بعد عشرين عاماً قضتها روسيا في المحاولات الفاشلة والوعود غير المنجزة، استطاعت في نهاية المطاف الانطلاق قدماً ببرنامج إصلاح شامل لقواتها العسكرية، وتطمح روسيا إلى أن يصبح لديها، بحلول عام 2020، جيش قوي ومؤهل وقادر على صد التهديدات الخارجية، ويبرز في الوقت نفسه مكانة روسيا في المنطقة والعالم وهيبتها إقليمياً وعالمياً.

منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، تبنت روسيا سلسلة من الأولويات المتناقضة، فقد ورثت عن الاتحاد السوفييتي أسلحته، وورثت عنه الفكرة القائلة بضرورة الاستعداد دوماً لحرب برية طاحنة، عبر أوروبا أو آسيا، لكنها انهمكت في عمليات مقاومة الإرهاب وحفظ السلام، حيث اعتبرت نفسها قوة عالمية، على الرغم من أن اقتصادها كان يمر بأزمة كبيرة، وادعت أن لا أعداء لها، على الرغم من أنها شهدت تهديدات من حلف «ناتو» والصين، ومن الحركات الانفصالية في الداخل.

ولم يحقق أي من الرئيسين الروسيين السابقين «بوريس يلتسين» (1991- 1999)، و«فلاديمير بوتين» (1999-2008 ) تقدماً مميزاً في مجال الإصلاح العسكري، فقد استمرت القوات المسلحة الروسية بالسير على نهج الاتحاد السوفييتي.

صحيح أنه تم رصد ميزانية مالية كبيرة للجيش الروسي، في فترة التسعينات، بفضل ازدهار عائدات البترول والغاز، إلا أن معظم هذه الميزانية كان يضيع هدراً، فقوام الجيش كان كبيراً، وكان يعتمد بشكل أساسي على التجنيد الإجباري، دون أن يكون هناك ترابط كبير بين الجيش والتحديات المعاصرة والمستقبلية التي تحيط بروسيا.

وقد برز القصور العسكري الروسي جلياً في فشل الجيش الروسي تهدئة الأوضاع في الشيشان، ومنهجه الذي اتبعه في حربه ضد جورجيا عام 2008، لهذا فإن الرئيس الروسي «ديمتري ميدفيديف» تبنى برنامج إصلاح عسكري يهدف للاستفادة القصوى والفعالة من الميزانية العسكرية، مع التركيز على تحديث الأسلحة، وبحسب ميدفيديف، فإن أولوياته ترتكز على رفع الفعالية العملياتية للقوات العسكرية، حتى لو كان ذلك على حساب الحجم، وبناء نظام ردع نووي قوي.

وتطوير القدرات الروسية بحيث تكون قادرة على ضبط الأوضاع فيما حولها، وأن تكون لديها قدرات على مستوى العالم، حتى وإن لم يصل الأمر لدرجة أن تمتلك قدرات تمكنها من خوض مغامرات عسكرية كبرى في القارات الأخرى.

ونتيجة لهذا، كشف وزير الدفاع الروسي «أناتولي سيرديكوف» النقاب، أخيراً، عن مرحلة جديدة في برنامج إصلاح الجيش الروسي، واصفاً ذلك بأنه التغير الأكبر للقوات العسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1949.

عناصر البرنامج

من العناصر الرئيسة التي يستند عليها برنامج الإصلاح العسكري الروسي الجديد تقليص قوام الجيش إلى مليون فرد بحلول عام 2012، مع الاستمرار في قبول التجنيد الاختياري، بهدف التحول، على المدى البعيد، إلى جيش محترف بالكامل، وكذلك التخفف من كثافة الرتب العسكرية في الجيش بتسريح أعداد كبيرة من الضباط، والتخلص من الوحدات العسكرية غير مكتملة القوة والجاهزية.