يمين اليمين الأميركي، العائد على جناح الانتخابات الأخيرة إلى موقع القرار في الكونغرس، متعجل لوضع بصماته على التوجهات الداخلية والخارجية.
من ناحية، لتأكيد حضوره. ومن ناحية ثانية، لتفريغ وتطويق سياسات الرئيس أوباما، وما تنطوي عليه من وسطية وانفتاح؛ بالرغم من تواضعها. فهو يتأهب للانقضاض عليها كلها. رسائله المتوالية منذ فوزه، في هذا الاتجاه؛ وإذا كانت الأولوية في أجندته للملفات الداخلية، إلاّ أنه لم يهمل القضايا الخارجية.
ولو أن خطابه بشأنها غير مسموع بعد. الآن جاءته الفرصة الأولى. فالإدارة تسعى لطرح معاهدة الاتفاق الجديد، بين موسكو وواشنطن حول خفض الأسلحة النووية، أمام مجلس الشيوخ للتصديق عليها. من دون خسارة وقت، سارع عتاة المحافظين إلى التحرك لإجهاضها.
فهم لا يقبلون بأقل من حرمان أوباما من قطف ثمار خطوة من هذا النوع والحجم. كما لا يرضون بأقل من نسف أي معادلة لا تحفظ التفوق التقليدي للولايات المتحدة. حتى ولو كان ثمن ذلك العودة إلى أجواء التوتر والتأزم، مع روسيا أو العالم.
عشية الانتخابات الأخيرة، أقرّت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وبغالبية كاسحة؛ المعاهدة التي وقّعها الرئيسان أوباما وميدفيديف، بخصوص خفض ترسانة الأسلحة النووية لدى البلدين، إلى حدود حوالي 1500 رأس نووي. أركان الجمهوريين في اللجنة، صوّتوا لصالحها. التوافق كان تقريبا بالإجماع حول هذه الخطوة، باعتبارها باتت لازمة. الحرب الباردة مضى على نهايتها عقدين.
واتفاقية ستارت الأولى للخفض، انتهت منذ سنة تقريباً. الرقابة المتبادلة على الترسانتين، توقفت في حينه. لوازم الأمن الاستراتيجي، تقتضي تجديدها. ثم هناك موضوع منع انتشار هذا السلاح في العالم لاجتناب مخاطره الكارثية.
فلا يستقيم الحديث في هذا الخصوص، فيما هذا السلاح باق على حاله في ترسانات الكبار. لكل هذه الأسباب والدواعي وفي ضوء تحسّن مناخات العلاقات مع موسكو، تحقق التأييد الواسع للمعاهدة.
على هذا الأساس، كان الاعتقاد بان الأجواء في الكونغرس باتت مهيأة للتصديق على المعاهدة، قبل نهاية العام الجاري. أي قبل تسلّم الكونغرس الجديد لمهامه، مع مطلع العام القادم.
لكن ذلك كان قبل حوالي شهرين. اليوم، مع اجتياح التشدّد و(حزب الشاي) للكونغرس تغيرت النغمة. ما كان في خانة المقبول، صار في لائحة المرفوض. وبالذات المعاهدة هذه. الدوائر التي تعكس الطرح المتشدّد الجديد، مثل مؤسسة «اميركان انتربرايز» في واشنطن، سارعت إلى إطلاق حملة تعبئة، ضدّ هذه الأخيرة والرئيس أوباما الذي وقّعها. حملة توجيه، بقدر ما هي تعبير عن الأجواء الجديدة السائدة.
خاصة وأنها لحظت وجود استعداد لدى إدارة أوباما للتراجع. ليس بالضرورة في بشأن هذه المعاهدة. بل في ملفات وسياسات أخرى عديدة، بدا الرئيس أنه على استعداد للمساومة حولها؛ في ضوء التغيير الذي شهدته الساحة السياسية. وكالعادة في الآونة الأخيرة، اعتمدت الحملة على خطاب التخويف.
تزعم أن الرئيس أوباما، دخل في «مساومة خطيرة»، لا تقدّم أكثر من «وعود على الورق»، في معاهدة «معطوبة». وهي بذلك «تعرّض قدرات أميركا النووية لإخطار جمّة». تهويش، يفضحه التأييد الواسع للمعاهدة، في أوساط الخبراء والأوروبيين الداعين إلى ضرورة الإسراع في التصديق عليها لتدخل حيّز التنفيذ قبل نهاية العام.
لكن الإدارة متخوفة من تأثير الأجواء السائدة على الكونغرس، بالرغم من أن حزبها الديمقراطي ما زال يملك الأغلبية في مجلس الشيوخ، الذي تعود له الكلمة الفصل بشأن المعاهدات الدولية. في ظلّ الوضع الراهن، صار احتمال عرضها على المجلس، قبل مجيء الكونغرس الجديد؛ غير مضمون.
ناهيك بتصديقها. معاونة وزيرة الخارجية لشؤون التسليح والأمن الدولي، ألن توشر، اكتفت، في ردها على سؤال ل(البيان)، بالإعراب فقط عن (أمل الإدارة) في أن يتحقق ذلك. وكأنه ما عاد بالإمكان تمريرها بالسهولة التي كانت متوقعة.
في الواقع، المعاهدة مهدّدة. المحافظون يطالبون بتغييرها. أو على الأقل بتعديلها وفق مواصفاتهم. بل يدعون إلى استئناف التجارب على أسلحة نووية جديدة. مجلس الشيوخ له تاريخ في رفض الاتفاقيات التي يعقدها الرئيس.
وقد تكون قابليته مفتوحة أكثر، هذه المرة، لإسقاط معاهدة هذا الرئيس بالذات. ومع أن التحذيرات تتوالى من العواقب، القريبة والبعيدة، لمثل هذه الخطوة؛ إلاّ أن أصحابه مصرّون على الإطاحة بالمعاهدة، لتكون باكورة انقلابهم الشامل. والمعادلة الجديدة تعزّز هذا التوجّه.
واشنطن ـ فكتور شلهوب
