذجا بارزا بينهم، يحبه العامة، ويعرفونه بالاسم، علاوة على قراباته العديدة بمسؤولين متنفذين في حكومة دولة بونت لاند، التي أعلنت استقلالا ذاتيا في إطار دولة الصومال الأم في العام 1998.
وقراصنة الصومال يتصرفون في أراض بمساحة ولاية تكساس الأميركية، يتخذون منها ملاذا آمنا. وهم يختطفون السفن، أحيانا، على عمق ألف ميل بحري من الشاطئ، ثم يقتادون رهائنهم إلى أوكار قراصنة معروفة جيدا، حيث يقيمون الولائم، بينما يتفاوضون على الفدية المطلوبة.
ربما يكون من المعقول إلقاء الفدية المطلوبة إلى القراصنة في كل حالة، لكن عندما يصبح ذلك سلوكا عاما، فإن ذلك يجذب المزيد من الشبان الصوماليين للانخراط في عالم خطف السفن من البحر، كما انه يجعل القراصنة أكثر جرأة وطمعا.
ويهاجم القراصنة أي شيء من ناقلة بترول عملاقة بطول ألف قدم إلى زوارق صغيرة تحمل ثلاثة أشخاص، وحتى الشاحنات التي تقل المساعدات الغذائية العاجلة أو التي تحمل الأسلحة، أو تلك المحملة ببنزين قابل للاشتعال، ويمكن أن تتحول إلى قنبلة عائمة. كما قام هؤلاء القراصنة بمهاجمة سفن تابعة للبحرية، فيما يبدو بطريق الخطأ.
أرباح بالملايين
وليس معروفا بالضبط كم ربح هؤلاء القراصنة من الفدية، خلال السنوات الماضية، لكن من الممكن القول إن المبلغ يصل إلى 100 مليون دولار. وكثيرا ما تفقدهم الغنائم وعيهم. فبعد هبوط مظلة بها 3 ملايين دولار على سطح السفينة «سيروس ستار» وهي ناقلة عملاقة اختطفها قراصنة صوماليون، في أواخر 2008، قسم القراصنة المبلغ، ثم فروا بشكل متهور في قواربهم الصغيرة، وسط عاصفة شديدة، فغرق الكثير منهم وماتوا. أحد القراصنة القتلى وصلت جثته إلى الشاطئ وفي جيوبه أكثر من 150 ألف دولار.
أدى ذلك إلى ازدهار ثقافة وتقاليد خاصة بالقراصنة.
فحفلات زواج القراصنة تتسم بالبذخ، وتستمر ليومين أو ثلاثة أيام ولأوقات متأخرة من الليل، حيث يتم استحضار الفرق الموسيقية، والعرائس أيضا، وأسراب من سيارات الدفع الرباعي، من خارج الصومال. وتحلم الجميلات في مدن القراصنة بالزواج من قرصان، وينتظر الصبية بفارغ الصبر بلوغ السن المناسبة لحمل بندقية فوق أكتافهم والانطلاق إلى البحر.
وفي هذه الأماكن يتمحور الاقتصاد كله حول عمليات خطف السفن، حيث يعمل المئات من الرجال والنساء والأطفال في مجال الحراسة والاستكشاف والطبخ والميكانيكا والمحاسبة وصنع القوارب والخدمة على السفن.
ولا شك أن الجريمة في الصومال تؤتي أكلها. حتى أن هناك سوقا لتبادل الأوراق المالية في «شركات» تعمل في القرصنة في منطقة زاراديري حيث يشتري السكان المحليون أسهما في نحو 72 شركة قرصنة ويحصلون على أرباح مجزية أحيانا. لكن هذا المال سرعان ما يتبدد. ويقول بوياه، الذي جنى مئات الألوف من الدولارات إن لم يكن الملايين، إنه نظرا للعلاقات العائلية المتشعبة فإن المليون، مثلا، لا يقسم على شخصين أو ثلاثة بل على ثلاثمائة.
خلفيات تاريخية
ويوضح مارتن مورفي وهو مستشار للبحرية الأميركية في كتابه «الصومال: السواحل الجديدة» أن مسألة القرصنة انطلاقا من الصومال ليست أمرا جديدا بل يعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، حيث كانوا قبل ذلك التاريخ يكتفون بانتشال حطام السفن وأخذ ما فيها. كما أن سلاطين ما يعرف الآن باسم بونتلاند كانوا يديرون عمليات ناجحة لإنقاذ السفن في القرن التاسع عشر.
ورغم أن الصومال عبارة عن شريط ساحلي رفيع، فإن معظم الصوماليين ليسوا بحارة بطبيعتهم. وحتى عندما كانت الصومال مستقرة بعض الشيء لم تطور حكومتها صناعة صيد أسماك، رغم أن مياهها مليئة بكل أنواع الأسماك المعروفة.
وبدلا من ذلك تمسك الصوماليون بثقافة الرعي التقليدية لديهم. كما أن تعبير «آكل السمك» يمثل إهانة في الصومال. وفي حين لم يقدر الصوماليون قيمة ثروتهم البحرية الهائلة، قام آخرون بهذه المهمة.
وخلال ذروة موسم الصيد تتقاطر السفن من جميع أنحاء العالم في المياه الصومالية، حيث يستخدم بعضها طرقا قذرة في الصيد تدمر البيئة البحرية.
وتقوم السفن الأجنبية بأدوار قذرة كثيرة أخرى، منها إطلاق النار على الصيادين المحليين وقطع شباكهم، علاوة على إلقاء نفايات سامة في المياه الدولية الصومالية، في ظل عدم وجود حكومة صومالية تقاضي تلك الشركات أو تشكوها إلى المحكمة الدولية.
