في منتصف سنة 2010 بلغت العلاقات بين إسرائيل وتركيا حضيضا لم يسبق له مثيل. وكانت الحادثة في 31 من أيار، عندما أخضع جنود إسرائيليون المقاومة على متن سفينة تركية أرادت خرق حصار إسرائيل لقطاع غزة، كانت طرف الجبل الجليدي فقط. مع ذلك ينبغي أن نفحص عن التصعيد في العلاقات بين الدولتين لا في السياق المتبادل بينهما فقط. يشير التدهور السريع إلى تغير أعمق في تصور تركيا العام.

إن الجذور العقائدية لحزب العدالة والتنمية، وخيبة الأمل المتراكمة من عدم تقدم التفاوض في دخول الاتحاد الأوروبي بعثت تركيا على إحداث تغيير في سياستها الخارجية نحو تعزيز العلاقات بجاراتها القريبات.

سوريا وإيران

يمثَّل التغيير البارز بأفضل صورة بعلاقات تركيا المحسنة باثنتين من جاراتها القريبات هما إيران وسوريا. فقد دُفعت إلى الهامش النزاعات السالفة على لواء الاسكندرونة، وعلى الحقوق في المياه وتأييد سوريا لحزب العمال الكردستاني. قوّت الدولتان علاقاتهما التجارية، ونفذتا تدريبات عسكرية مشتركة (في شهر نيسان 2009). وتذكيرا بتسخين العلاقات أجرى رئيسا الدولتين زيارات رسمية متبادلة.

أحدث تغيير سياسة تركيا عند إسرائيل فرصة ومشكلة في الوقت نفسه. فبعد حرب لبنان الثانية، عندما وافق ايهود اولمرت، رئيس الحكومة آنذاك على بدء محادثات مع سوريا من جديد، وقفت منذ إخفاق المحادثات بوساطة الولايات المتحدة في الأعوام 1999 ـ 2000 أصبحت تركيا وسيطا طبيعيا. كانت سوريا في نظر الولايات المتحدة في عهد ادارة جورج دبليو بوش جزءا من محور الشر، ولم تكن الولايات المتحدة تستطيع ولم تشأ أن تجدد دور الوسيط. دخلت تركيا الصورة، وأثمرت خمس جولات المحادثات غير المباشرة التي تمت على ارض تركيا تقدما حقيقيا في القضية الرئيسة في الصراع بين سوريا وإسرائيل.

لم يكن شغل دور المضيفة والوسيطة في محاولة حل هذا العنصر المركزي في الصراع الإسرائيلي العربي يمكنه سوى أن يعظم تقدير تركيا لذاتها. كانت احتمالات شغل دور مركزي كهذا سببا رئيسا لرد تركيا الضعيف على مهاجمة المفاعل الذري السوري في السادس من ايلول 2007، والتي نسبت إلى إسرائيل. على حسب تقارير صحفية في الصحف، وجدت خزانات الوقود التي استعملتها الطائرات التي هاجمت المفاعل الذري على ارض تركيا.

سوريا وإسرائيل

بلغت المحادثات بين إسرائيل وسوريا نهاية مفاجئة عندما قرر رئيس سوريا بشار الأسد إلغاءها في أعقاب عملية «الرصاص المصبوب» في قطاع غزة، التي كانت ترمي إلى وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على تجمعات سكنية مدنية في إسرائيل. اختارت الحكومة الجديدة في إسرائيل برئاسة الليكود والتي تولت عملها في 21 من آذار 2009 عدم الاستمرار على مسار المحادثات مع سوريا. القرار شرعي لكن من شبه المؤكد انه لم يجر توضيحه وبيانه كما ينبغي لحكومة تركيا.

إن تجديد المحادثات بين إسرائيل وتركيا، المعلقة الآن، وهو تطور محتمل ؟ قد يُحمل العلاقات بين إسرائيل وتركيا ضغوطا أخرى. قلبت الإدارة الأميركية برئاسة الرئيس اوباما سياسة الولايات المتحدة نحو سوريا رأسا على عقب: فقد طُبقت سياسة الاتصالات على نحو بارز على سوريا. بعد خمس سنين من الغياب، سيعين من جديد سفير للولايات المتحدة في دمشق.

وقد زار السناتور ميتشل، المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، والسناتور جون كيري، رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ، وموظفون أميركيون آخرون العاصمة السورية مؤخراً.

تركيا وإيران

قد تفضل إسرائيل الولايات المتحدة في دور الوسيط، أما سوريا، مع أخذنا في الحساب علاقاتها المحسنة بتركيا، فقد تختار تركيا مع كل ذلك. لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتجاهل تفضيل سوريا هذا بغير إبعاد لأنقرة.

إن ما قد يحدث في حالة اتخذت سوريا وإسرائيل قرارا على تجديد المحادثات هو مبادرة وساطة تركية أميركية مشتركة لكن من وراء ستار، وهذه صيغة تستطيع سوريا وإسرائيل قبولها. في مقالة «صفر مشكلات في سياسة تركيا الخارجية» يذكر وزير الخارجية داود اوغلو وساطة تركيا بين سوريا وإسرائيل على أنها شهادة على نجاح السياسة التي خطط لها.

تتصل المرحلة الجديدة من العلاقات بين تركيا وإيران صلة مباشرة بالصراع السوري الإسرائيلي. كان الحوار المحسن بين الدولتين مصدر قلق عند الجماعة عبر الأطلسي وعند إسرائيل. إن تركيا منذ سنين، حتى قبل سيطرة حزب العدالة والتنمية على الحكومة في أنقرة تتعامى عن بعثات السلاح من إيران إلى حزب الله في إيران التي تتم باستعمال المجال الجوي لتركيا وسوريا.

ما ظلت العلاقات العسكرية بين إسرائيل وتركيا زاهية، اختارت إسرائيل عدم مراكمة صعاب وتجاهلت علنا دور تركيا في تزويد حزب الله بالسلاح. يجب أن يتغير هذا الوضع لان طلب إسرائيل من سوريا، في سياق تفاوض في تسوية الصراع بين الدولتين، سيكون وقف العلاقات العسكرية بإيران والكف عن كونها قناة تزود حزب الله بالسلاح. وسيوجه طلب مشابه أيضا إلى تركيا.

عوديد عيران ـ معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

كتابات أوغلو

جرى تثبيت تغيير توجه تركيا في إطار نظري في كتاب وزير خارجيتها احمد داود اوغلو «عمق استراتيجي»، وفي المدة الأخيرة أيضا في مقالته «صفر مشكلات في سياسة تركيا الخارجية» («السياسة الخارجية»، 20 أيار 2010).

يتحلل داود اوغلو نفسه ومتحدثون آخرون من حزب العدالة والتنمية من العنصر العثماني في أساس هذا التوجه، لكن الماضي العثماني، إلى جانب اللغة والديانة المشتركتين بين مناطق واسعة حول تركيا وموقعها الجغرافي الاستراتيجي عناصر مهمة في هذا التوجه. زيادة على المقارنة المثيرة للفضول مع الماضي العثماني، يكمن في تغيير بذور احتكاك مع إسرائيل ومع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في المستقبل.