بداية القصة
يقول بوياه، المعروف في أنحاء الصومال باعتباره رائدا في عالم القرصنة، إنه ترك الدراسة في سن الثامنة، ثم عمل على مركب صيد، ثم أصبح صيادا، وأنه خطف أول سفينة في حياته في العام 1993، وكانت سفينة صيد دخلت المياه الصومالية بشكل غير شرعي. ويضيف إن «مهنة» خطف السفن بدأت في الصومال عندما بدأ صيادون مثله بتسليح أنفسهم ومهاجمة سفن الصيد غير الشرعية لفرض غرامات عليها، لم تكن تتجاوز بضع آلاف من الدولارات.
وسرعان ما أدرك الصيادون الصوماليون أن فرض غرامات الصيد أكثر تحقيقا للربح من الصيد نفسه. ولم تفلح حكومة بونتلاند في وقف الصيد غير الشرعي من خلال اتفاق مع شركة أمن بريطانية في العام 1999، ثم زاد المسلحون من أعدادهم. وفي أواسط العقد الأول من القرن ال21 تطور الصيادون المسلحون، واحترفوا القرصنة كمهنة دائمة. وبفضل بوياه تبدو مدينته الأم إييل عاصمة القرصنة في العالم الآن.
وسرعان ما نظم القراصنة أنفسهم في عصابات يسمونها «شركات» ويلقبونها بألقاب من مثل «البحرية الصومالية» و»المدافعون عن المياه الصومالية».
وقد حاول القراصنة مرارا تقديم أنفسهم على أنهم حراس السواحل الصومالية، لكن هذا الادعاء كان سخيفا للغاية، في ظل مهاجمتهم لسفن اقرب إلى الهند منها إلى الصومال. والحقيقة أنهم ليسوا إلا نسخة «بحرية» أخرى من المسلحين الذي أفرزتهم الفوضى في بر الصومال.
لقد تمكن عدد من الصوماليين ذوي الشخصيات الكارزمية من استغلال الفراغ السياسي في الـ 20 عاما الماضية وصلاتهم العشائرية، وسهولة الحصول على السلاح، وجيش العاطلين عن العمل في تهريب الأسلحة والاتجار في المخدرات والبشر واستيراد الغذاء الفاسد واستغلال منشآت الدولة لتأجيرها للمشردين المحتاجين للمأوى.
نجاح نسبي
أرسلت أكثر من 30 دولة سفنا حربية إلى مياه الصومال في محاولة لوقف عمليات القرصنة. غير أن بوتنغال موكوندان مدير المكتب الملاحي الدولي في لندن يقول إنه لا يعتقد أن ذلك سيردع القراصنة، حيث إن هناك أكثر من مليوني كيلومتر مربع تحتاج إلى الحراسة.
وقد ترددت الدول الأجنبية في مهاجمة أوكار القراصنة على الأرض، لأن من الأسهل والأرخص كثيرا دفع الفدية. لكن على مدى العامين الماضيين جربت بعض الدول استخدام القوة ضد القراصنة، فحاولت سفن قذف القراصنة بالطماطم أو رشهم بخراطيم المياه.
وقد أغرقت البحرية الهندية، أخيرا، سفينة قراصنة لتغرقهم مع رهائنهم. وفي أوائل الشهر الماضي نجح كوماندوز أميركيون في اعتقال 9 قراصنة، كانوا قد اختطفوا سفينة شحن ألمانية قبالة اليمن. كما تم اعتقال الكثير من القراصنة وإرسالهم إلى المحاكمة في عواصم عدة.
وفي العام الماضي، قتلت البحرية الأميركية ثلاثة قراصنة كانوا يحتجزون رهينة أميركي في قارب نجاة. وتحمل سفنا كثيرة الآن حراسا مسلحين على متنها. نتيجة ذلك انخفضت نسبة نجاح عمليات الخطف من 63% إلى 20% فقط، بحسب معلومات حديثة للأمم المتحدة.
وبرغم ذلك لا تزال عمليات القرصنة وخطف السفن تتواصل. وحتى متصف أغسطس الماضي تمكن قراصنة الصومال من السيطرة على 31 سفينة واختطافها خلال العام 2010، وهو ما يشير إلى أن المعدل يقترب بشدة مما كان عليه في العام الماضي.
شكوك
يبدو عالم القرصنة في الصومال معقدا أكثر مما يعتقد. فبحسب مارتن مورفي في كتابه «الصومال: السواحل الجديدة» هناك شكوك في وجود عقول مدبرة لعمليات القرصنة تقوم بالتخطيط والإدارة من عواصم أخرى في الشرق الأوسط ونيروبي ولندن.
كما أن هناك شائعات عن استثمار القراصنة الأموال التي يحصلون عليها ببراعة في سوق العقارات في نيروبي، وأنهم يستخدمون في عملياتهم نظارات للرؤية الليلية وطلاء خاصا لجعل قواربهم غير مرئية، ولا تستطيع أجهزة الرادار التقاطها. ويعتبر زعيم قراصنة آخر أن هذه ما هي إلا تقنيات بسيطة من الأساليب التي يستخدمها القراصنة.
رغم ذلك لا يرى مورفي ضرورة لأن تسخر الدول المعنية سفنا حربية بمئات الملايين من الدولارات لحراسة السفن التجارية، ويدعو بدلا من ذلك إلى الاستعانة بشركات أمن خاصة.
بقلم: جيفري جيتلمان
ترجمة: عصام بيومي

